كان الجو داخل القاعة خانقاً، مشحوناً بهالةٍ من الضغط الروحي الذي أثر فيه بوضوح، لكونه لم يوقظ مزرعته بعد؛ ومع ذلك، تجلد بالصبر وحافظ على برود ملامحه دون أن يطرف له جفن.
انقاد جومانجي نحو مجلس الشيوخ بخطىً وئيدة وهدوءٍ غريب، ولم يتفوه بشيء طوال الطريق؛ كان يرمق الأفق بنظراتٍ خاوية وملامح جامدة، وكأن جسده هنا وروحه تحلق في عوالم أخرى.
هذا الصمت المريب جعل الشاب الذي يتقدمه يلتفت نحوه بين الفينة والأخرى، يراقبه بحيرةٍ وتوجس، لكنه آثر الصمت هو الآخر ولم يقطع حبل السكون.
وفي الداخل، كانت الأجواء مشبعةً بالوقار والرهبة؛ حيث جلس عشرة شيوخ على وسائد قطنية ناصعة البياض، مصطفين في مواجهة بعضهم البعض بملامح يكسوها التركيز الشديد، ونظراتهم مصوبة نحو مركز القاعة.
وصلا أخيراً إلى بيتٍ مهيب، يتربع كحصنٍ منيع في قلب القبيلة، ويُعدُّ الأكبر والأفخم بين بيوت “إكسبيريا”.
كانت الكلمات وليدة اللحظة، لكنها نزلت بوقعٍ غريب على مسامع الحاضرين. ابتسم الجد العجوز في سره دون أن يلحظه أحد، بينما بدت الدهشة واضحة على وجه “جالفان” من رد ابنه غير المتوقع.
فجأة، كسر الصمت أحد الشيوخ؛ كان عجوزاً للغاية، يرتدي حُلة حمراء صارخة ونظارات سوداء، بينما رُبط شعره الرمادي بإحكام فوق جبهته كان اسمه سيكوت، وقال بنبرة حازمة: “لم يعد لدينا وقت لنضيعه بشأن افتتاح المزرعة الروحية؛ فقد وردتنا أنباء تفيد بأن قبيلة ‘الدب الرمادي’ قد شرعت في فتح مزرعتها لصغارها، وكذلك فعلت قبيلة ‘سمكة الكارب’”.
رغم ذلك، لم يجد منه سوى صمتٍ مطبق وهدوءٍ لا يتناسب إطلاقاً مع خطورة الموقف؛ صمتٌ جعل الزعيم والجد يدركان أن الصبي الذي يقف أمامهما الآن لم يعد يملك من “جومانجي” القديم سوى الاسم.
استشعر الزعيم والجد هذا الهدوء غير المعتاد؛ فأن يتقبل شابٌ مهددٌ بالسجن والحرمان من مستقبله الروحي لمدة ثلاثة سنوات مثل هذا الكلام دون اعتراض أو توسل أو حتى غضب، كان أمراً لم يسبق لهما رؤيته في جومانجي “الآخر”. في تلك اللحظة، تبادلا نظرةً صامتة محملة بالمعاني.
وفي صدارة المكان، كان هناك شخصٌ يجلس بسكينةٍ تامة، تنبعث منه هالة من القوة والسلطان؛ ومن ملابسه الفاخرة وجلسته الرصينة، كان جلياً أنه يتفوق بمهابته على الشيوخ العشرة مجتمعين.
لم يلتفت جومانجي للمرأة ولم يرد عليها، بل أبقى عينيه مثبتتين على زعيم القبيلة ببرود، مما أثار حنقها فتمتمت في سرها باحتقار: “وغدٌ مدلل”.
لقد كان زعيم القبيلة “اريكسون إكسبيريا”، الرجل الذي تخضع لأمره الرقاب، والذي كان سبب دعوة جومانجي، بعينيه صقريتين لا تفوتهما شاردة ولا واردة.
توزع الشيوخ العشرة في القاعة المهيبة؛ ثمانية رجال وامرأتان، إحداهما عجوز اشتعل رأسها شيباً منذ زمن بعيد، بينما كانت الأخرى في أربعينياتها، تنضح ملامحها بهيبة مطلقة وسطوة واضحة.
هنا تدخلت المرأة الأربعينية، وقالت بنبرة حملت الكثير من التوجس: “لقد سمعتُ أيضاً أن أحد صغار ‘سمكة الكارب’ قد أيقظ مزرعة ذات جودة ممتازة، وهو أمر لم يشهده أحد منذ أمد بعيد.. أنتم تدركون خطورة ما يعنيه هذا تماماً، أليس كذلك؟”.
ومن بين هؤلاء الجالسين، كان “جالفان” والد جومانجي، وعمه “ليمار” والد تاسكاست، إلى جانب بقية الشيوخ الذين غلف الغموض هوياتهم وسكنت نظراتهم خلف وقار السنين.
حلَّ الليل بسكونه المعهود، وجلس جومانجي وحيداً داخل زنزانته المظلمة، يرمق القمر البازغ من نافذةٍ صغيرةٍ لا تكاد تمرر الضوء. كان صامتاً، مستسلماً لعزلته بعد أن نطق زعيم القبيلة بحكمه النهائي؛ والذي قضى بسجنه حتى موعد افتتاح المزرعة الروحية، وجلده مائة جلدة فور تماثله للشفاء، مع منعه من مغادرة حدود القبيلة لعامٍ كامل. كانت أحكاماً صارمة صاغها “إريكسون” بنفسه لردع الصبي ووأد تمرده.
تنهد شيخٌ يرتدي بدلة خضراء واسعة ومنكمشة، وقد وضع عصاه الخشبية بجانبه بإهمال، وقال: “بطبيعة الحال نعلم يا كيونا ما يعنيه ذلك؛ فهذا الفتى إن أدرك كيف يسير مزرعته ويستغل إمكاناتها، فسيترك الجميع خلفه بلا شك، وهذا يمثل تهديداً مباشراً لمستقبل قبيلتنا ومكانتها”.
“معك حق يا جوركو”، هكذا علّق رجلٌ طغى الشيب على رأسه ولحيته الطويلة، ويُدعى “روهان”؛ كان يرتدي حُلة بنية باهتة وتبرز ندبةٌ غائرة حول عينيه، ثم أضاف: “ليس أمامنا إلا أن نرجو إيقاظ أحد صغارنا لمزرعة ذات جودة عالية لتخفيف هذا العبء، وإن كانوا اثنين، فسيكون ذلك نصراً مؤزراً لنا”.
“هو.. هو.. هو.. هو”، انطلقت ضحكة خفيفة من صدر رجلٍ طاعن في السن، بدا جلده ملتصقاً بعظمه من فرط الهزال، ومع ذلك كانت تحوطه هالة مخيفة تثير الرهبة في النفوس. قال بنبرةٍ متهكمة: “إن ابني جالفان يمازحكِ فحسب يا سيدة فارين.. هل يُعقل حقاً أن يُنال ذلك بالأعشاب؟ هذا من سابع المستحيلات”.
في تلك اللحظة، انبعث صوتٌ خافت من المرأة العجوز التي زُين رداؤها الوردي بزهور بنفسجية، وقالت: “لديّ أملٌ كبير في حفيدي ‘كايروس’، وأثق تماماً بأنه سيوقظ مزرعةً ذات جودة عالية”.
في تلك اللحظة، دبَّ الحماس في أوصال الشيوخ، فرفعوا أيديهم جميعاً دون تردد؛ إذ لم يجدوا وقتاً للتأجيل، فمستقبل أبنائهم وأحفادهم مرهونٌ بفتح تلك المزرعة التي ستحدد ملامح قوتهم القادمة.
التفت “جالفان”، والد جومانجي، نحوها وخاطبها بنبرةٍ حملت شيئاً من التساؤل: “يبدو أن السيدة ‘فارين’، كبيرة الحكماء، تملك ثقةً لا تتزعزع.. تُرى ما سرُّ هذا اليقين؟ هل منحتِهِ شيئاً من تلك الأعشاب السرية التي تعدينها؟”.
هنا تدخل “روهان” الأصلع متسائلاً: “إن كان الأمر كذلك، فلماذا لا تمنحين جميع الأطفال من هذه الأعشاب؟ أليس ذلك في مصلحة القبيلة؟”.
وعلى الفور، رفع “روهان” يده وأردف قائلاً: “بل علينا سجنه وحرمانه من الطعام والشراب، ليبقى في عزلةٍ تامة حتى يحين موعد افتتاح المزرعة الروحية”.
بابتسامةٍ هادئة، ردت السيدة فارين: “يبدو أنكم تبالغون في التفكير يا حضرات الشيوخ؛ فلو كان بمقدور الأعشاب وحدها رفع جودة المزرعة الروحية، هل كان العالم ليبقى على حاله الذي نراه اليوم؟”.
كان هذا العجوز هو والد “ليمار” و”جالفان”، وجدُّ جومانجي وتاسكاست؛ وكان يُعدُّ أكبر الشيوخ سناً وقدرة في تلك القاعة، لدرجة أنه كان يسبق زعيم القبيلة نفسه في العمر والخبرة.
من ذا الذي يجرؤ على الوقوف في وجهي هذه المرة؟ أيتها القارات السبع، لقد عدتُ من غياهب الموت، عدتُ ومعي جحيم ألف عام..
“حتى لو لم يُكتب لأحد صغارنا إيقاظ مزرعة ذات جودة عالية، فلا تنسوا أن شبابنا يمتلكون الأفضلية؛ فكل من ‘تاسكاست’ و’سولكير’ و’جينجي’ قد أيقظوا مزارع ذات جودة متوسطة، وهذا يمنحنا تفوقاً صريحاً في منطقة الجبل؛ فقبيلتا ‘سمكة الكارب’ و’الدب البني’ لم يوقظ شبابهم سوى مزرعة واحدة من تلك الجودة لكل منهما”. هكذا صرح أحد الشيوخ، الذي بدا بديناً وهو يتجرع رشفةً من جرته الطينية.
توالت مقترحات الشيوخ وتعددت آراؤهم حول العقوبة الأمثل لهذا التجاوز، بينما كان زعيم القبيلة “إريكسون” وجدُّ جومانجي يرقبان الفتى عن كثب، مترقبين ردة فعله تجاه تلك الأحكام القاسية التي كانت تُلقى في وجهه.
وبعد أن غلفه الصمت لبرهة، رفع زعيم القبيلة رأسه ووزع نظراته الصقرية على الجميع، ثم قال بصوتٍ وقور يتردد صداه في أرجاء القاعة: “أرى أننا سنفتتح ‘المزرعة الروحية’ بعد ثلاثة أيام من الآن.. من يوافقني الرأي فليؤيدني، رفع يده”.
ومع كل كلمة نطق بها الشيوخ، بدءاً من السجن والحرمان وصولاً إلى الإقصاء لسنوات، لم يحرك جومانجي ساكناً؛ ظل واقفا بجسدٍ مسترخٍ وملامح رخامية، واكتفى بالصمت المطبق وهو يصوب نظره نحو الأمام ببرودٍ منقطع النظير.
تقدم بخطىً رصينة، ثم انحنى مؤدياً التحية ذاتها التي شهد “تاسكاست” تفعلها بالأمس، وعندما استقام في وقفته، استشعر عشرات الأنظار التي كانت تنهش تفاصيله وتتفحصه من رأسه حتى أخمص قدميه.
بهذا القرار أُسدل الستار على جلسة مجلس الشيوخ، وقبل أن يهمّ أحدهم بالمغادرة، دخل الشاب الذي كان يقتفي جومانجي أثره؛ انحنى بوقار أمام الشيوخ وزعيم القبيلة وقال باقتضاب: “جومانجي بالخارج”، دون أن يضيف حرفاً واحداً.
ساد صمتٌ مطبق في القاعة والكل ينصت بتركيز، قبل أن تقطع المرأة الأربعينية السكون قائلة بحدة: “لقد انتهكتَ القوانين، ولا أحد هنا فوق سلطة القبيلة، حتى نحن الشيوخ. وبما أنك اقترفت هذا الخطأ، فعليك أن تتحمل تبعات فعلك؛ فلن نستمر بتتبعك كل مرة أيها المدلل.
أومأ الزعيم برأسه إيذاناً له بالدخول، فانحنى الشاب مرة أخرى واستدار مغادراً، ليدخل جومانجي بعد ثوانٍ معدودة بهدوءٍ تام اخترق سكون القاعة.
لكن المقترح الأشد قسوة جاء من “جوركو”، الذي تنحنح وقال ببرود: “بما أنه استهان بهذا الحدث الجلل وتصرف وكأنه لا يعنيه، فلماذا لا نحرمه من دخول المزرعة الروحية هذا العام؟ بل نؤجل دخوله لثلاث سنوات كاملة، ليكون عبرةً لكل من تسول له نفسه الاستخفاف بتقاليدنا”.
شعر جومانجي في تلك اللحظة وكأنه مكشوف تماماً أمام هؤلاء الرجال الذين بدت نظراتهم كنظرات وحوشٍ جائعة تترصد فريستها، وخاصة الزعيم.
وجه زعيم القبيلة بصره نحوه قائلاً بنبرة حازمة: “لقد تناهى إلى مسامعنا أنك خرقت الحظر وتوغلت في أعماق الغابة.. هل هذا صحيح؟ أنت تدرك تماماً أن الخروج في هذا الوقت ممنوعٌ منعاً باتاً، بل كان لزاماً عليكم المكوث في دياركم تأهباً لافتتاح المزرعة الروحية الذي بات وشيكاً”.
“لقد عدتُ بالزمن حقاً.. هذا الجسد الصغير، هذه الملامح.. لقد نجح الأمر أخيراً بعد كل ذلك العناء”.
كانت سمعة جومانجي “القديم” تسبقه كشخصٍ عابث سيئ الخلق، لذا كان رد المرأة طبيعياً جداً يعكس نظرة الجميع إليه، أما والده “جالفان” فقد آثر الصمت المطبق.
استجمع شتات نفسه، واستحضر سكينة قريته القديمة وهدوء الحظيرة الذي كان يألفه، ثم قال بنبرةٍ واثقة: “كنتُ أنشدُ السكينة التي ضاقت بها جدران المنزل؛ أردتُ أن أصغي لهسيس الرياح وهي تداعب أوراق الشجر، وأستمتع بزقزقة العصافير وخرير المياه العذب.. فهل من سبيلٍ أفضل للاستعداد لدخول ذلك المكان من الانغماس في هدوء الطبيعة؟”.
في تلك اللحظة، صوّب “جالفان” نظرةً حادة ومضطربة نحو “جوركو”، بينما سرت همهمات الدهشة في القاعة؛ فأن يُحرم شابٌ من فتح مزرعته لثلاث سنوات هو حكمٌ قاسي على مستقبله كمحارب. لقد كان عقاباً يفوق الوصف، حتى بالنسبة لفتىً بمثل سمعة جومانجي السيئة.
رمقه الزعيم بنظرة ثاقبة ثم عقب بصرامة: “ومع ذلك، فقد ضربت بالقواعد عرض الحائط؛ كان الأجدر بك إخطار أحد الشيوخ، والدك أو جدك مثلاً، ليصحبك”.
لم يتزحزح جومانجي عن ثباته ورد قائلاً: “لم أشأ إشغالهم عن ما كانوا يفعلونه لأجل أمرٍ قد يبدو تافهاً في نظرهم، لذا اكتفيتُ بإخبار ابنة عمي تاسكاست”.
استطرد الزعيم قائلاً: “كما قالت ‘كيونا’؛ المسؤولية تقتضي العقاب. في الحالات العادية، يستوجب فعلك مائة جلدة، لكن نظراً لإصابتك سنعفيك من الجلد.. ومع ذلك”، التفت نحو الشيوخ الجالسين بجانبه وأضاف: “إن كان لدى أحدكم عقابٌ يراه مناسباً لهذا الصبي، فليطرحه الآن”.
استغلت المرأة الأربعينية، “كيونا”، هذه السانحة وقالت بنبرةٍ تقطر صرامة: “مائة جلدة قليلة في حقه؛ بل عليه أن يذوق ألف جلدة حتى يستعيد صوابه، ولن نؤجلها إلا ريثما يبرأ من إصابته، وأرى أن هذا عقابٌ مخففٌ لمثله”.
شعر “جوركو” بثقل النظرات التي تنهشه، فابتسم بهدوء وقال مدافعاً عن رأيه: “لا تنظروا إليّ بهذه الطريقة؛ أنا فقط طرحتُ ما رأيته مناسباً. يجب أن يكون العقاب رادعاً وبقوة، كي لا يجرؤ أحدٌ بعد اليوم على كسر القوانين”.
“ألف عام من الكدح، ألف عام من القتل والدماء التي لا تجف، ألف عام من مرارة العيش وخبرات السنين المريرة..
لم يطرح زعيم القبيلة هذا التساؤل إلا ليكون بمثابة اختبارٍ للفتى ومعرفة ما سيفعله؛ فقد كان “إريكسون” قد صاغ في ذهنه عقوبةً متزنة بالفعل، لكنه أراد رؤية كيف سيتلقى جومانجي تلك الأحكام الجائرة والمقترحات القاسية.
وفي زاويةٍ أخرى من القبيلة، داخل غرفة كبيرة، كان هناك شابٌ في مثل عمر جومانجي، يفترش وسادته بشعرٍ أبيض طويل مبعثر. لم يكن غارقاً في نومٍ عادي، بل بدا وكأنه يصارع عوالم أخرى، وفجأة.. انتفض جالساً وهو يلهث بأنفاسٍ متلاحقة، بينما أخذت قطرات العرق تتسابق على جبهته الشاحبة.
سكنت أنفاسه لبرهة، ثم ارتسمت على ثغره ابتسامة خبثٍ مخيفة وهو يتأمل كفيه بذهول.
نهض من سريره بخطىً ثابتة نحو مرآةٍ كبيرة تصدرت غرفته، وحدق في انعكاس جسده الضئيل للحظة، قبل أن يطلق تنهيدةً مشبعة بالارتياح:
أطبق قبضته بقوة، واسترسل في حديثه وكأنه يخاطب قدراً غائباً:
Comments for chapter "الفصل 9"
MANGA DISCUSSION