حدقت في وجه الصبي القابع أمامها، وأدركت من بريق عينيه الصارم أنه لا يمزح أبداً، وأن حياة رفيقها معلقة بخيطٍ رفيع.
“أنت…!”
وضعت يوناي يدها على موضع قلبها الذي كان يدق بقوة، وتمتمت بنبرةٍ غلبت عليها الحيرة: “هل.. هل هذا هو..؟” تلاشت بقية كلماتها بين صمت الأشجار الكثيفة، وهي لا تزال شاخصة ببصرها نحو الفراغ الذي تركه خلفه.
كتم يوري الكلمة في حنجرته، وضغط على أسنانه بعجزٍ مرير وهو معلقٌ بين يدي جومانجي؛ تلك القبضة الفولاذية التي لم تترك له مساحةً للمناورة أو حتى لالتقاط أنفاسه المتهدجة.
تمتم جومانجي والكلمات تغص في حنجرته، غارقةً في مرارةٍ لم يعهدها من قبل. “هل هذا هو الثمن الذي يفرضه عليَّ هذا العالم القاسي بمجرد أن وطئت قدماي عتباته؟”
ثبت جومانجي بصره في عيني يوري، وهمس بنبرةٍ باردة كالجليد: “أتريد الجوهر الروحي؟.. ضعها قاعدةً في ذهنك: أيُّ شخصٍ يتجرأ على محاولة سلبِ شيءٍ مني، سأنتزع منه أضعاف ما يطمع فيه.
مر الوقت في سباقٍ محموم، وكان جومانجي يشق طريقه وسط حقلٍ شاسع من أزهار اللوتس البيضاء؛ نباتاتٌ فارعة الطول، عريضة الأوراق، تجعل المسير بين طياتها ضرباً من العناء.
ثم أضاف ونظراته تزداد قتامة: “إن معاداة فردٍ من عشيرة القلاق تعني معاداة العشيرة بأكملها، وسأجعله يدرك مرارة هذا الخطأ قريباً جداً.”
في تلك اللحظة الحرجة، اندفعت يوناي نحو جومانجي، وقد صبغت ملامحها حمرةُ الخجل والارتباك.
دوت صرخةٌ وحشية مزقت سكون الحقل، حيث تلوت الزهرة المصابة بألمٍ شديد وأطلقت سراح جومانجي.
أهذا هو أنا؟
قالت بنبرةٍ متوسلة: “أيها الزميل الروحي.. نعتذر منك. أخي لم يحسن التصرف ولم يزن كلماته بميزان اللباقة، أرجو منك العفو عنه وتجاوز ما سلف.”
“لماذا يحدث هذا لي الآن؟”
حول جومانجي بصره نحوها، وبنبرةٍ حادة وجافة خلت من أي مودةٍ أو مجاملة، أردف قائلاً: “وأنتِ أيضاً.. أفرغي كل ما في جعبتكِ من مدخرات روحية الآن.”
في المكان الذي تركهما فيه، كانت عروق جبهة يوري ناتئة بوضوح وهو يحدق في الأرض بغلٍّ مكتوم، ثم صرخ بصوتٍ مخنوق: “تباً له! تباً لذلك اللعين! من أين خرج لنا هذا الصبي؟ أهو من قبيلة ‘سمكة الكارب’ أم من ‘الدب البني’؟” سأل وهو يوجه نظرةً حارقة نحو يوناي، باحثاً عن أي تفسيرٍ يرمم كبرياءه المهشم.
خيم الصمت على يوناي للحظات، شردت فيها عيناها وهي تراقب يوري المعلق بين يدي جومانجي؛ كان يصارع بكل ما أوتي من قوة لانتزاع حريته، وقد احتقن وجهه بالدماء حتى صار قانيًا، وبدا أن أنفاسه المتقطعة توشك على التوقف تماماً.
تساءل في سكونٍ مميت: “هل كنت سأزهق روحه حقاً لو تمسك بعناده؟”
تنهدت الفتاة بمرارة، وأدركت أن العناد هنا انتحار محتم. وبحركةٍ مستسلمة، أخرجت عدداً كبيراً من الأنوية الروحية وأفرغتها على الأرض أمام جومانجي.
استسلم يوري أخيراً أمام وطأة الاختناق وتوسلات شقيقته، فمد يده المرتجفة وأفرغ ما كان يملكه من أنوية روحية، لتتناثر على الأرض بجانب مدخرات يوناي في مشهدٍ ذليل.
لم يرف جفن لجومانجي أمام هذا المشهد، ولم يحاول حتى أن يلقي نظرة إعجاب على جمال الفتاة الذي كان يسحر غيره؛ ففي نظره، لم تكن سوى فتاة عادية لا تختلف عن غيرها.
“يجب أن أجد ذلك ‘العليق’ قبل أن تبدأ عملية تطهير هذا الشرخ،” تمتم جومانجي بجديةٍ قاطعة.
لقد عاش عشرين عاماً، كان فيها زوجاً وأباً لطفلين، ومن أجل إعادتهم للحياة، شق طريقه القاسي في هذا العالم، فما عاد للجمال العابر مكان في حساباته الصارمة.
ظلت يوناي هادئة، غارقةً في تفكيرٍ عميق قبل أن تجيب: “لا أدري إلى أي قبيلةٍ ينتمي، فأنا لا أعرف عنه شيئاً.. لكنه يبدو أصغر منا سناً، ومع ذلك قتل ذلك الوحش.”
“لا تزال أنت..” قالها جومانجي وهو يحول بصره البارد نحو يوري الذي كان لا يزال يقاوم بعجز.
لم يضع الأخير فرصة واحدة؛ عاد إلى جسده الطبيعي وهو لا يزال في الهواء، وأحكم قبضته ثم انقضَّ بهجومٍ كاسح استهدف جذع الوحش الذي نال منه الحمض وأضعف دفاعاته.
ظل الفتى صامتاً، يبتلع غصة ذله وكبريائه الجريح، لكن يوناي تدخلت مرة أخرى بلهجة حملت رجاءً حاراً: “يوري.. لا تكن أحمق! حياتك أثمن بكثير من هذه الأنوية. يمكننا تعويض كل شيء بمجرد عودتنا إلى العشيرة، لكن موتك هنا يعني ضياع كل شيء!”
لم تعقب الفتاة على كلامه، بل وقفت تفكر بصمتٍ لدقائق، ثم همهمت بنبرةٍ جادة: “المهم الآن هو أن نلتقي بزملائنا في أسرع وقت؛ علينا أن نستعير منهم بعض الأنوية الروحية، فبدونها لا يمكننا البقاء في هذا المكان الموحش لدقيقةٍ واحدة أخرى.”
أفلت جومانجي قبضته فجأة، فسقط يوري أرضاً يتنفس بصعوبة وهو يمسك برقبته المحتقنة، وعيناه تفيضان بحقدٍ دفين، لكنه لم يجرؤ على التفوه بكلمة واحدة.
لم يتوغل جومانجي في أعماق الحقل سوى للحظاتٍ معدودة، قبل أن ينتصب شعر رأسه فجأة؛ استجابةً غريزية لإنذارٍ بخطرٍ داهم يتربص به.
انحنى جومانجي ببرود وجمع الأنوية الروحية؛ كانت غنيمة دسمة تعوضه عما فقده وتزيد، ثم استدار مغادراً المكان دون أن يلقي عليهما نظرة وداع، تاركاً خلفه جثة الخفاش المهشمة والفتى الذي تحطم كبرياؤه.
سار جومانجي بخطى ثابتة وهو يتمتم في سره: “المشاعر، الجمال، الانتماء للعشائر.. كلها عملات زائفة في سوق البقاء. طالما أني أحاول استرجاع عائلتي من العدم، فلن يقف في طريقي بشر أو أي شيء كان.”
انكمش جسد جومانجي بلمح البصر، ليتحول إلى طفلٍ ضئيل في الخامسة من عمره، بملامح طفولية ورأسٍ أصلع.
أما يوناي، فقد بقيت واقفة في مكانها، تراقبه وهو يختفي بين ظلال الأشجار الصخرية، وشعور غريب ينمو في صدرها؛ مزيج من المشاعر الجياشة والانبهار بشخصية هذا الفتى الذي لا يشبه أحداً ممن عرفتهم في عشيرة القلاق.
دوى صوت انفجارٍ هائل في الأرجاء، وتراجعت الزهرة السوداء بقوة مدمرة وهي تحطم أزهار اللوتس البيضاء من حولها، تاركةً وراءها فجوةً غائرة في جذعها؛ لم يكن ذلك بفعل قبضة جومانجي فحسب، بل بفعل الحمض الذي نهش أحشاءها.
بعد مسافةٍ ليست بالطويلة، تيبست قدما جومانجي فجأة وتوقف في مكانه.
خيم سكونٌ ثقيل على محيطه وهو ينظر إلى كفيه اللتين كانتا تقبضان على عنق يوري قبل قليل، وشعر بمرارةٍ لاذعة تجتاح قلبه. “ما الذي فعلته؟ لماذا اندفعتُ إلى تصرفٍ أرعن كهذا؟”
ارتسمت في عينيه ملامح خوفٍ مبهم وغير مألوف؛ فذاته التي يعرفها لم تكن تتسم بهذا القدر من الوحشية والحدة مع صبيين لم يشكلا خطراً حقيقياً عليه.
استشاط يوري غضباً وأردف قائلاً: “لا بد أنه استغل تشتت انتباه الخفاش وهاجمه خلسة، إنه وغدٌ جبان ومحتال!”
“لماذا يحدث هذا لي الآن؟”
أهذا هو أنا؟
“اللعنة!” صرخ جومانجي وهو يلتوي في الهواء ببراعة متجنباً المادة الحارقة، لكنه لم يكد يستقر حتى أحسَّ بجذورٍ غادرة تقبض على قدميه بقوة. لم تكن زهرةً واحدة، بل اثنتان تتقاسمان الصيد.
وأضاف في خلده: “أعلم يقيناً أن الوقت لا يزال مبكراً لمواجهة زعيم هذا المكان، لكن تحركاتي الأخيرة قد تخرج الأمور عن مسارها المعهود وتغير قواعد اللعبة.”
كان يجلد ذاته بأسئلةٍ لا ترحم، وهو يشعر بغصةٍ في قلبه وكأن رمالاً خشنة قد تغلغلت بين نبضاته؛ فخوفه لم يكن من الأعداء، بل من ذلك الغريب الذي استوطن داخله فجأة وبدأ يملي عليه تصرفاتٍ تقطر وحشية.
أغمض عينيه بقوة محاولاً طرد تلك الأفكار السوداوية، ثم أطلق تنهيدةً طويلة مشبعة بالارتباك، وهو يهمس لنفسه: “هل كان هذا هو الفعل الصحيح حقاً.. أم أنني بدأتُ أنجرف نحو هاويةٍ لا تشبهني؟”
شدَّ يوري على قبضته بقوةٍ هزت أركانه، والغلُّ ينهش صدره، ثم زمجر بصوتٍ أجش: “سواء كان من ‘سمكة الكارب’ أو ‘الدب البني’.. بمجرد أن نجتمع بزملائنا، سأقتفي أثره في كل زاوية من زوايا هذا الشرخ.
ورغم أنه بات معلقاً في الهواء رأساً على عقب وشعره منسدلٌ نحو الأرض، إلا أن ملامحه تبدلت فجأة؛ فبعد اضطراب الثواني الأولى، استعاد هدوءه البارد وكأن شيئاً لم يكن.
سأبحث عنه حتى أجده، وعندها أقسم بكل ما أملك، سأذيقه الموت ألف مرة ومرة جزاء ما اقترفه بحقي!”
بالعودة إلى جومانجي، كان قد قطع مسافةً طويلة مبتعداً عنهما، حيث نفض عن كاهله غبار التفكير فيما جرى؛ فثمة أمرٌ جلل بانتظاره يتطلب تركيزه الكامل وسرعة تنفيذه.
حثَّ خطاه وهو يشعر بثقل المسؤولية، وهمس لنفسه بحذر: “لا مجال للزهو أو التراخي الآن. رغم معرفتي بما سيؤول إليه المستقبل، إلا أن كل الاحتمالات واردة؛ فحتى حصاةٌ صغيرة إن وقعت في الطريق، قد تكون كفيلةً بقلب الموازين وتغيير القدر بأكمله.”
التفت يميناً وشمالاً بحذر، وفجأة، تحركت زهرة لوتس ضخمة بجانبه، لتكشف عن وجهٍ مرعبٍ ومسخ؛ حيث تبدلت بتلاتها الناصعة إلى سوادٍ فاحمٍ كالح.
ضيق جومانجي عينيه بتركيزٍ حاد وهمَّ بالتراجع، لكن الزهرة انقضت عليه فوراً، نافثةً من جوفها مادةً حمضيةً سوداء تقطر سماً.
أطبق قبضته محاولاً مهاجمة تلك الجذور المرنة التي أحكمت وثاقها حوله، لكن دون جدوى.
تمتم بنبرةٍ خلت من الذعر: “زهرة اللوتس السوداء من المرتبة التاسعة.. يا لكِ من وحش ماكر؛ تتسترين برداء اللوتس الأبيض النقي لتستدرجي فرائسكِ إلى حتفها.”
كان مشهداً يحبس الأنفاس؛ زهرتان تحاصرانه في كماشةٍ قاتلة، الأولى تلتف جذورها حوله كالأفاعي، والثانية تتهيأ لبصق سائلها الحمضي لتنهي أمره، ومع ذلك، ظل جومانجي ساكناً، يرقب الموت القادم بعينين باردتين كالثلج.
أمالت الزهرة السوداء وجهها البشع إلى الوراء، قبل أن تقذف بوابلٍ من سائلها الحمضي القاتل نحو وجه جومانجي مباشرة.
وفي تلك اللحظة الحرجة التي تفصل بين الحياة والموت، خرجت كلمات خافتة من فم جومانجي: “عليق الألف وجه”.
وقع التحول في جزءٍ من الثانية، مما سمح لكتلة الحمض الأسود بالمرور تحته مباشرة دون أن تمسه، لتجد هدفاً غير متوقع؛ جسد الزهرة الأخرى التي كانت تشد وثاقها عليه.
Comments for chapter "الفصل 45"
MANGA DISCUSSION