ثم أضاف بنبرةٍ حملت شيئاً من الغموض: “يجتمع الشيوخ الآن لرسم ملامح مستقبلكم، وغداً ستعلمون ما سيسفر عنه هذا الاجتماع من قرارات مصيرية.. أما الآن، فقد انتهت دروس اليوم.”
بعد أن استقر صدى المراتب الأربعة في عقولهم، لم يلبث الهدوء أن انكسر حتى ارتفعت يد فتى من بين الصفوف، وبنبرةٍ يغلب عليها الطموح الممزوج بالجهل، سأل: “ماذا عن الرتبة الخامسة يا معلم؟”
كانت بصيرته تسبق هذا الضجيج بقرون، ومعارفه المتجذرة بفضل “عليق النظرة” جعلت من عطايا الأكاديمية مجرد لعب أطفالٍ مقارنة بما يخطط لبلوغه.
ضيق المعلم عينيه، وبدت نظرته وكأنها تخترق حجب الغيب، ثم أجاب بصوتٍ حمل جفافاً وتوبيخاً مبطناً:
“قد يبدو لكم هذا الرقم كافياً، لكنه في الحقيقة شحيحٌ جداً ولا يلبي أدنى احتياجات الارتقاء.
“تسألون عن القمم وأنتم لم تتعلموا الزحف بعد.
تبع صبية المعلم في ممرات الأكاديمية التي كانت تفوح منها رائحة الخشب العتيق. ووصلوا إلى مكتبة الخيزران.
ارتقوا إلى المرتبة الثانية أو الثالثة أولاً، وحينها فقط ستمتلك عقولكم الأهلية لطرح مثل هذا السؤال.
في تلك اللحظة، اتجهوا نحو جناح “العليق” وهم يتبادلون نظراتٍ خاطفة يملؤها المكر، وكأنهم قد ضمنوا الغنيمة سلفاً.
هناك حقائق أمام أعينكم الآن هي أجدى بالمعرفة مما يقبع خلف أسوار المرتبة الرابعة.”
حتى ماهينور لم يعره اهتماماً الآن، لكن المستقبل سيكشف خصائص الكائن.
من يملك الأنوية يملك النفوذ، ومن يفتقر إليها سيظل قابعاً في قاع الهرم.”
ساد صمتٌ ثقيل، إذ أدرك الجميع أن المعلم قد أغلق باب الفضول لهذا اليوم.
اختار كل شخص من الصبية البذور التي تناسب تطلعاته، أما جومانجي فقد انتقى بذوره بعشوائية تامة؛ فلم تكن لهذه الأصناف أدنى قيمة في نظره، كونها مجرد بذور من الدرجة التاسعة.
كسر المعلم هذا الجمود بإشارةٍ حازمة من يده:
“والآن.. انتهى وقت التأمل. توجهوا جميعاً نحو ‘مكتبة الخيزران’؛ حان الوقت لتسلم الموارد المخصصة لبداية زراعتكم.”
وتابع المعلم وهو يرفع سبابته مؤكداً:
توهجت عينا كايروس ببريقٍ من الجشع المكتوم، بينما سأل أحد الصبية بصوتٍ غلبت عليه العفوية: “وما هي هذه الموارد التي سنتسلمها يا معلم؟”
في تلك اللحظة، استدار كايروس ونخبة الفتية المحيطين به، ورمقوا السائل بنظراتٍ مسمومة بالاحتقار.
لم ينطقوا بكلمة، لكن ألسنتهم الداخلية كانت تهمس بحدة: “جاهل.. كيف لمثلك أن يكون مؤهلا ليكون مزارعا؟”
تجاوز الجميع الردهة الرئيسية ليعبروا إلى الجناح المخصص للعليق، حيث كانت الأجواء أكثر برودة ورطوبة، والجدران مزينة بأوعية زجاجية متوهجة تضم بداخلها أنواعاً شتى من هذا الكائن الرخوي العجيب.
سأل أحد الصبية بفضول: “معلمي، لقد قلت إن مزارعنا هي من تنتج هذه الأنوية.. فكيف يحدث ذلك فعلياً؟”
وعلى الرغم من أن الكثيرين كانوا يدركون قيمة ما ينتظرهم.
كانت الأنوية النحاسية تتلألأ داخل الصناديق المعدنية بلون برتقالي شاحب، تنبعث منها نبضات خفيفة يشعر بها كل من يقترب منها.
“أما بخصوص ‘العليق’، فأحسب أن الكل يدرك ماهيته وقيمته، لذا لن أهدر الوقت في شرح البديهيات.. اتبعوني الآن.”
إلا أن وجود فئة لا تفقه أبجديات هذا العالم جعل التباين الطبقي يظهر بوضوح؛ ففي أكاديمية الخيزران، الجهل ليس مجرد نقص في المعلومة، بل هو وصمة عار تسبق الفشل.
في تلك اللحظة، تبادل الثلاثة المتآمرون نظراتٍ خاطفة مليئة بالشر، وتهامسوا بصوتٍ كحفيح الأفاعي: “استعدوا.. بمجرد أن يضع قدمه خارج الأبواب، سننقض عليه ونسلبه كل شيء.”
أجاب المعلم دون أن يُخفي شيئاً من تفاصيل العطايا:
نهاية الفصل
“سيحصل كل واحد منكم على ثلاث أنوية نحاسية لهذا الأسبوع، بالإضافة إلى بذور زراعية لمزارعكم؛ لكم حرية اختيار النوع الذي تفضلونه، لكن بكميات محدودة.”
على الرغم من أن إنتاج الأنوية الطبيعي كان شحيحاً في بدايته، إلا أن “كايروس” لم يفوت الفرصة؛ فرفع صدره بزهوٍ مفرط، ورمق جومانجي بنظرةٍ تقطر استعلاءً، وكأنه يذكره بالفجوة الشاسعة التي ستفصل بين ثرائه الروحي وفقر جومانجي المدقع.
“وأيضاً، يحق لكل منكم إختيار ‘عليق’ واحد من الدرجة التاسعة، ويمكنكم انتقاء النوع الذي يلائم توجه زراعتكم، طالما أنه عليق واحد لا غير.”
نفس شخص الذي سأل المرة الأخيرة سأل مرة أخرى لم يهمه سخرية الآخرين منه: ماهي الأنوية والبذور الزراعية يا معلم.
رمق المعلم الصبي بنظرة فاحصة، فلمح سحابة من الإرباك تعلو وجهه ووجوه البعض؛ إذ بدت هذه المصطلحات لبعض الفتية كأحجيات غامضة لا يفقهون كنهها، مما دفعه لتقديم شرح أكثر عمقاً وتفصيلاً.
لم يكن زهد جومانجي في هذه الموارد نابعاً من قلة اهتمام، بل من معرفة مطلقة بكُنهها؛ فهو يدرك يقيناً قيمة الأنوية والبذور، لكنه يرى ما لا يراه الآخرون..
“حسناً، استمعوا جيداً فلن أعيد هذا الشرح لاحقاً.. الأنوية الروحية هي وقودكم الأساسي، فهي تساهم بشكل مباشر في رفع كثافة الطاقة الروحية داخل حدود مزرعتكم، مما يسرع من وتيرة نمو بذوركم وارتقاء بئر الروح لديكم.”
“واعلموا أن مزارعكم لن تظل مستهلكة فحسب، بل ستتحول مع الوقت إلى ينابيع تُنتج أنويتها الخاصة، لكن هذا الإنتاج محكومٌ بجودة المزرعة؛ فالمزرعة ذات الجودة السيئة لن تجود عليكم إلا بنواة نحاسية واحدة كل شهر، بينما تمنح الجودة المتوسطة نواتين، وتتربع الجودة الممتازة على العرش بإنتاج ثلاث أنوية شهرياً.”
سكت المعلم قليلاً ليتيح لهم استيعاب الفجوة، ثم تابع بنبرة أكثر حدة:
وسط هذا الجو المشحون، انحرف مسار تفكير إثنين من الصبية نحو الغدر؛ فمال أحدهم نحو رفيقه هامساً بنبرة غارقة في الدناءة: “ما رأيك أن نسلب تلك الأنوية والبذور منه فور خروجه من هنا؟”
لقد اختبرتم ذلك بأنفسكم داخل المزرعة الكبرى للقبيلة، والآن جاء الدور لتمارسوه في عالمكم الخاص.”
وايضا تعتبر الأنوية العملة الوحيدة معترف بها في تجارة المزارعين؛ فالذهب والفضة والكنوز الدنيوية ليست في نظرنا سوى حطامٍ وقمامة لا قيمة لها، لأنها لا تزيد القوة ولا تطيل العمر.
تقدم كايروس بزهو، وكأنه يملك الأكاديمية بأكملها، متناولاً أنويته وبذوره بنظرة تملؤها الثقة المطلقة.
ومع نهاية كل شهر، وبحسب جودة مزارعكم، ستجدون هذه الأنوية تطفو بجانب البذرة كأجرامٍ صغيرة مستعدة للاستخدام.”
أما جومانجي، فقد كان يشيح بنظره بعيداً، غارقاً في آفاقٍ لا يدركها هؤلاء؛ لم يلحظ حتى نظرة كايروس المستفزة، ليس تجاهلاً فحسب، بل لأنه لم يره حتى أصلا.
في هذه الأثناء، كان جومانجي يتحرك بهدوء وثبات، ينتقل من وعاء إلى آخر بعينين خبيرتين، حتى توقف أمام وعاءٍ يضم كائنات رخوية سوداء موشاة بخطوط بيضاء دقيقة.
رفع المعلم رأسه وأوضح قائلاً:
“الأمر يتعلق بالبذرة التي تتوسط بئر الروح؛ فهي تعمل كمكثفٍ عظيم يمتص الطاقة الروحية من محيط المزرعة ويصقلها بدقة متناهية.
ومن هذا الصقل، تتولد النواة النحاسية كقطرة ندى تجمدت من شدة الضغط الروحي.
ثم اكمل مشيراً إلى “البذور الروحية”:
“أما بخصوص البذور، فمنطقها لا يختلف عما يفعله الفلاحون في أراضيهم الدنيوية؛ الفرق الوحيد أن تربتكم هي أرض المزرعة الروحية، وماؤكم هو طاقة الروحية.
أومأ الجميع برؤوسهم إدراكاً، فختم المعلم حديثه باختصار:
لم تكن مجرد مخزن الكتب بل كانت أشبه بخلية نحل؛ حيث كانت الرفوف الشاهقة تمتد حتى السقف.
نهاية الفصل
وعندما توقف المعلم أمام ردهة فسيحة، أشار بيده نحو صناديق معدنية وخزائن خشبية مصطفة بنظام:
رفع المعلم رأسه وأوضح قائلاً:
“هنا ستبدأ رحلتكم الحقيقية. ليتقدم كل واحد منكم بالترتيب لتسلم أنويته وبذوره، وبعدها سيكون لكم الحق في دخول جناح ‘العليق’ لاختيار رفيق دربكم التاني.”
بينما كان الطلاب يتزاحمون بلهفة، ظل جومانجي و ماهينور في مؤخرة الصف، يراقبان المشهد بهدوء. بالنسبة لهم، لم يكن هذا الطابور سوى إجراء روتيني ممل.
نهاية الفصل
“بذور من الدرجة التاسعة.. إنها لا تصلح إلا أن تكون علفاً للماشية”، هكذا همس في قرارة نفسه بتهكم قبل أن يتراجع إلى الخلف، بينما كانت نظرات الازدراء تلاحقه من كل جانب.
“أنا معكم في هذا”، هكذا تدخل الصبي الثالث الذي كان يرتدي رداءً أصفر باهتاً، وهو ابن “الشيخة كيونا”. وتابع بخطة مسبقة: “سيكون لكل واحد منا نواة نحاسية، أما البذور فسنقتسمها بالتساوي بيننا.”
انتاب فتى آخر حماسٌ خبيث وأردف قائلاً: “القبيلة لا تتدخل في نزاعات الصغار، وهذه فرصة لا تُعوض؛ فتلك الموارد ستضيع هباءً في يد ذلك ‘القمامة’، لذا لا بأس من وضع أيدينا عليها.”
نهاية الفصل
وهكذا، تعاهد الثلاثة بصمت، عاقدين العزم على نصب كمين لجومانجي بمجرد مغادرته أروقة الأكاديمية.
رتبته الثامنة المختبئة خلف هذا المظهر المتواضع مذهلة حقاً، وجومانجي الوحيد الذي يمتلك مفاتيح تطويره إلى رتبة ثامنة في القبيلة.”
نظر إليهم المعلم وقال بصوتٍ يملؤه التحذير: “ستجدون نوع العليق وخصائصه مدونة بوضوح أمام كل وعاء، لذا أعملوا عقولكم وركزوا جيداً فيما تختارونه؛ فرفيقكم هذا هو من سيحدد مسار قوتكم.”
انطلق الصبية يتفحصون الأوعية بلهفة، يقرأون الإرشادات ويقارنون بين الخصائص، وبدأ كل واحد منهم ينتقي العليق الذي يراه الأنسب لمستقبله.
انقبضت أسارير جومانجي وهمس في أعماقه: “العليق الوحشي..
ومع انتهاء الجميع من اختيار العليق الثاني لمزارعهم، قطع المعلم حبل تأملاتهم قائلاً: “حسناً، يمكنكم الآن العودة إلى منازلكم والبدء في الزراعة فوراً؛ فلا مكان للمتهاونين بيننا، والطريق يتطلب جهداً لا ينقطع.”
Comments for chapter "الفصل 22"
MANGA DISCUSSION