لكن الطريق لا يتوقف هنا؛ فكلما جمعتم قدراً معيناً من الطاقة الروحية حتى يضيق بها البئر، يحدث “انفجار روحي” محكوم، يتحول فيه البئر إلى **بركة**، وتنبت للبذرة ورقة ثانية، وهذا يعني وصولكم إلى المرحلة الثانية في المرتبة الأولى.
استلقى جومانجي على سريره، غارقاً في مراجعة تلك الذكريات المبعثرة التي اجتاحت عقله.
لقد قرأتُ في سجلات عائلتي أن الجودة الممتازة هي نهاية المطاف، فكيف لوجود رتبةٍ تضاعف إمكانات الثمانية كيلومترات والتسع أيام؟ هذا يبدو… غير منطقي.”
كان هناك سؤالٌ واحد يؤرقه ولا يجد له جواباً شافياً: ذلك الفتى ذو الشعر الأبيض؛ لقد استحوذ هو الآخر على جوهر “عليق الغسق الليلي”، وجومانجي يدرك جيداً أن هناك طريقة واحدة فقط لاستخدام هذا الجوهر، ولا يعرفها سواهما.
“يا بني، منطقك محدودٌ بمساحة ما قرأت، والعالم لا يكترث بحدود عائلتك.
لكن العقدة الحقيقية تكمن في الغاية؛ هل يمتلك ذلك الفتى جنيناً آخر لمزرعته؟ أم أن لديه طريقة أخرى لاستخدام “عليق الغسق الليلي”؟ كان هذا الغموض يثير ريبته بشكل كبير.
ومع استمراره في الغوص داخل أغوار ذكرياته، وجد أخيراً الخيط الذي كان يبحث عنه، لكن الصدمة ألجمته؛ فما تجلى في ذهنه لم يكن مجرد أحداث من الماضي الغابر، بل كانت شذرات وصوراً لمستقبلٍ لم يأتِ بعد.
كان الصمت هو القاسم المشترك بينهما في هذا الشهر الأول، حيث تحتم على الجميع الحضور يومياً لتعلم أبجديات الزراعة، في انتظار اللحظة التي سيبدأ فيها كل واحد منهم شق طريقه الخاص في عالم القوة.
عقد جومانجي حاجبيه بشدة، وساد صمتٌ ثقيل وهو يتمتم لنفسه: “إذن.. هذا ما يخبئه المستقبل..”
ساد صمتٌ عميق للحظات قبل أن ينهي المعلم هذه الجولة التأملية بقوله: “يمكنكم الآن فتح أعينكم.”
لم يبرح جومانجي مكانه، وظل ساكناً طوال اليوم والليلة، يقلب تلك الذكريات بدقة متناهية.
كانت تلك المعارف كنزاً يفوق في قيمته آلاف المجلدات؛ فلو أمضى عقوداً من عمره في الدراسة، لما استطاع بلوغ هذا العمق من الفهم، لكن بفضل “عليق النظرة”، غدا المستحيل ممكناً، وأصبح الطريق أمامه مكشوفاً بوضوحٍ مخيف.
ساد الذهول أرجاء الحلقة، وسأل أحد الصبية بلهفة: “وما اسمها يا معلم؟”
نهاية الفصل
صاح الديك معلناً بزوغ فجر يوم جديد، وكان على جومانجي أن يستعد للذهاب إلى “أكاديمية الخيزران” التي تديرها القبيلة.
هذه البذرة هي “المحرك” الذي يمتص الطاقة الروحية ويخزنها داخل البئر، وفي بدايتكم هذه، تمتلك البذرة ورقة واحدة فقط.
رمق النافذة بنظرة سريعة، ثم نهض ببطء وعيناه مثقلتان بالنعاس؛ فقد جفاه النوم منذ وقت طويل، منذ يوم ولوجه المزرعة الروحية.
فبالنسبة له، لم تكن هذه الحشود سوى ضجيج عابر لا يستحق الالتفات.
استجمع شتات نفسه، واقترب من خزانة خشبية عتيقة ليغير ملابسه بسرعة؛ فبعد أن كان يرتدي الرداء الرمادي الشاحب، اختار الآن رداءه الأسود القاتم.
لقد استعاد مظهره المعتاد، حتى الجرح الذي تركه مخلب الدب على ظهر الملابس تلاشى، وتساءل في قرارة نفسه: هل كانت تلك المرأة التي يُفترض به أن يناديها “أمي” هي من اعتنت به؟
كان الجو العام مشحوناً بالجدية والمنافسة؛ فكل زاوية في الأكاديمية كانت تذكّر الطلاب بأن القوة هي العملة الوحيدة المعترف بها هنا.
أم أن الأمر حدث بطريقة أخرى؟
لكنه سرعان ما نفض الفكرة عن رأسه، فلم يعد يهتم لمثل هذه التفاصيل الآن.
لم تكن “أكاديمية الخيزران” مجرد مبنى للتعليم، بل كانت أشبه بحصنٍ منيع يمتد على مساحة شاسعة في الطرف الشمالي من أرض القبيلة.
قطع المعلم حبل صمتهم بصوتٍ أجش يملؤه الوقار: “حسناً الآن.. أغمضوا أعينكم، ودعوا إدراككم يسوقكم نحو أعماقكم، حيث يربض بئر الروح.”
سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى غابات الخيزران الخضراء التي تحيط بها، والتي يُقال إن جذورها تتغذى على الفائض من الطاقة الروحية للمتدربين.
عند وصول جومانجي، انتصبت أمامه البوابة الرئيسية المنحوتة من خشب الأبنوس، يعلوها شعار القبيلة الذي يتوهج بخفوت: قبيلة اكسبيريا، وتحتها مباشرة ورقة الخيزران.
وخلف البوابة، امتدت ساحات التدريب المرصوفة بحجارة بيضاء صلبة، يتصاعد منها غبار ناتج عن تدريبات الصباح الباكر.
كانت الأكاديمية تتألف من عدة أجنحة مرتبة حسب “رتبة المزرعة الروحية”:
قاعات التأمل: مبانٍ دائرية ذات سقوف مدببة، مُصممة لامتصاص الطاقة الروحية من الأنوية النحاسية وتوجيهها نحو الطلاب.
بئر الروح الذي تستكشفونه الآن هو المرحلة الأولى من المرتبة الأولى في سلم القوة.
ميادين النزال: حلبات واسعة محاطة بحواجز طاقة لمنع ارتداد الضربات الروحية نحو المشاهدين.
التهبت نظرات كايروس تأييداً لقول تابعه، وكأن فكرة وجود شيء يتجاوز “امتيازه” كانت تطعن في كبريائه.
مكتبة الخيزران: برج شاهق يضم المخطوطات واللفائف التي تشرح طرق الزراعة وتقنيات القتال.
وتسير هذه المرتبة على نهج سابقتها؛ بئر، فبركة، فبحيرة، فبحر، ثم محيط.”
أم أن الأمر حدث بطريقة أخرى؟
وبينما كان جومانجي يخطو خطواته الأولى داخل الساحة، بدأ يشعر بنظرات الطلاب التي تلاحقه؛ نظراتٍ تمزج بين الاستخفاف والبغض كونه خرج من “البوابة الحمراء”.
سأل فتى آخر بصوتٍ خفيض وهو لا يزال مغمض العينين: “وماذا عن تلك البذرة التي تتوسط قعر البئر؟ ما هو دورها الحقيقي؟”
تجاهل جومانجي تلك النظرات ببرود تام، ولم يلقِ بالاً لسهام الاستحقار والبغض التي رُشقت نحوه.
نهاية الفصل
شق طريقه بثبات نحو مجموعة من الفتية الذين شاركوه رحلة المزرعة الروحية، حيث كانوا يجلسون القرفصاء في حلقة يملؤها الإنصات.
أما إذا قُدر لأحدكم بلوغ نهاية محيط المرتبة الثالثة وتفجيره، فستتجلى له بذرة الروح الحمراء بورقة واحدة، وهذا يعني وصولكم إلى أعتاب المرتبة الرابعة.”
توسط الحلقة رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي بدلة خضراء مطعمة بخيوط ذهبية تعكس مكانته، وقد أضفى شعره الذي غزا بياضه مفرق رأسه وقاراً وهيبة؛ كان منغمساً في شرح أصول الزراعة وقواعدها الصارمة.
ثم التفتت عينا المعلم، دون قصد، نحو الصفوف الخلفية حيث يجلس جومانجي.
تسلل جومانجي بهدوء وجلس في الصفوف الخلفية، مفضلاً البقاء في الظل؛ فبالرغم من أن هذه الشروح لم تكن لتقدم له جديداً بعدما غرق في بحر الذكريات، إلا أنه أدرك أن غيابه في هذا الوقت الحرج سيجعل منه هدفاً للشبهات.
لم تكن محاولة التواري كافية لتحجب حقيقته عن أعينٍ تترصد السقوط؛ إذ التقت نظراته بوجوه كايروس ورفاقه التي انقبضت بملامح الاشمئزاز فور رؤيته.
ساد همسٌ خبيث في حلقتهم، قبل أن يكسر أحدهم حاجز الصمت متمتماً بلفظةٍ واحدة لخصت نظرتهم إليه: ‘قمامة’.”.
“توقفت حركة المعلم فجأة، واتجهت نظراته الثاقبة نحو مصدر الصوت بصمتٍ كان أشد وطأة من الكلام. وبنبرةٍ هادئة لكنها تحمل ثقلاً لا يُطاق، قال: ‘أحكم إغلاق لسانك يا بني.. الساحة هنا لتعلم الزراعة، لا لتبادل التفاهات’.”
“تراجع الصبي وابتلع كلمته تحت وطأة نظرة المعلم، لكن عينيه ظلتا تقدحان شرراً، مثبّتتين على جومانجي بنظرةٍ قاسية لم تخلُ من الحقد، تماماً كما فعل البقية الذين لم تنجح أوامر المعلم في إخماد نيران الازدراء الكامنة في حدقاتهم.”
لم يكن جومانجي الوحيد الذي يبحث عن التواري؛ فبين الجالسين، لمح “ماهينور” ذا الشعر الأبيض، والذي بدا وكأنه يتبنى الاستراتيجية ذاتها.
ثم انتقل لشرح ماهية الانتقال بين المراتب الكبرى: “بمجرد وقوع الانفجار العظيم في محيط المرتبة الأولى، يتلاشى السواد وتولد من بين الحطام بذرة جديدة صغيرة بلون أزرق فاتح ذات ورقة واحدة، لتتمركز في قعر البئر معلنةً بدايتكم في المرحلة الأولى من المرتبة الثانية.
وقبل أن يمتثل الجميع، قاطع أحد الفتية المشهد بسؤالٍ ينم عن حيرة: ما هو بئر الروح أيها المعلم؟
كان “تاريك”، أحد الفتية المقربين من كايروس، قد فتح عينًا واحدة ونظر نحو المعلم بتشكيكٍ ممزوج بالغرور وقال:
ارتسمت ابتسامة هادئة على محيا الرجل وهو يقول: “لهذا السبب تحديداً طلبت منكم إغلاق أعينكم.. الرؤية تبدأ من الداخل.”
أجاب المعلم وهو يشبك يديه أمام صدره بوقار: “كما تعلمون، تنقسم المزارع في بدايتها إلى ثلاث رتب من الجودة: السيئة، والمتوسطة، والممتازة.
توقفت أصابع المعلم عن التشابك، وساد في القاعة ضغطٌ مفاجئ جعل الأنفاس تضيق.
سارع الفتية بإغلاق جفونهم، واستأنف المعلم حديثه بنبرة تعليمية رصينة: “لقد نجحتم جميعاً بالأمس في إيقاظ مزارعكم الروحية، لكنكم لا تزالون في بداية الطريق الوعر.
الجودة المتوسطة: تصل مساحتها لستة كيلومترات مربعة، والزمن فيها أسرع؛ حيث يعادل اليوم الواحد خمسة أيام بالداخل.
واعلموا أن المرتبة الأولى تتكون من خمس مراحل، والبئر هو حجر الزاوية فيها.”
أجاب المعلم بجدية: “بذرة الروح هي جوهر البئر ووقوده، تماماً كما يعد البئر ركيزة أساسية للمزرعة الروحية بجانب الجنين؛ فبدون نبض تلك البذرة، لن يكون للبئر معنى، ولن تكون للمزرعة فرصة للتوسع.
تحدث أحد الصبية بفضولٍ جارف: “وكيف تتوسع المزرعة يا معلم؟”
الجودة السيئة: تمتد مساحتها لأربعة كيلومترات مربعة، والزمن فيها يتدفق بمعدل (يوم واحد في عالمنا يساوي ثلاثة أيام هناك).
ولكل واحدة منها حدودها ومقاييسها الخاصة التي تحكم المكان والزمان بداخلها.”
ثم استطرد موضحاً:
وفي قمة المرتبة الأولى، حين ينفجر البحر تحت وطأة الضغط الروحي، يولد **المحيط** وتكتمل الأوراق الخمس للبذرة السوداء.”
الجودة الممتازة: تبلغ مساحتها ثمانية كيلومترات مربعة، وبها فجوة زمنية هائلة؛ فيوم واحد هنا يمنحك تسعة أيام من الزراعة هناك.
وتابع المعلم سرد تسلسل الألوان والمستويات: “وعندما يبلغ محيط المرتبة الثانية ذروته وينفجر، تبرز بذرة زهرية بورقة واحدة، مؤذنةً بانطلاق المرتبة الثالثة.
بعد سماع هذه الأرقام، ارتسمت ابتسامة ثقة على وجه “كايروس” وهو لا يزال مغمض العينين، وتمتم بوضوح: “إذن هي تستحق حقاً أن تتربع على عرش عالم الزراعة.”
لكن المعلم قاطعه بصرامة مفاجئة: “من قال لك ذلك؟ أتظن أن الجودة الممتازة هي سقف الطموح؟ بل إن هناك رتبة رابعة تتجاوز هؤلاء الثلاثة مجتمعين، وتعد ضعفهم في الإمكانات والقوة.”
رد المعلم وهو يعيدهم لجو التأمل: “دعونا نستكمل الدرس أولاً.. ستعلمون ذلك في الوقت المناسب.”
ساد صمتٌ قصير، لكنه لم يدم، إذ قطعه صوتُ ضحكةٍ مكتومة لم يستطع صاحبها لجمها.
“معذرةً أيها المعلم، ولكن الرتبة الرابعة التي تتحدث عنها مجرد أسطورة اليس كذلك؟
نظر نحو تاريك ببرودٍ مخيف وقال:
الرتبة الرابعة ليست أسطورة، بل هي حقيقة لا غبار عليها، من كل مئة مليون، واحد يملكها وهي لا تحصل بل تكتسب بل تخلق مع الشخص.”
كان جومانجي لا يزال مغمض العينين، هادئاً كجثةٍ في تابوت، لكن زاوية فمه ارتسمت عليها ابتسامةٌ لا تكاد تُرى؛ ابتسامة شخصٍ لا يعرف الرتبة الرابعة فحسب.
استطرد المعلم بنبرة أكثر حزماً: “والآن، أطبقوا أجفانكم.. سنتحدث عن كيفية التوسع، وهذا أهم من أحلام اليقظة التي تراودكم.”
إن كل واحد منكم، وبمجرد إيقاظ مزرعته، يحصل على بئر الروح وبذرة الروح السوداء التي تتوسطه.
بعد أن علمتم معالم جودة المزرعة وتفاوتاتها، لنعد إلى سؤالنا الأساسي: كيف تتوسع هذه المزرعة وتنمو؟
صمت المعلم قليلاً ثم تابع موضحاً ميكانيكية الارتقاء، وهو يراقب ملامح الانبهار على وجوههم: “وعندما لا يعود حتى المحيط قادراً على تحمل طاقة روحية، ينفجر الانفجار العظيم، معلناً بذلك كسر القيود ودخولكم رسمياً إلى المرتبة الثانية.”
واستطرد المعلم بنبرة أكثر حماساً: “وهكذا تستمر الرحلة؛ فحين تعجز البركة عن احتواء فيض الطاقة، تنفجر لتتحول إلى **بحيرة**، وتنبثق من البذرة ورقة ثالثة معلنة دخولكم المرحلة الثالثة.
ثم تتبعها البحيرة لتتحول إلى **بحر** شاسع مع الورقة الرابعة.
وأضاف المعلم موضحاً أثر هذا الارتقاء: “وهذا التحول لا يقتصر على شكل خزان الطاقة فحسب، بل يتبعه توسعٌ جغرافي في مساحة المزرعة، وازديادٌ مطرد في تسارع الوقت داخلها، مما يمنحكم عمراً إضافياً للزراعة.”
Comments for chapter "الفصل 21"
MANGA DISCUSSION