تمتم جومانجي وهو يشيح بنظره نحو الأعماق الضبابية للشرخ: “أعلم يقيناً أن هذا المكان يحوي نوعاً نادراً من ‘العليق’، والحصول عليه هو هدفي الأسمى هنا..
استجمع جومانجي شتات نفسه، ثم انحنى بهدوءٍ نحو جثة الحشرة الهامدة؛ وبين ثنايا أحشائها الممزقة، لمح شيئاً يتوهج ببريقٍ خافتٍ وغامض.
لم يكن اتجاه جومانجي عشوائياً، بل كان يقتفي أثر “أضعف” الحشرات التي تفرقت؛ فبدلاً من مواجهة السرب كاملاً، صار هو الآن “الصياد” الذي يستفرد بفرائسه واحدةً تلو الأخرى.
مدَّ يده بثباتٍ والتقط ذلك الجسم المشع، ومسح عنه بقايا السائل الأزرق.
تأمل الحبة المستديرة بين أصابعه، وتمتم بنبرةٍ خالية من التعجب: “جوهر الروح..”
لكن المعضلة تكمن في جهلي بمكانه الدقيق.”
كان الجوهر كروي الشكل، يتلألأ بنقاطٍ دقيقة تشبه النجوم البعيدة المحبوسة في مادةٍ بلورية، بينما فاق حجمه حبة العنب بثلاثة أضعاف.
كيف لمخلوقٍ -مهما بلغت صلابة درعه- أن يصمد أمام لكمةٍ مشحونة بطاقةٍ تزن طناً؟
لكن في وضعي الراهن، الاقتراب من العش الرئيسي انتحارٌ محقق؛ سيمزقونني إرباً قبل أن تطأ قدماي عتبة دارهم.”
استشعر جومانجي نبض الطاقة الخام الكامن داخله، وأضاف في سره: “عليَّ جمع أكبر قدرٍ ممكن من هذه الجواهر؛ فهي ليست مجرد جواهر عادية، بل ثروةٌ طائلة يمكنني مقايضتها لاحقاً.”
أخفى جومانجي الجوهر داخل حدود “مزرعته الروحية” بسرعةٍ حذرة، ثم انتصب في وقفته وشخص ببصره نحو الأفق البعيد؛ فقد تناهى إلى مسامعه صدى تحركاتٍ غريبة بدأت تقترب، مما جعله يستشعر أن الهدوء الذي تلا القتال لن يدوم طويلاً.
لقد استشعروا موت رفيقتهم، والآن يطلبون الثأر.”
في هذه اللحظة، انطلق جومانجي كالسهم، وتطايرت أطراف ملابسه السوداء مع كل وثبةٍ سريعة، بينما انبعث من خلفه أزيزٌ حاد ومستمر بدأ يقترب بتهديدٍ صريح.
في المدى البعيد، تشتتت المجموعة في حالةٍ من الذعر التام؛ فتبعثر أفرادها في شتى الاتجاهات وهم يهرولون بين الأشجار ، مما أجبر سرب الحشرات على التفرق هو الآخر للحاق بكل فريسةٍ على حدة.
تمتم جومانجي وهو يشق طريقه بين الصخور: “يبدو أن سوء حظي أوقعني بالقرب من أعشاشهم..
وبسبب صراخ الصبي الذي كان يتسلق الصخرة بذعر، لم يدرك ما حدث خلفه.
التفت بجانب عينيه ليرى الحقيقة المرة؛ عشراتٌ من حشرات “أم أربعة وأربعين” الضخمة تزحف خلفه بسرعةٍ جنونية، وحراشفها المعدنية تصطدم بالأرض محدثةً ضجيجاً مرعباً.
استجمع جومانجي شتات تركيزه، وانطلق بحذر كخيالٍ عابر بين جذوع الأشجار العملاقة؛ لم يكن يبحث عن مخرج، بل كان يقتفي أثراً معيناً، مدفوعاً برغبةٍ حارقة في إيجاد ذلك الشخص الذي سيقوده عن غير قصد إلى كنز الشرخ الدفين.
لم يكتفِ جومانجي بتلك الغنيمة، بل استمر في التحرك كظلالٍ عابرة بين جنبات الشرخ، مستغلاً كل ثانية من الفوضى العارمة.
أدرك في تلك اللحظة أن المواجهة المباشرة انتحارٌ محقق، فليس أمامه سوى تشتيت هذا السرب قبل أن يطبقوا عليه حصاراً لا فكاك منه.
لم يكن ركض جومانجي عشوائياً؛ بل كان يركض بحذر شديد فهو أعلم بما يحتويه هذا المكان.
فجأة، طرأ تحولٌ غريب على ملامحه؛ تسللت الحيرة إلى خلده وتساءل في صمتٍ مريب: “ما الذي فعلته للتو؟ لماذا قدتُ تلك الوحوش نحوهم؟”
وبينما كان ينساب بين المنحدرات، تناهت إلى مسامعه أصواتُ لغطٍ بشري قادمٍ من الأمام مباشرة.
ضيق جومانجي عينيه بمكر، وأدرك أن “الأصوات” التي سمعها تعود لإحدى مجموعات المزارعين الذين دخلوا الشرخ للتو.
في ناحيةٍ أخرى، نجح الشباب الثلاثة في الإجهاز على ثلاثٍ من تلك الحشرات الفتاكة؛ ورغم أن المعركة استنزفت قواهم وتركتهم في حالةٍ من الإنهاك الشديد، إلا أن غنيمة الجواهر الروحية جعلت الأمر يستحق كل قطرة عرق.
“انبثقت فكرةٌ شيطانية في ذهنه؛ فبدلاً من الاختباء، زاد من سرعته متجهاً مباشرةً نحو مصدر الأصوات.
توقفت مجموعة “سمكة الكارب” دفعةً واحدة، ورمقوه بنظراتٍ فاحصة ممزوجة بالارتباك، قبل أن يتقدم أحدهم خطوةً ويسأل بنبرةٍ غلبت عليها الريبة: “توقف مكانك! هل أنتَ من أتباع عشيرة ‘القلاق’ أم من قبيلة ‘الدب البني’؟”
لاح له من بعيد بريقُ أسلحةِ مجموعةٍ من شباب قبيلة دب البني وهم يحاولون استعادة توازنهم تحت الضغط الروحي.
توقف فجأة خلف جرفٍ صخريٍ ناتئ، حيث كانت إحدى حشرات “أم أربعة وأربعين” تندفع بجهلٍ نحو صخرةٍ شاهقة، محاولةً تسلقها لتطول مزارعاً جريحاً كان يصارع للنجاة في الأعلى.
صمت لبرهة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة ذات مغزى وهو يهمهم بصوت خافت: “لكنني أعرف تماماً مَن يملك المفتاح للوصول إليه..
صرخ جومانجي بنبرةٍ مصطنعة من الذعر وهو يقترب منهم: ‘أيها الزملاء! احترسوا! وحوشٌ كاسرة تهاجمنا!’
لم يمنحها جومانجي أدنى فرصةٍ للالتفات أو استشعار خطره؛ بل أحكم قبضته بقوة، وانقضَّ عليها بضربةٍ صاعقة استهدفت مركز ظهرها مباشرة.
بين تلك المجموعة المذعورة، برز ثلاثة من الشباب في مقتبل العشرين، تبدلت ملامحهم فور رؤية الحشرات الزاحفة كالكابوس؛ ولم يجد أحدهم بداً من الصراخ بصوتٍ متحشرج: “اركضوا.. اهربوا للنجاة بأرواحكم!”
في تلك اللحظة، قفز جومانجي برشاقةٍ استثنائية نحو جذع شجرةٍ عملاقة، متوارياً بين أوراقها الكثيفة في لمح البصر.
لو استطعتُ التسلل وجمع بيوضها لتربيتها داخل مزرعتي، لكان ذلك مكسباً لا يُقدر بثمن.
ترك خلفه جيشاً من الحشرات الغاضبة التي اندفعت بزخمها المعدني مباشرةً نحو صفوف المزارعين المذهولين.
تراجع جومانجي إلى الخلف قليلاً فوق الغصن، مراقباً المشهد بعينين باردتين، وهمس ببرود: “فلنشاهد كيف ستصمد مجموعاتكم ضد هذه الوحـ…”
لماذا قد افعل ذلك ؟
لم يكد جومانجي يكمل جملته حتى تلاشت نبرة السخرية، وضيق عينيه مرةً أخرى وهو يشخص ببصره نحو المذبحة الوشيكة في الأسفل.
قفز جومانجي نحو الأرض برشاقةِ فهدٍ قناص، وانطلق في اتجاهٍ معين وكان في خلده شيء ما.
لماذا قد افعل ذلك ؟
وقف الشباب يواجهون بعضهم بوجوهٍ متجهمة يملؤها الحنق، وتساءل أحدهم بنبرةٍ حادة: “هل ذلك الصبي الذي رأيناه يتبع قبيلة ‘سمكة الكارب’، أم أنه من ‘عشيرة القلاق’؟”
كان جومانجي يقف تائهاً وسط أفكاره المتضاربة، يعالج تلك الومضة المفاجئة من الندم أو الدهشة؛ فهو نفسه لم يستوعب الدافع الحقيقي خلف تلك الفكرة الشيطانية التي نفذها بلا تفكير، وكأنَّ جزءاً مظلماً في داخله هو من تولى القيادة لثوانٍ معدودة.
لم يكن هذا الشخص سوى جومانجي، الذي سكنت ملامحه أخيراً بعد أن وجد ضالته التي أرهق نفسه في البحث عنها.
تعالت الصرخات وسط الفوضى، وصاح أحد المزارعين بنبرةٍ تملؤها النقمة وهو يصارع لالتقاط أنفاسه: “مَن ذلك الوغد الذي جرَّ خلفه هذه الشياطين ليقذف بها في وجوهنا؟!”
زمجر شابٌ آخر من ذوي البنية الضخمة، وعيناه تقدحان شرراً رغم خوفه: “أقسمُ أنني إذا وقعتُ عليه مرةً أخرى، سأمزق ذلك النذل إرباً!”
راقب جومانجي المشهد من مخبئه بدقة؛ وبمجرد أن تأكد من تفرق الحشرات وتشتت تركيزها، انطفأت حيرته المفاجئة وحلَّ محلها بريقٌ خافل وغامض في عينيه، وكأنَّ خطته لم تكن مجرد نذالةٍ عابرة، بل تكتيكاً بارداً لتقليص عدد الخصوم.
تمتم جومانجي بصوتٍ خافت ونبرةٍ يملؤها الدهاء وهو يشق طريقه بين الأشجار: “لنقلب الطاولة.. ولنجعل الصياد فريسة.”
سقطت الحشرة جثةً هامدة، فانحنى جومانجي ببرودٍ ليلتقط جوهرها المشع، وأخفاه في لمح البصر داخل مزرعته، ثم انطلق مجدداً كالشبح في اتجاهٍ آخر، متتبعاً أثر ضحيته التالية.
كان يظهر ويختفي كالشبح؛ يوجه ضربة قاضية لـ “أم أربعة وأربعين” منفردة، ينتزع جوهرها الروحي ببرود، ثم يختفي قبل أن يدرك المزارعون المشتتون أن هناك يداً خفية تحصد ما يلاحقهم وتنقذهم في آنٍ واحد.
تنهد شابٌ آخر بمرارةٍ وأجاب: “إن كان ينتمي لعشيرة القلاق، فليس بوسعنا سوى بلع غيظنا والصمت؛ أما إن كان من حثالة قبيلة سمكة الكارب، فسيؤدي ثمن جرأته على جذب تلك الوحوش نحونا غالياً.”
في هذه الأثناء، كان جومانجي يخطو ببطءٍ وثبات وقد ابتعد كثيراً عن ساحة الفوضى؛ كان ذهنه ينسج خططاً تفوق سنه بكثير، حيث تمتم في سره: “هذه الحشرات تمتلك كثافةً روحية استثنائية..
لم يكن هذا الفتى سوى العبقري للقبيلة “سمكة الكارب”، ذلك الذي استطاع إيقاظ مزرعةٍ روحية ذات جودةٍ ممتازة، مما جعله محط أنظار الجميع وعقد آمال القبيلة.
أرجو فقط ألا يكون قد سبق ووضعه بين يديه بالفعل.”
على بُعد مسافةٍ ليست بالهينة، كان هناك شابٌ في السادسة عشرة من عمره يخطو بتبخترٍ ملحوظ، يتقدم مع مجموعةً مؤلفة من أربعة أشخاص؛ كان رداؤه الأصفر يتلألأ بتموجاتٍ روحية غريبة، وكأن النور ينساب بين خيوطه انسياباً.
كانت ابتسامة الثقة لا تفارق محياه وهو يحث رفاقه على المضي قدماً، قائلاً بنبرةٍ حماسية: “هيا بنا! علينا أن نفتش كل زاوية في هذا المكان بحثاً عن أي كائناتٍ روحية أو نباتاتٍ نادرة؛ فصيدٌ واحد ثمين كفيلٌ بأن يمنحنا موارد زراعية هائلة عند بيعه، وهذا سيعبد لنا طريق الارتقاء الذي ننتظره.”
بعد برهةٍ من المسير المترنح تحت ثقل الضغط الروحي، برز من بين ثنايا الضباب شابٌ ضئيل البنية، يرتدي رداءً أسوداً قاتماً يكسر حدته شريطٌ أحمر ملفوفٌ بإحكام حول خصره.
لم يبدِ جومانجي أي رد فعلٍ وجل، بل ارتسمت على ثغره ابتسامةٌ حملت في طياتها مزيجاً من الاستخفاف والتعالي، وأجاب بنبرةٍ متهكمة: “وهل معرفة ذلك ضروري بنسبة لك؟”
Comments for chapter "الفصل 42"
MANGA DISCUSSION