فهذا العليق، بعظمته وكبريائه، لن يرضى بأن يكون مجرد أداةٍ ثانوية أو قوةٍ عابرة؛ إما أن يكون هو المركز والجنين، أو أن يُفني من يحاول الاقتراب منه.
استجمع جومانجي شتات نفسه؛ أدرك أن عليه إيقاظ مزرعته الآن ومهما كان الثمن، فهي البوابة الوحيدة التي قد تمنحه شرف الحصول على ذلك العليق الذي يتحدى المنطق، وتضعه على أول طريق لإحياء عائلته.
يعد عليق الرتبة الثانية هذا من “المحرمات” في هذا العالم؛ لكن لا أحد يملك رفاهية رفضها إن وقعت بين يديه.
السبيل الوحيد لاحتواء هذا الكيان الأسطوري هو جذبه ليصبح “جنيناً” يسكن في قلب المزرعة الروحية، ليتغذى منها وتتغذى منه.
الجميع يلهث خلفها، ليس طمعاً في القوة فحسب، بل لأنها ببساطة تمنح صاحبها بصيرةً تقيه شروراً ومصائب لا حصر لها، وتجنبه عثراتٍ قد تودي بحياة أقوى المحاربين.
فلن أخشى الخسارة بعد اليوم.
ومع استقرار موجات الضياء وتلاشي صدى الانفجار، بدأ جومانجي يشعر تدريجيا بثقل جسده وملابسه وقدميه على أرض صلبة، فتح عينيه ببطء، ليجد نفسه في قلب عالم ولد من رماد أحزانه وبريق آماله.
خفتت نبرة الفتى ذي الشعر الأبيض وهو يستجمع شتات نفسه، وعلامات التردد تلوح في عينيه: “بمزرعةٍ من الدرجة الأولى، يستحيل عليّ احتواء ثقل هذا العليق..
إنه يفوق طاقتي الحالية بمراحل”، صمت لبرهة قبل أن تلمع عيناه ببريقٍ مارد وأردف: “لكن لا بأس.. لدي طرقي الخاصة؛ سأجعله يغط في سباتٍ عميق داخل مزرعتي، ولن أسمح له بالاستيقاظ إلا حين احتاجه وأرغب في إستخدامه”.
وسط هذا الذهول الساكن، تناهى إليه صوت العجوز مجدداً، ينسلُّ كخيطٍ من الضياء في عتمة وعيه: “لا تتشتت.. ابحث عن البذرة الأولى.. ابحث عن الشرارة داخل روحك”.
أخذ نفساً عميقاً وكأنه يطرد آخر ذرات الشك من صدره، ثم أضاف بصرامة: “المهم الآن هو تجاوز هذا الاختبار أولاً..
وبعدها لكل حادثٍ حديث”. وبحركةٍ نمت عن ثقةٍ مفرطة، رمى الكتاب جانباً دون اكتراث، وبدأ يتقدم بخطى وئيدة نحو قلب الفراغ الأبيض.
أما جومانجي، فقد تسمر في مكانه والذهول يعصف بكيانه؛ تلك المعلومات التي اجتاحت عقله لم تكن مجرد نصوص، بل كانت شظايا من الخيال، حقائق تفوق مراحل حدود استيعابه البشري.
أحكم جومانجي إغلاق جفنيه، مستجمعاً كل ذرة تركيز في كيانه لاستشعار تلك النقطة المتناهية الصغر في قلب هذا الفراغ المهيب.
شدَّ على قبضيته بقوة حتى ابيضت مفصله، وهمس لنفسه بعزيمةٍ فولاذية: “سأبذل كل ذرةٍ من جهدي للحصول عليه، مهما غلا الثمن..
لو أن أحداً همس له بهذه الأسرار من قبل لعدّها ضرباً من الجنون، لكنها الآن متجذرة في وعيه، ملموسة كأنها جزء من روحه.
وبالمثل، اشتعلت أطماع الفتية المتبقين، وتحولت أرواحهم إلى مراجل تغلي بالتحدي، فكل واحدٍ منهم يرى نفسه الأحق بامتلاك “البصيرة المطلقة”.
في هذه اللحظة انشقت البذرة لنصفين ثم بوممممم. وقع انفجار مدوي داخل روحه حيث بدأ البياض يتوسع مع توسع الانفجار إنفتقت البذرة وبدأ يتوسع محتواها، أما جومانجي فقد كان مغمض عينيه داخل ذلك البياض.
شرع جومانجي في معالجة مكنونات هذا “العليق” الأسطوري كما صوره الكتاب؛ فالقدرة التي بين يديه مرعبة بقدر ما هي مذهلة. “النظرة للأمام” تمنح صاحبها مفاتيح الغيب بمجرد لمس الشخص لمسة واحدة؛ فما إن يلامس كائناً، حتى تنفتح أمامه ستائر المستقبل، فيرى المصير والمسار الذي يأخذه وما تخبئه الأيام له.
أما “النظرة للخلف”، فهي الغوص في أعماق الزمن الماضي؛ نبش الأسرار الدفينة ورؤية كل ما حدث للشخص مهما طال عليه الأمد. رؤية الماضي والمستقبل معاً في آنٍ واحد.. يا له من عبءٍ ثقيل وقوةٍ يكاد العقل لا يطيق حملها!
انتاب جومانجي ذهولٌ ألجم لسانه حين استرجع في مخيلته تلك الأطياف المشعة التي كانت تلاحقه بانتظام؛ كان يجهل كنهها ويعدها مجرد ظلالٍ عابرة، لكن وقع الحقيقة الآن هز كيانه.
وفجأة، تسللت موجة عارمة من السعادة إلى قلب جومانجي؛ إذ أدرك أن هذا العليق ليس مجرد قوة، بل هو الجسر الذي سيختصر له طريق نحو هدفه.
ثم تمتم في داخله بنبرة يشوبها التعجب: “يبدو في ظاهره عادياً جداً، لكن لماذا اختارته هو بالذات؟”.
هدفُه الذي كان يراه بعيداً المنال، بات الآن أقرب إليه من أي وقت مضى.
لقد استيقظت مزرعته أخيراً
امتثل جومانجي للأمر على الفور، وحشد كل ذرة من إرادته وتركيزه، محاولاً بكل قواه أن يبثَّ في تلك الشرارة طاقةً تكسر جمودها وتجبرها على الانفجار، غير أنها وقفت سداً منيعاً أمام رغبته، وأظهرت مقاومةً شرسة لم يتوقعها.
في تلك اللحظة، اشتعل في صدره حماسٌ لاهب، حماسٌ لم يعرف له مثيلاً منذ أن بدأت صرخات الضحايا في مجزرة قريته، وكأن روحه قد استيقظت من رمادها لتعلن بدء عهد جديد.
رفع جومانجي رأسه وعلامات الاستفهام بادية على ملامحه، وقال بصوتٍ يملؤه العجز: “إنها تأبى الانصياع.. إنها لا تريد الانفجار!”.
لم يجد جومانجي ما يفعله في خضم هذا الفراغ المطلق الذي يبتلع الجهات؛ فلا دليل يرشده ولا معالم تكسر حدة هذا البياض الموحش.
فلن أخشى الخسارة بعد اليوم.
كل من فارقوه وتركوه وحيداً يصارع اليتم والقهر.
تذكر تلك الأيام التي تبخرت وصارت سراباً يطارده، لكنَّ الأمل الذي انبثق مع هذا “العليق” كان كفيلاً بإحياء الرماد في روحه.
نهاية الفصل
غير أن عيني جومانجي استقرتا في النهاية على البذرة التي تضطرم بلهيبٍ مستعر، مدركاً أنها تلك “الشرارة” المقصودة التي أخبره عنها العجوز، والفتيل الذي سيُشعل وينفجر
فلن أخشى الخسارة بعد اليوم.
لأنني،
ببساطة،
لم يعد لدي ما أخسره”.
لكن وسط هذا اللهيب من الحماس،
تسلل إلى وجدان جومانجي خاطرٌ من الحذر والريب؛
فإذا كان لهذا “العليق” كل تلك القدرات الإعجازية، فلماذا ظلَّ صامداً هنا طوال هذه الوقت؟
رفع العجوز حاجبه بذهولٍ لم يستطع مواراته، وداخل عينيه اللتين شهدتا تعاقب العصور، لاح بريقٌ من الحيرة؛ فلم يسبق له أن عاين بذرةً تأبى الانفجار أو تستعصي على الولادة بهذا العناد المريب.
صمت العجوز لبرهة وكأن صراعاً يدور في خلده، ثم أشار إليه بيده بوقار وقال: “اجلس”.
ولماذا لم ينجح أحدٌ في ترويضه من قبل؟
في تلك اللحظة، أدرك حقيقةً مُرة: أن نيل هذا العليق يقبع في منطقة الاستحالة، تماماً كما هي قدراته التي تتجاوز المنطق،
وأن الطريق إليه قد لا يكون مفروشاً بالورود، بل بأهوالٍ لا قِبَل للبشر بها.
لم يكن جومانجي والفتى ذو الشعر الأبيض هما الوحيدين اللذين تملكهما هذا الهوس؛ ففي زوايا أخرى من هذا البعد، كان كايروس يشعر بنشوةٍ عارمة، وقد عقد عزماً لا يلين على الظفر بهذا الكنز الأسطوري مهما كلّفه الأمر.
وفجأة، لاح له في عمق العدم طيفُ بذرتين ضئيلتين؛ كانت الأولى مشتعلةً بسكونٍ غريب، ورغم ثباتها، إلا أن لهيبها كان يتموج في حركةٍ مهيبة تحاكي تلاطم أمواج البحر الأزلية.
وبعد برهةٍ من الحيرة، بدأ يخطو نحو الأمام، فليس هناك خيارٌ آخر سوى المواجهة أو الضياع في طيات هذا العدم الساكن.
عليقٌ يسيل له لعاب الجبابرة في كل أصقاع العالم، ألا يُعدّ حقاً شيئاً أسطورياً؟
كان جومانجي يرقبُ تلك البذرتين بوجلٍ وحيرة، محاولاً فك طلاسم وجودهما في عتمة روحه؛ فبينما كانت الأولى تنبض بحياةٍ مستعرة، ظلت الثانية رابضةً كظلها الأسود، صامتةً صمتاً يثير في النفس ريبةً لا توصف.
مع توغل الفتية في ذلك الفراغ، انبثقت من العدم شجرةٌ جمدت الدماء في عروقهم؛ لم تكن شجرةً نابضة بالحياة، بل كياناً مرعباً نُحت من العظام البيضاء، فلا لون يكسوها سوى بياضٍ يشبه كفن الموتى، وأغصانها تتشابك كأصابعٍ هيكلية تطاول السماء.
بعد تذكر قبيلته اثى له طيف عائلته الراحلة؛ وذلك الوعد الذي قطعه فوق ترابهم، وهذا العليق الأسطوري الذي يلوح كفرصة لن تتكرر في عمر الزمان.
وعند جذع تلك الشجرة العظمية، كان هناك عجوزٌ يجلس في وضعية تأملٍ مهيبة،
نبس العجوز بصرامة هادئة: “حسناً.. الآن فجرها”.
تدافعت الأسئلة في صدره كأمواج هائجة: لماذا تبعته جواهر العليق تلك؟ وما الذي رأت فيه لتتبع خطواته حتى أسفل الجبل رغم أنها كانت تفر من الصبية الآخرين؟
يلفه سكونٌ مطبق كأنه جزءٌ من تضاريس المكان.
وما إن وطئت أقدام جومانجي محيط الشجرة، حتى نبس العجوز بكلماتٍ خافتة، لكنها ترددت في أركان وعيه كقصف الرعود: “لا سبيل للعبور من هنا، ولا مكان لك في الأمام، ما لم يوقظ كلُّ مرء مزرعته الروحية”.
سقطت الكلمات كالحقيقة المطلقة؛ فالعقل والمنطق يؤكدان صدق قوله.
اعتصرت ملامح جومانجي بالارتباك؛ لم يدرك هذا الطلب ولا غايته، لكنه انصاع للأمر، وحشد كل ذرة من إرادته ليضغط تلك الشرارة ويدفعها للانفجار، غير أنها ظلت ساكنة في مركز روحه، تتراقص ألسنتها ببرودٍ مريب وكأنها تستهزئ بمحاولاته العقيمة.
فحتى لو تمكنوا من ملامسة “العليق” بأيديهم المجردة، فإن قوته الغاشمة ستسحق أجسادهم في طرفة عين.
بعد سماع كلمات العجوز، خيّم على جومانجي نوعٌ من الخيبة المرة؛ إذ لم يستوعب كيف لبذرته أن تأبى الانفجار، وكيف لشيءٍ عجز حتى هذا العجوز الحكيم عن فهم كنهه أن يجد هو إليه سبيلاً.
“وجدتها..” تمتم جومانجي بصوتٍ خافت، وكأنه يخشى أن يتبدد ذلك الطيف الهش لو رفع نبرته.
وحتى لو وُضع جنيناً، فلن يجد المرء أفضل منه؛ فاستعلاؤه وتكبره ليسا مجرد غرور فارغ، بل هما انعكاسٌ لإمكانياته التي لا تُبارى.
رمق جومانجي العجوز بنظرةٍ مُحملة بالتقدير، ثم دنا منه وحيّاه بالوقار الذي تعلمه في القبيلة، وقال بصوتٍ خفيض يملؤه التواضع: “هذا الصبي يجهل كيف يوقظ مزرعته.. أرجو من الجد أن ينير طريق هذا الضعيف”.
أما البذرة الأخرى، فكانت كتلةً من السواد القاتم، تحاكي في عمقها لون عيني جومانجي؛ بدت ساكنةً تماماً بجوار رفيقتها المشتعلة، كأنها عدمٌ يتجسد، لا تأتي بحركةٍ ولا ينمُّ مظهرها عن حياة، بل غارقة في صمتٍ أبدي ومريب.
لم يتفوه العجوز بكلمةٍ في بادئ الأمر، بل اكتفى بمسح لحيته البيضاء التي كانت تنسدل كشلالٍ من الثلج فوق ثيابه ناصعة البياض.
لم يعد لدي ما أخسره”.
وبعد صمتٍ ثقيل، أشار بيده وقال بوقار: “”إذاً، أنت هو ذاك الذي كانت تقتفي أثره جواهر العليق وتتهافت خلفه؟” تمتم العجوز وهو يجيل بصره في جومانجي بنظرة فاحصة.
رغم ارتباكه بعد سماعه للحارس المزرعة، امتثل جومانجي للأمر، واتخذ وضعية التأمل ذاتها التي يجلس عليها العجوز، ثم سأل بفضولٍ حذر: “هل الجد من سكان هذا المكان؟”.
أغمض العجوز عينيه، وكأن السؤال استدعى في ذاكرته دهوراً غابرة، وتحدث بنبرةٍ هادئة كأنها آتية من زمنٍ بعيد: ” انا حامي المزرعة انا إرادة صاحب هذه الأرض بعد أن عانق الفناء جسده.
وتابع العجوز بصوتٍ رخيم: “اغمض عينيك الآن.. لا تبحث عن المزرعة حولك، بل ابحث عنها في نقطة الصفر داخل روحك. حاول رصد تلك اللحظة التي سبقت كل شيء.”
لم يستوعب جومانجي تلك الكلمات في البداية، فغمض عينيه ببطء مستسلماً لظلمةٍ داخلية سرعان ما أطبق عليها صمتٌ ثقيل؛ صمتٌ لم يقطعه سوى صدى أنفاسه التي بدأت تتردد في دهاليز روحه، وكأنه يسبح في فضاءٍ سرمدي لا قرار له.
لكن وسط هذا اللهيب من الحماس،
لقد نبش هذا العجز جراحاً كان جومانجي يحاول مواراتها، جراحاً تنهش قلبه كلما تذكر أن عائلته وأصدقاءه وكل من أحب قد صاروا تراباً.
“حاول مرة أخرى.. لا تتوقف حتى تذعن لك وتنفجر!” هكذا صدح صوت العجوز آمراً بلهجةٍ حازمة لم تقبل النقاش.
لكن وسط هذا اللهيب من الحماس،
بدأ يستحضر الأيام الخوالي، تلك اللحظات الدافئة التي لا تشبهها أيام؛ سعادة غامرة ولا متناهية حين كان كل شيء يسير على ما يرام.
صمت لبرهة، غارقاً في تحليل هذا الاستثناء الذي كسر قوانين الروح المتعارف عليها، ثم أردف بنبرةٍ يحفها الغموض: “مزرعةٌ ترفض الظهور وتتشبث بجوهرها.. هذا أمرٌ غريب لم يمر بذكرياتي من قبل.
يبدو أن وقت استيقاظها لم يحن بعد، أو أنها تنتظر شرارةً من نوعٍ خاص.
لستُ أدري ما كنه هذا التمنّع، ولا أملك لك من القول إلا ما أحطتُ به خبراً؛ أما ما خفي عني، فلا سبيل لي لمعرفته.”
كان استيقاظ مزرعته الروحية هو حجر الزاوية في آماله لاسترجاع قبيلته، لكنه الآن يصطدم بجدارٍ منيع يرفض الانصياع؛ فكيف لا يتسلل إليه شعورٌ بالعجز وهو يرى حلمه يتداعى في مهده؟
منذ تلك المجزرة، لم تمر ساعة دون أن يطاردوه في صحوه ومنامه.
ارتسمت على ثغره ابتسامة عذبة وهو يغرق في تلك الصور؛ ورغم أنها مجرد ذكريات غابرة، إلا أنها كانت الوقود الذي دفعه للتمرد على واقعه والخروج لمواجهة العالم.
وفي تلك اللحظة، سُمع دوي تصدعٍ خفيف داخل البذرة، كأن الجدار بدأ يلين أمام حرارة الحنين.
لكن سرعان ما تبخرت تلك البسمة لتحل محلها ملامح التجهم؛ إذ انقلبت السعادة إلى حزنٍ كاسح حين داهمته صور الفاجعة.
ومع هذا الضغط العاطفي الهائل، حدث تشققٌ آخر في البذرة، وبدأ الضياء يتسرب من شقوقها بعنف.
Comments for chapter "الفصل 13"
MANGA DISCUSSION