إن كانت لديك وسيلة لشفائه، فإن قبيلة سمكة الكارب ستدين لك بفضلٍ لن تنساه مهما طال الزمن، وستنال من العطايا ما يفوق خيالك.”
بعد أن استعرض جومانجي نوادره الروحية، سكنت القاعة حولهما للحظات لم يقطعها سوى بريق الطمع والتقدير في عيني الشيخ العجوز.
وبما أن لكلٍّ منا أسراره التي يحتفظ بها، فلن أصعّب عليك الأمر؛ نحن موافقون، ولتتم الصفقة.”
تنحنح الشيخ وقال بنبرةٍ حاول جعلها تبدو محايدة: “لقد أبهرتني حقاً.. قل لي، كم تحتاج من ‘الأنوية الروحية’ مقابل هذه المجموعة؟”
ابتسم جومانجي ابتسامةً باهتة لا تصل إلى عينيه، وأجاب بوقارٍ مصطنع: “ياسيدي، أنت خبيرٌ وتدرك تماماً القيمة الروحية لهذه النباتات.. فلا داعي لأن يتفوه طبيبٌ متجول مثلي بما هو معلومٌ بالضرورة لمقامكم.”
ابتسم جومانجي بودٍّ دبلوماسي وأجاب: “لا يا شيخنا، لستُ عالماً بكل شيء، لكن بما أن قبيلتكم العريقة تتبع مذهب الماء.
وضع العجوز يده تحت ذقنه، وأخذ يسبر أغوار جومانجي بنظراتٍ ثاقبة، ثم أومأ برأسه ببطء وكأنه قرأ ما وراء الكلمات؛ فقد أدرك أن هذا الرجل ليس مجرد تاجرٍ بسيط يبحث عن قطع النحاس والفضة، بل هو صيدليٌّ يعرف ثقل بضاعته.
وبسبب إتقان هذا التنكر، لم يكن بمقدور أي شخصٍ كشفه ما لم يبلغ المرتبة الخامسة على أقل تقدير.
سأله الشيخ: “هل غايتك هي الأنوية الروحية فحسب؟ أم أن هناك شيئاً آخر يجول في خاطرك وتطلبه ثمناً لهذه النباتات؟”
توقف جومانجي للحظة، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ هادئة تحمل في طياتها الكثير من المعاني المبطنة، ثم أجاب بصوتٍ رزين: “طبيب؟ لا يا شيخنا، لستُ مولعاً بالألقاب الرسمية.. يمكنك مناداتي بـ ‘راعي الأغنام’ فحسب.”
كان الشيخ يعلم أن الصيادلة المتجولين من طراز هذا الرجل يبحثون غالباً عن مقايضاتٍ نادرة تفيدهم في أبحاثهم الخاصة أو تعزز من قواهم الروحية.
نهاية الفصل
همَّ جومانجي بالرد، لكن الشيخ قاطعه بحزمٍ وهو يشير بيده: “الزميل الروحي لديه أمر عاجل الآن.. اذهبي وأخبري ذلك العجوز أنه برفقتي، ولدينا أمرٌ عاجل يخص زعيم القبيلة شخصياً.”
أجاب جومانجي بهدوءٍ حذر: “أصبتَ كبد الحقيقة ياسيدي.. في الواقع، كنتُ أبحث عن شيءٍ محدد، لكني لا أجزم إن كانت قبيلتكم العريقة تضمه في مخازنها.
إن وُجد، فأنا مستعدٌ لمبادلة ‘الزهرة الأرجوانية’ و’الفطر المبارك’ به فوراً.. وأنت أعلم مني بخصائصهما الفريدة، فلا حاجة لي بالشرح.”
همهم الرجل بصوتٍ مكتوم، ثم اعتدل في جلسته وهو يشبك أصابعه، وقال بنبرةٍ يملؤها الفضول: “إذن.. ما هو هذا الشيء الذي جعل طبيباً مثلك يقطع كل هذه المسافات؟ أظن أن هناك فكرةً محددة في ذهنك، أليس كذلك؟”
لا انت مخطأ بشأن هذا الأمر فأنا اقطع المسافات سواء من أجل هذا نبات أو من أجل شيء آخر. فكما قلت لم تخرجني قدماي إلى هذا العالم إلى للقمة العيش.
ابتسم الشيخ قليلاً بوقارٍ حذر وقال: “حسناً.. قل لي ما هو هذا الشيء الذي تريده، وسأرى إن كان في مقدورنا مبادلتك به، فقبيلتنا لا تبخل على من يقدر قيمتها.”
كان جومانجي يدرك يقيناً أن المزرعة الروحية المركزية لقبيلة سمكة الكارب، بكونها قبيلةً من الدرجة الثالثة، تمتلك هذا الشيء النادر.
ابتسم جومانجي بخفة ودون أن ينبس بكلمة، كان يعلم أن ما يراه الشيخ “صفقةً رابحة” للقبيلة، هو في الحقيقة حجر الزاوية الذي وضعه جومانجي لترميم المستقبل وتغيير موازين القوى التي عرفها فيه سابقا.
فقد كان يعلم من فيض ذكريات ماهينور أن هذا العنصر لا يمكن العثور عليه في أرجاء قارة “الخيزران” مهما طال البحث، لأنه ببساطة ينتمي إلى بيئةٍ بعيدة تقع في قارة أخرى تُعرف بـ “مياه الأحلام”.
في هذا العالم، كانت القارات الست تتقارب في نسيجٍ جغرافي فريد، لا يفصل بين الواحدة والأخرى سوى أنهارٍ عظيمة تشق اليابسة شقاً كشرايين الحياة.
نظرت إلى جومانجي بعد أن انحنت أمام الشيخ وقالت بلهجةٍ رسمية: “أنت هنا أخيراً.. حضرة الطبيب، الشيخ الكبير ينتظرك في منزله الآن.”
قارة “الخيزران” التي يقف فوق أرضها بطلنا الآن تقع في أقصى الشرق، وتحيط بها بقية القارات في منظومة مهيبة:
أطرق جومانجي رأسه متظاهراً بالتفكير العميق، ثم رفع عينيه وقال بصوتٍ متهدج: “في الواقع.. اطلعتُ على طريقةٍ قديمة ونادرة، لكني لا أضمن نجاحها، فأنا ما زلتُ في طور تعلم أسرارها وتجربتها.”
في الشمال تتربع قارة “الزمردية” بخضرتها الدائمة، وفي الجنوب تمتد قارة “الغابة السوداء” بأسرارها المظلمة، بينما تقع قارة “مياه الأحلام” في الجنوب الغربي، وقارة “البياض الناصع” في الغرب حيث الثلوج التي لا تنصهر، أما الشمال الشرقي فكانت تسيطر عليه قارة “الجبال الشاهقة” بقممها التي تلامس الغمام.
خرج جومانجي والشيخ من البناية الضخمة، ولم يبتعدا كثيراً حتى اعترضت طريقهما المرأة التي استقبلت سابقاً تلك الفتاة الصغيرة والرجل المتسلط.
كانت هذه القارات الست بأكملها تلتف في حلقةٍ مهيبة حول مركز العالم؛ تلك القارة الأسطورية الضخمة التي تُعرف بـ “القارة الوسطى الكبرى”، قلب العالم النابض
أخرج جومانجي زفيراً هادئاً، ثم نظر في عيني الشيخ مباشرةً وقال بصوتٍ خفيض: “ما أبحث عنه يا شيخنا.. هو ‘عليق مرجان الفجر الندي’.. من رتبة تاسعة.
اندهش الشيخ من طلب جومانجي وسكنت ملامحه للحظات؛
فقبيلة سمكة الكارب تمتلك بالفعل “عليق مرجان الفجر الندي”،
ورغم أنه من الرتبة التاسعة ويُعد أضعف أنواع العليق في مزرعتهم الروحية،
إلا أن معرفة هذا الطبيب بوجوده جعلت الشيخ ينظر إليه بنظرةٍ أكثر عمقاً وريبة، ثم قال: “يبدو أنك تعرف الكثير عن خبايا الأمور أيها الزميل الروحي.”
لم يكن وصف الشيخ لجومانجي بـ “الزميل الروحي” محض صدفة؛ فقد كان يظن أن يقف أمام خبيرٍ في المرتبة الثانية.
وقع الاسم على مسامع الشيخ بغرابة، لكنه لم يعلق؛ فلطالما كان للصيادلة العظماء أهواءٌ غريبة وأسماءٌ مستعارة توحي بالتواضع وتخفي خلفها عواصف من القوة.
انعقد لسان المرأة من الدهشة، وبدت ملامحها وكأنها أدركت فجأة خطورة الموقف، فانحنت للشيخ بتبجيلٍ مبالغ فيه ثم انسحبت ببطء، بينما واصل جومانجي سيره بجانب الشيخ، مدركاً أن طريقه نحو قلب القبيلة أصبح الآن ممهداً بكلمات “الشفاء” التي ألقاها.
فـقناع “عليق الألف وجه” لم يكتفِ بتغيير ملامح جومانجي الجسدية فحسب، بل قام ببراعةٍ بتزييف هالةٍ روحية وهمية توحي بامتلاكه مزرعةً من المرتبة الثانية.
تظاهر جومانجي بالاهتمام واقترب أكثر قائلاً: “تفضل يا شيخنا، ما الذي يشغل بالك؟ إن كان في حدود معرفتي المتواضعة، فلن أبخل عليك بإجابة.”
ثم التفت الشيخ إلى أحد الصيادلة ونادى عليه: “ماكيتسي! سأغيب لبعض الوقت، أعتمد عليك في تسيير الأمور هنا.”
أومأ الشيخ برأسه احتراماً، وتابعا سيرهما في صمت، بينما كان جومانجي يستمتع داخلياً بلقبه الجديد، فهو بالفعل ينوي “رعي” هذه القبيلة، ولكن نحو المصير الذي خططه هو بعناية.
فقد خمنّتُ أنكم لا بد وأن تقتنوا هذا العليق النادر.
وإن كانت نظريتي خاطئة، فلا بأس.. يمكننا البحث عن بديلٍ آخر يرضي الطرفين.”
هنا خيّم الصمت على ملامح الشيخ، وظهرت الجدية القاسية في عينيه وسأل مباشرة: “هل صادفتَ في ترحالك طريقةً لشفاء العليق.. أو بالأحرى، لإنقاذ ‘جنين المزرعة’ إذا ما أصابه داءٌ قاتل؟”
فكر الشيخ قليلاً، ثم همس ببطء وهو يزن الأمور بميزان الربح والخسارة: “هذا العليق لا يضاهي في قيمته الزهرة الأرجوانية ولا الفطر المبارك.. يبدو أنك ستستخدمه لغرضٍ خاص جداً في أبحاثك.
بعد إتمام المقايضة بنجاح، استلم جومانجي “عليق مرجان الفجر الندي” بعناية، بينما شرع المساعدون في منحه رزمة من الأنوية الروحية النحاسية وبعض القطع الفضية ثمناً لبقية أعشابه.
لم يكد جومانجي يخطو خطواته الأولى مغادراً البناية الضخمة، حتى اخترق صوت الشيخ السكون من خلفه منادياً عليه.
توقف جومانجي مكانه، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفية لم يرها أحد؛ كان يدرك تماماً أن الطُّعم الذي ألقاه قد استقر في حلق الصيد الثمين.
التفت بهدوء، ليجد الشيخ قد تراجع بضع خطواتٍ عن طاولة العمل واقترب منه، ثم سأله بصوتٍ خافت يكاد يُسمع: “أيها الزميل الروحي.. بما أنك جُبت الكثير من القبائل وخالطتَ صنوفاً شتى من الحكماء، أريد أن أسألك عن أمرٍ جلل.”
في تلك اللحظة، تقمص جومانجي دوره ببراعةٍ مذهلة؛ إذ تغيرت ملامحه فجأة إلى مزيج من الصدمة والحذر، وألقى نظرةً سريعة ومريبة نحو الصيادلة المنغمسين في اختباراتهم، ثم استدار نحو الشيخ وهمس بتشكك: “هل لدى شيخنا عليقٌ مريض؟”
أومأ الشيخ برأسه بسرعةٍ وكأنه وجد بارقة أمل: “نعم.. نعم، لدي عليقٌ في حالةٍ حرجة، وأحتاج لكل مساعدةٍ ممكنة.
لم يتمالك الشيخ نفسه من الفرحة، فصاح بصوتٍ عالٍ غلب عليه الانفعال: “هل هذا حقاً ما تقوله؟!” لدرجة أن جميع الصيادلة في القاعة توقفوا عن عملهم واستداروا نحوه في ذهول، بينما ظل جومانجي يراقب المشهد بهدوء الصياد الذي أطبق فخه أخيراً.
بمجرد أن عاد الصيادلة إلى عملهم بعد لحظة الذهول تلك، واصل جومانجي حديثه بنبرةٍ مدروسة: “نعم يا شيخنا، أؤكد لك وجود تلك الطريقة، لكنها تتطلب موارد نادرة وعملاً دؤوباً قد يستغرق شهرين كاملين من التحضير.”
رد الشيخ بحزمٍ لا يشوبه تردد: “سواء كانت شهرين أو حتى أكثر، طالما أن هناك بصيص أملٍ للعلاج فلا يهم الوقت.
اطلب ما تشاء من موارد، والقبيلة ستسخر كل إمكانياتها لتوفيرها، شريطة أن ينتهي هذا الكابوس ويُشفى الجنين.”
تظاهر جومانجي بالتردد وأطلق تنهيدةً ثقيلة: “لكن يا شيخنا.. الموارد المطلوبة هائلة، وقد تفوق في قيمتها وندرتها قيمة ‘العليق’ نفسه.”
ساد الصمت للحظات قبل أن يقول الشيخ بوقارٍ وعزم: “سندرس الأمر بعناية قبل الشروع في أي خطوة، لكن كن على ثقة أننا لن نفرط في هذا الأمل.”
أجاب ماكيتسي بانحناءةٍ سريعة: “كن مطمئناً يا شيخنا، كل شيء تحت السيطرة.”
بينما كانا يقطعان الطريق نحو وجهتهما الجديدة، التفت الشيخ نحو جومانجي وقال بنبرةٍ اعتذارية حملت تقديراً مستحدثاً: “بالمناسبة، لم أسألك عن اسمك أيها الزميل الروحي.. فالمعذرة على تقصيري.”
لم يكن سؤال الشيخ متأخراً لنسيانٍ منه، بل لأنه في البداية كان يرى جومانجي مجرد صيدلي عابر لا يستحق عناء حفظ اسمه، لكن الموازين انقلبت الآن، وأصبح هذا “الطبيب” هو القشة التي قد تنقذ القبيلة من الغرق.
Comments for chapter "الفصل 28"
MANGA DISCUSSION