كانت الأيام الثلاثة الماضية تثير في نفسه نوعاً من القلق والارتباك، لكنه الآن يمتلك الرؤية الكاملة والمفاتيح التي ستقوده نحو ما يصبو إليه.
كان جومانجي ممدداً على سريره، يحدق في سقف الغرفة بعينين تسبقان الزمن، منتظراً عودة جالفان التي طال أمدها.
كان جومانجي يدرك أن “عليق غسق الليل” ليس مجرد إضافة، بل هو المحرك الذي سيمنح مزرعته شيء رائعا، لذا كان تطويره إلى الرتبة السابعة ضرورةً لا تقبل التأجيل.
لم يقطع حبل أفكاره سوى طرقاتٍ واثقة على الباب؛ فاعتدل في جلسته بسرعة وقال بصوتٍ هادئ: “ادخل”.
استجمع جومانجي شتات نفسه، وحزم حقيبة جلدية صغيرة تحوي بضع ملابس ومعداتٍ أساسية.
دخل جالفان الغرفة، وصمتُه يحمل ثقلاً غامضاً.
اندهش جالفان من كلام الصبي؛ فبالنسبة لفتيةٍ في سنه افتتحوا مزارعهم للتو، تعد “الزراعة التأملية” المطولة أمراً مملاً وشاقاً لا يطيقونه.
وبحركةٍ رشيقة من يده، استدعى موارد من داخل فضاء مزرعته الروحية، لتنهال الصناديق الخشبية والمعدنية فوق الأرضية الخشبية في تدفقٍ أبهر الأنظار.
كان يعلم يقيناً أين ستتوجه الأنظار اليوم؛ فالجميع في طريقهم نحو المزرعة الروحية للقبيلة، احتفاءً بافتتاح أبوابها للفتيات.
توقف جالفان عن الإفراغ وقال بنبرةٍ جادة:
“هذه موارد الأشهر الثلاثة القادمة..
لقد بذلتُ قصارى جهدي، لكن القوانين لا تلين؛ فعدم ذهابك للأكاديمية تسبب في خصم نصف مخصصاتك.
كما أنك لن تستلم أي موردٍ آخر إلا بعد مرور ستة أشهر كاملة من الآن.
خيم سكونٌ مطبق على المكان، لكن حواس جومانجي كانت مستنفرة إلى أقصى حدودها.
هل أنت مدركٌ لما يعنيه هذا؟”
نظر جومانجي إلى أكوام الصناديق، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة، ليس استهانةً بالنقص، بل ثقةً فيما يملكه من خطط.
“لا عليك يا أبي.. هذا يفي بالغرض وزيادة.”
ضيق جالفان عينيه متسائلاً بلهجةٍ يشوبها القلق: “هل أنت واثقٌ حقاً؟ الموارد هي شريان الحياة في هذه المرحلة، وأي نقص قد يعطل ارتقاءك.”
بعد أن أتمّ مهمته، غادر جومانجي الكهف مستأنفاً مسيره.
طمأنه جومانجي بنبرةٍ حاسمة:
لقد كان يخطط لهذه اللحظة بدقة؛ فطلبه لموارد نصف السنة مقدماً لم يكن مجرد جشع، بل كان لتأمين رحلته الطويلة.
“لا بأس، سأعمل بجِدٍ يغطي هذا النقص.
تحرك بين ظلال المنازل بخطواتٍ مدروسة، مستغلاً انشغال القبيلة بأكملها داخل “الكهف الروحي” لتأمين افتتاح مزرعة الفتيات.
“سأخبر الجميع بذلك..
لكنني أطلب منك أمراً واحداً؛ لا أريد أي إزعاج لمدة أسبوع كامل.
سأدخل في زراعة تأملية لأعتني بمزرعتي الروحية لمدة أسبوع، وأتمنى أن يتفهم الجميع ذلك.”
أخرج جومانجي “النواة الفضية”؛ كانت تنبض بين أصابعه بضوءٍ أثيري، وبضغطٍ بسيط من إرادته، تكسرت النواة لتتحرر منها طاقةٌ روحية كثيفة غمرت جوف البئر.
لكن ابنه كان يتحدث عن أسبوعٍ من العزلة.
وبضغطٍ أخير، تفتتت النواة بين أصابعه مطلقةً صرخةً أثيرية خافتة، لينفجر منها رذاذٌ من الطاقة الدافئة تسلل عبر مسامه، مرمماً أليافه العضلية المتهالكة ومستعيداً بريقه الضائع، وكأن الروح قد دُبّت في جسده من جديد بعد أن شارف على الانهيار.”
لم يخفِ جالفان إعجابه بهذا، فأومأ برأسه وقال بوقار:
“سأخبر الجميع بذلك..
لن يجرؤ أحد على كسر عزلتك. أرني ما أنت فاعل.”
تناول جومانجي نواةً نحاسية، وبحركةٍ دقيقة تكسرت بين أصابعه؛ لم يكتفِ بواحدة، بل أتبعها باثنتين أخريين، ليعيد شحن مخزونه من الطاقة الروحية الذي استُنزف حتى الرمق الأخير.
كانت العزلة لمدة أسبوع كامل، دون طعامٍ أو شراب، تُعد اختباراً قاسياً، لكنها في عرف المزارعين الذين استيقظت مزارعهم حديثاً ليست بالأمر المستحيل؛
فالطاقة الروحية التي تتدفق في عروقهم تعمل كوقودٍ بديل يرمم خلاياهم، وكان أسبوعٌ واحد هو أقصى ما يمكن لأجسادهم الفتية تحمله في هذه المرحلة قبل أن يدركها الوهن.
توغل جومانجي في الغابة لمدة نصف يوم، كانت خطواته خفيفة تتجنب الأغصان الجافة، وعيناه تمسحان المكان بحذرٍ لا يملكه صبي في عمره.
بمجرد أن أُغلق الباب، التفت جومانجي نحو الصناديق وعيناه تلمعان ببريقٍ مفترس؛ لم يكن لديه وقتٌ يضيعه.
بالنسبة لجومانجي، القبيلة لم تكن سوى قفصٍ ضيق، وفي هذا العالم القاسي لا تعلو إلا كلمة القوة؛ لذا كان الرحيل خياره الوحيد لصقل روحه والارتقاء بنفسه بسرعة.
جلس القرفصاء فوق سريره، وأرخى جفونه ليغادر العالم المادي، مبحراً بوعيه نحو أعماق مزرعته الروحية.
في الداخل، كان المشهد موحشاً ومقفراً؛ هواءٌ راكد وطاقةٌ شحيحة تجعل المكان يبدو كصحراءٍ منسية.
لم يكد يظهر طيف جومانجي حتى اندفعت نحوه “جواهر العليق” التي استقرت هناك سابقاً، كانت تقفز حوله باضطراب وعدم رضى، وكأنها توبخه على تركها في هذا الصقيع الروحي.
“ماذا؟ هل اشتقتم إليّ بهذه السرعة؟” سأل بنبرةٍ ساخرة، متجاهلاً حركاتها الرافضة، ليتوجه مباشرةً نحو البئر القابع أسفل الجبل الأحمر.
وفي لمح البصر، امتصت “البذرة السوداء” تلك الطاقة بشراهةٍ منقطعة النظير، ليبدأ الذبول في التلاشي عنها، وتستعيد إشراقاً غامضاً بينما بدأت خيوطٌ بيضاء من الطاقة تسبح في قاع البئر الذي كان جافاً.
شعر جومانجي براحةٍ طفيفة، لكنه حين نظر إلى مساحة مزرعته التي لا تتعدى أربعة كيلومترات مربعة، أدرك ضآلة ما يملكه.
توجه نحو منطقةٍ منبسطة تعجُّ بالحجارة والتربة حمراء الصلبة، وأخرج كيس بذور “القمح البني”.
لجأ جومانجي إلى كهفٍ قريب ليلتقط أنفاسه من وعثاء الطريق، لكن الراحة بالنسبة له لم تكن تعني السكون؛ بل كانت فرصةً إضافية لاستغلال الوقت داخل مزرعته الروحية
رغم علمه بأنها بذورٌ رديئة الجودة ولا تصلح إلا كعلف، إلا أنه كان يؤمن بأن “القليل من الطاقة أفضل من العدم”.
وبعد يومين من السفر المضني عبر الدروب الوعرة، ظهرت أمامه غابةٌ غريبة الأطوار؛ حيث صمدت سيقان الخيزران الأخضر اليافع في صراعٍ مع الزمن.
انغمس في العمل بكل كيانه؛ حرث الأرض بيديه العاريتين، واقتلع الحجارة الناتئة، وبدأ في غرس البذور بذرةً تلو الأخرى.
كان النمر يمتلك عيوناً غريبة تشبه الأنماط المرقطة التي تكسو جسده، عيوناً لا تبصر الأشكال فحسب، بل هي قادرة على رصد أدق تموجات الطاقة الروحية في المكان، مما يجعل محاولة التسلل من أمامه انتحاراً صريحاً.
مرّ يومٌ ونصف داخل حدود المزرعة، بينما لم يمضِ في العالم الخارجي سوى نصف يوم.
أخذ يمسح المحيط بنظراتٍ ثاقبة، يمنةً ويسرة، مدركاً تماماً خطورة البقعة التي وطأتها قدماه.
استنزف جومانجي كل ذرة طاقة في جسده؛ لم يرتح، لم يتوقف، ولم يلتفت لآلام عضلاته.
أما تظاهره بالدخول في “عزلة الأسبوع”، فكان المناورة الأذكى؛ لكي يضمن لنفسه مهلةً زمنية كافية يختفي فيها خلف الأفق قبل أن يدرك والده أو أخوه غيابه.
عند حدود القبيلة، توقف جومانجي للحظة، ألقى نظرةً أخيرة على الجدران التي احتضنته، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ غامضة وهو يهمس لنفسه: “نلتقي بعد ستة أشهر..”
كانت التربة قاسية كالفولاذ، لكن إرادته كانت أصلب.
انغمس مجدداً في زراعة ما تبقى من بذور، فوق تلك الأرض التي لا تصلح إلى لنفايات.
ومع كل حبة قمحٍ يغرسها في تلك الأرض الجرذاء، كان يضع لبنةً في بناء مستقبله الذي لن يرحم الضعفاء.
استشعر تدفق القوة في عروقه كتيارٍ دافئ يرمم ما أفسده الجهد البدني الشاق.
طمأنه جومانجي بنبرةٍ حاسمة:
فتح جومانجي عينيه في العالم المادي، مدركاً أن خيوط الصباح قد بدأت تنسج حضورها بالفعل.
بعد أن استعاد توازنه، وقف جومانجي وقد اتخذ قراره النهائي؛ كان عليه مغادرة حدود القرية مهما كلف الثمن، والهدف هو تأمين “جوهر عليق غسق الليل من رتبة سابعة”.
لقد أجرى جومانجي تعديلاً جريئاً على “جنين المزرعة”، حيث وضع “العليق الوحشي” في المركز بدلاً منه.
في البداية، اختلطت عليه الأمور وظن أن الجنين ثابت لا يمكن زحزحته، لكن بفضل ما استشفه من ذكريات ماهينور المبعثرة، أدرك السر؛ فهذا هو الدرب الذي سلكه ماهينور نفسه ريثما يطور “عليق غسق الليل”.
وبدلاً من الخروج عبر الباب، تسلل عبر النافذة بخفة ظلٍ يهرب من الضوء، ليستقر على الأرض دون أن يصدر أدنى جلبة.
لم يلتفت إليه أحد، وحتى أولئك الذين لمحوا طيفاً يتحرك في الجهة المقابلة، ظنوه مجرد سرابٍ في زحمة الاحتفال.
فبحلول الوقت الذي سيطرقون فيه بابه بعد أسبوع، سيكون جومانجي قد صار بعيداً، في مكانٍ لا تصل إليه أبصارهم.
كان يدرك وجهته الأولى يقيناً، ويعرف تماماً أين سيقضي تلك الشهور الستة.
أما عقوبة منع الخروج من حدود القبيلة لمدة عام، فكيف لها أن تجد مستقراً في ذهنه؟ لقد عقد العزم على التمرد حتى على الموت نفسه، فما بالُك بقوانين قبيلةٍ لا تساوي في ميزان طموحه شيئاً.
لم يكن يتحرك بعشوائية؛ بل كان يتبع مساراً محفوراً في ذاكرته المستعارة، مساراً يؤدي إلى وجهته المقبلة.
طمأنه جومانجي بنبرةٍ حاسمة:
وبعد مدة قبض جومانجي على النواة النحاسية حتى ابيضّت مفاصله، كان جسده يرتجف من فرط الإنهاك وهالات التعب ترتسم تحت عينيه كظلالٍ غائرة.
لم يكتفِ بالزراعة البرية، بل أخرج بذوراً غريبة ذات قشرةٍ صلبة تشبه البيوض، وتوجه نحو النهر الصغير الضيق الذي يشق أرض المزرعة.
حفر في طمي القاع بعناية ووضع تلك البذور وهو يهمس بنبرةٍ مدروسة:
“بيوض السمك النهري.. ستحتاج أسبوعين لتفقس هنا، أي ما يعادل أربعة أيام ونصف في العالم الخارجي.
جودتها متواضعة، لكنها تبقى مفيدة رغم ذلك.”
“استعد أيها العليق الوحشي..
“استعد أيها العليق الوحشي..
لكن ندوباً سوداء كانت تشق هذا الاخضرار بعنف.
هل أنت مدركٌ لما يعنيه هذا؟”
كانت بعض الأشجار متفحمةً بالكامل، وقفت كنصالٍ سوداء متجمدة بعد أن ضربها البرق قديماً واستوطنها السكون، بينما انبعثت منها رائحة كربونٍ حادة تمتزج برائحة المطر الوشيك، مما خلق جواً من الرهبة والوقار يحيط بالمكان.”
برقت عيناه السوداوان بوميضٍ حاد، ووضع يده على صدره، وتمتم بصوتٍ خافت يملؤه الترقب:
“استعد أيها العليق الوحشي..
لقد وصلنا.
حان وقت تطويرك.
وفجأة، تجمدت نظراته عند وقوعها على نمرٍ مرقط روحي، كان يربض بوقارٍ مفترس بين الظلال؛ لقد كان هذا الوحش بمثابة الحارس الأمين الذي وضعته قبيلة “الكارب” بعنايةٍ فائقة، ليحمي تلك الأشجار المتفحمة ويمنع أي غريب من تدنيس استعمالها.
تراجع جومانجي ببطء وخفة خلف جذع شجرة ضخم، والابتسامة الهادئة لا تزال ترتسم على محياه رغم دقات قلبه المتسارعة.
همس لنفسه وهو يراقب الوحش: “قبل أن أبدأ بتطويرك، علينا أولاً إبطال قدرة هذا الوحش.. فأنا لا أريد أن أتحول إلى وجبة عشاء له.
Comments for chapter "الفصل 24"
MANGA DISCUSSION