واصل جومانجي والشيخ الطاعن سيرهما في ردهات المنزل الفسيح؛ كان السكون يطبق على المكان كغلافٍ واقٍ، والظلال تتراقص على الجدران مع كل خطوةٍ يخطوانها، بينما غابت أي جلبةٍ بشرية وكأن المنزل قد أُفرغ تماماً تهيئةً لهذه اللحظة الحاسمة.
“عليق حصان البحر !” صرخ جومانجي في سره وهو يمعن النظر في تفاصيل الكائن المتهالك.
لم يكن يُسمع سوى صدى وقع أقدامهما الرزين، الذي كان يزداد ثقلاً كلما اقتربا من قلب المنزل.
نظر جومانجي إلى القارورة والمرجان ثم نحو الزعيم وقال بلهجةٍ لا تخلو من الثقة: “الآن.. ستبدأ عملية الشفاء.”
توقفا أخيراً أمام بابٍ خشبيّ ذو زخارف شفافة تسمح بمرور ضوءٍ باهت من الداخل. وقبل أن يهم الشيخ بالاستئذان، اخترق مسامعهما صوتٌ مهيب، رغم وهنه الظاهر، إلا أنه كان يحمل رنيناً من السلطة التي لا تُكسر: “تقدما..”
بدأ بتقطير المزيج الأرجواني فوق جسد حصان البحر الأسود ببطءٍ شديد؛ كانت كل قطرة تلمس الحراشف الداكنة تضخ موجةً من الطاقة الحيوية الصافية في أعماق الجنين. ولكن، ما إن سقط ذلك العليق الصغير المجهول مع إحدى القطرات، حتى تبدل المشهد تماماً.
انفتح الباب ببطء، لينكشف المشهد عن غرفةٍ واسعة يملؤها عبق البخور الروحي، وفي صدرها كان يجلس شخصٌ واحد بمفرده، يحدق فيهما بنظراتٍ ثاقبة كأنها نصلُ سيفٍ صقيل؛ لم يكن سوى الزعيم نيرون، الذي رغم شحوبه، كان حضوره يطغى على المكان، جاعلاً الهواء من حوله يبدو ثقيلاً ومشحوناً بترقبٍ صامت.
كان نيرون قد واجه في الآونة الأخيرة انتكاسةً روحية قاسية؛ فمنذ أن دخل “جنين مزرعته” في سباتٍ عميق، تعرض جسده لردة فعلٍ طاقية عنيفة كادت تفتك بأساساته، مما تسبب في نزيفٍ داخلي حاد استنزف قواه وجعل ملامحه تكتسي بشحوبٍ جنائزي. ورغم هذا الوهن، ظل جالساً بوقارٍ كصخرةٍ صلبة لا تهزها الرياح.
أدرك جومانجي أن الموقف يتطلب مقامرةً كبرى؛ وبحركةٍ خاطفة لا تردد فيها، جرح معصمه بسكينٍ روحية غير مرئية، لتندفع دماؤه الحارة وتمتزج بالسائل الأرجواني، وتنهمر مباشرة فوق ذلك “العليق الصغير” المستقر فوق ظهر الجنين.
بدأت الشقوق الغائرة في أرض المزرعة تلتحم ببطءٍ شديد، وكأن المكان يستعيد أنفاسه مع تعافي قلبه النابض.
انحنى الشيخ العجوز بتوقيرٍ تام، وتبعه جومانجي بانحناءةٍ موزونة تليق بمزارعٍ واثق من نفسه أمام سيد القبيلة.
رفع نيرون يده بوهنٍ مهيب رداً للتحية، وقبل أن يستقر جومانجي في مكانه، نطق الزعيم بصوتٍ يحمل صدى الإرهاق: “أيها الزميل الروحي.. نلتقي مجدداً.
“ما الذي يفعله هذا المعتوه؟” فكر نيرون، لكنه لم يجرؤ على المقاطعة خشية الانفجار.
كانت المساحات خضراء شاسعة ومزدانة بطاقةٍ روحية كثيفة تزدهر في الأرجاء، إلا أن المشهد كان مفزعاً؛ فالأرض كانت مشبعةً بشقوقٍ غائرة كأنها جروحٌ نازفة في جسد المكان، في إشارةٍ واضحة إلى الانهيار الوشيك الذي يهدد كيان نيرون من الداخل.
أرجو أن تكون تلك الأيام الستون التي قضيتها في عزلتك قد مكنتك من الاستعداد التام لشفاء العليق؛ فكما ترى، لم يعد في الوقت متسع، والحياة تتهرب مني ببطء.
كان جومانجي في وضعٍ لا يُحسد عليه؛ فقد بدأت حبات العرق الغزيرة تنحدر من جبهته، وضغط على أسنانه بقوة حتى كاد يهشمها.
تفرس جومانجي في وجه نيرون، وبخبرته العميقة، تمتم في سره بسخريةٍ خفية: “تتحدث عن ضيق الوقت يالك من شخص كاذب اعلم يقينا أنك قادر على صمود لفترة طويلة.
رغم حديثه الداخلي، حافظ جومانجي على هدوئه الخارجي وقال بنبرةٍ واثقة: “أنا في أتم الاستعداد لشفاء هذا العليق؛ فلم تكن تلك الشهور من العزلة عبثاً، بل كانت مرحلةً حرجة وحاسمة لجمع الطاقة الكافية قبل الشروع في مداواة الجنين.”
نهاية الفصل
أومأ نيرون برأسه، وارتسمت على وجهه ملامح الجدية المطلقة وهو يقول: “حسناً، فلنبدأ إذاً.. لم يعد هناك مجالٌ للتأخير.”
وفي غمرة ذلك الامتزاج، سقط “عليقٌ مجهري” متناهي الصغر كان جومانجي قد أخفاه بعناية؛ لم يلمحه نيرون ولا الشيخ، لكنه كان القطعة الناقصة في أحجية جومانجي الخاصة.
ما إن أتم نيرون كلماته، حتى قام بحركةٍ خفيفة بيديه بدت وكأنها تمزق نسيج الواقع.
أمسك بالقارورة التي تحوي السائل الأرجواني في يد، و”عليق مرجان الفجر الندي” في اليد الأخرى.
وفي لمح البصر، وجد جومانجي والشيخ العجوز نفسيهما داخل “المزرعة الروحية” الخاصة بالزعيم.
ورغم سيل الدماء، استمرت المزرعة الروحية في التصدع، وبدأت الاهتزازات تزداد عنفاً وكأن الواقع ذاته يتمزق.
لم يطل جومانجي الحديث ولم تستهوهِ المناظر الطبيعية المحطمة من حوله، بل قال بنبرةٍ حادة قاطعة: “أريد رؤية الجنين.. الآن.”
“هل المزرعة تنهار؟” صرخ الشيخ بذعر، محاولاً التشبث بتوازنه الروحي.
تبادل الشيخ ونيرون نظراتٍ سريعة؛ الذي أومأ برأسه في صمتٍ مطبق.
وفي تلك اللحظة، تمزق الهواء أمامهم لينبثق منه الجنين الروحي؛ كان العليق يطفو في هالةٍ واهنة كادت تتلاشى تماماً، متخذاً هيئة “حصان بحر” أسود اللون بملامح مهيبة وحراشف داكنة مرصعة وكأنها درعٌ قديم.
همس جومانجي لنفسه بجدية: “الآن.. حان الوقت.”
رغم أن قدرات هذا النوع بالتحديد كانت لا تزال لغزاً بالنسبة له، إلا أن خبرته أكدت له حقيقةً واحدة: “هذا ليس مجرد كائنٍ روحي عادي.. إنه جنينٌ ينتمي للمرتبة السابعة!”
بعد أن أمعن جومانجي النظر في تفاصيل الكائن المتهالك، أخرج قارورةً تحتوي على سائلٍ أعده بدقةٍ متناهية خلال شهور عزلته؛ كان مزيجاً معقداً من مستخلصات نباتاتٍ روحية نادرة، صُهرت بداخلها طاقة نوعين من “العليق” من المرتبة التاسعة، حتى امتزجا تماماً ليتحولا إلى جوهرٍ طاقي كثيف.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أخرج جومانجي “عليق مرجان الفجر الندي”؛ ذلك العليق الذي تسلمه من شيخ الزهور سابقاً.
كان هذا العليق قد مر بآلية صقلٍ مرعبة طوال الشهرين الماضيين؛ فداخل “المزرعة الروحية” لجومانجي، حيث يتسارع الزمن، خضع العليق لعلاجٍ يومي بقطراتٍ من دم جومانجي نفسه لمدةٍ تعادل سنة كاملة من الامتصاص والتشبع.
لقد صار ” عليق المرجان الفجر” الآن يحمل جزءاً من ماهية جومانجي الحيوية، وهذا هو السر الحقيقي وراء ذلك التأجيل الطويل؛ لم يكن جومانجي يبحث عن شفاءٍ سطحي، بل كان شيء ما يدور في خلده.
بعد برهةٍ من الزمن بدت كأنها دهر، بدأت المزرعة الروحية تستعيد سكونها المفقود؛ وتجمعت هالةٌ ذهبية مهيبة حول الجنين، بدأت تمتص الفوضى وتغزلها في نسيجٍ مستقر.
جلس جومانجي بوضعية القرفصاء أمام الجنين المتهالك، واضعاً كامل تركيزه في اللحظة الحاسمة.
كان “عليق مرجان الفجر الندي” يتلقى تلك الدماء المنهمرة بلهفةٍ مرعبة، وكأنه كائنٌ ظمآن استبدَّ به العطش لقرون؛ بدأ “يستحم” في السائل القاني وكأنه لا يرتوي أبداً، مما أثقل كاهل جومانجي وأنزف روحه قبل جسده، فشحوب وجهه بات يحاكي شحوب الموتى مع كل قطرةٍ تُستنزف من أوردته.
وبحركةٍ فنية مباغتة، ضغط على العليق بأسلوبٍ غريب، فانسابت منه عصارةٌ مركزة تشبه شلالاً مصغراً من الدماء، لتستقر بدقةٍ متناهية فوق السائل الأرجواني.
اندهش الرجلان من ما يفعله جومانجي.
تبادل نيرون والشيخ نظراتٍ ذهولة؛ كان مشهد هذا الرجل وهو يسفك دمه طواعيةً يثير الريبة والدهشة في آنٍ واحد.
“إنه لا يشبع ‘عليق دماء المسيطر’؛ إنه ليس عليق عادي، بل هو نوعٌ أندر وأكثر خبثاً، كائنٌ طفيلي لا يزدهر إلا في أحشاء عليقٍ آخر، وعليق ‘مرجان الفجر’ هو وعاؤه المفضل والوحيد.”
اهتز الجنين بعنفٍ غير مسبوق، وكأن صاعقةً ضربت كيانه من الداخل.
لم يتوقف الاضطراب عند الجنين فحسب، بل بدأت “المزرعة الروحية” بأكملها تترنح تحت وطأة طاقةٍ غريبة ومتمردة، مما جعل الشقوق في الأرض تتسع، ووضع ثبات نيرون الروحي على المحك في لحظة صدامٍ بين الشفاء والانهيار.
تجمدت الدماء في عروق “نيرون” وهو يشاهد عالمه الداخلي يترنح.
لم يجبه نيرون، بل صبَّ كامل تركيزه ونظراته الحادة نحو جومانجي، محاولاً استشفاء ما إذا كان ما يحدث هو جزءٌ من العلاج أم بداية النهاية.
ولأنه لم يجد بداً من الذهاب إلى أقصى الحدود، جرح يده الأخرى دون تردد، ليتضاعف شلال الدماء المنهمر فوق الجنين، في محاولةٍ يائسة لفرض إرادته الحيوية على “حصان البحر الأسود” وإخماد ثورة المزرعة قبل فوات الأوان.
تمتم في سره بحنق: “تباً.. تلك الدماء التي تشبع بها العليق سابقاً لم تكن كافية لترويض وحشٍ من المرتبة السابعة!”
وتنهد جومانجي بامتنانٍ خفي لكونه استطاع استخراج هذا السر من دهاليز ذكريات “ماهينور” الغامضة.
نهاية الفصل
نهاية الفصل
لم تمضِ سوى لحظاتٍ مشحونة بالرعب، حتى انزلق “العليق الصغير” المجهول وتغلغل في أعماق الجنين الأسود، مخلفاً وراءه ثقباً مجهرياً بالكاد يُبصر، سرعان ما التأم واختفى أثره تحت تأثير السائل الأرجواني المنهمر.
“هذا الوغد الصغير..” تمتم جومانجي في سره وهو يحاول استجماع شتات قوته.
وعند رؤية ذلك المشهد، تنفس جومانجي الصعداء، وهمس بصوتٍ خافت أنهكه الإعياء: “لقد نجح الأمر.. في النهاية.”
كان الحصول على هذا الكائن معجزةً بحد ذاتها، فلا أحد في هذا العالم الواسع يدرك وجوده إلا قلةٌ قليلة من الصفوة.
لم يضع جومانجي ثانيةً واحدة؛ فأخرج نباتاً روحياً “نبات القط الأسود” من كيسه وألقمه فمه بسرعة، وما هي إلا لحظات حتى بدأت جراحه العميقة تندمل، وتوقف شلال الدماء الذي كاد يودي بحياته.
ظل الشيخ ونيرون في صمتٍ مطبق، يراقبان هذا التحول الإعجازي بذهول، قبل أن ترتسم على شفتي نيرون ابتسامةٌ حملت مزيجاً من الراحة والتقدير؛ فقد استشعر بوضوح تدفق الحياة مجدداً في عروق “عليق حصان البحر الأسود”، وأدرك أن المزرعة بدأت تعود إلى سابق عهدها من القوة والازدهار.
Comments for chapter "الفصل 38"
MANGA DISCUSSION