كانت أنظار كل من “نيرون” والشيخ العجوز مثبتة على جومانجي، الذي كان يلهث بصعوبةٍ بالغة؛ فبرغم أن عملية الشفاء لم تستغرق وقتاً طويلاً، إلا أن حجم الدماء التي نزفها خلّف وراءه استنزافاً حاداً في طاقته الحيوية.
لم يخِب ظننا فيك يا راعي الأغنام، لقد أثبتَّ أنك أكبر من كل التوقعات.”
أومأت الفتاة بالموافقة،
كانت حبات العرق الغزيرة تنساب على وجهه الشاحب وهو يطأطئ رأسه نحو الأرض، محاولاً استجماع شتات نفسه.
تمتم جومانجي في سره بنبرةٍ حملت قسوةً واقعية: “أن أنزف الآن، أفضل بكثير من أن أنزف في المستقبل حتى الموت.”
لم يشأ الشيوخ ولا الزعيم الضغط عليه أكثر، وآثروا تركه لمساحته الخاصة؛ فقد أدركوا بفراستهم أن رجلاً بمثل كفائه وترفعه لا يُقاد بالإلحاح، بل بالاحترام والتقدير.
خيم صمتٌ قصيرٌ وثقيل على المكان، قبل أن يستطرد في خلجات صدره ببرودٍ: “ليس لدي أي امتنان لك أو لقبيلتك.. لكن بما أنهم توهموا أنني أنت، فليكن؛ سأساعدهم هذه المرة، لتكون الأولى والأخيرة.”
تبادل الشيوخ نظراتٍ يملؤها العجب من هذا الطلب؛ فرغم ضعف هذا العليق، إلا أنهم توقعوا طلباً أكثر تعقيداً. ولم يتردد نيرون لحظة قبل أن يجيب: “لك ما أردت، طلبك الأول مقبول.. فما هو مطلبك الثاني؟”
“زميلي الروحي.. هل أنت على ما يرام؟” سأل الشيخ بورين بنبرةٍ امتزج فيها القلق بالذهول، وهو يحدق في وجه جومانجي الذي بدا وكأن الحياة قد سُحبت منه.
خرج جومانجي من مجلس الشيوخ بهدوءٍ لم يكسره سوى صخب القرية الذي بدأ يتصاعد؛ فالكل يستعد لاحتفالاتٍ كبرى، ولم يكن ذلك غريباً، فشفاء زعيمهم كان فجراً جديداً بدد ظلمات الأيام القاسية التي خنقت القبيلة طويلاً.
أومأ جومانجي برأسه ببطء، محاولاً استجماع وقاره، وأجاب بصوتٍ خافت ومجهد: “سأكون بخير.. أحتاج فقط إلى بعض الوقت لاستعادة طاقتي والحصول على قسطٍ من الراحة.”
في تلك اللحظة، استقرت المزرعة الروحية تماماً، وعادت نبضات الحياة تتدفق في أرجائها بقوةٍ لم تشهدها منذ زمن؛ استشعر نيرون هذا التحول في أعماق كيانه، فزفر تنهيدة ارتياحٍ عميقة بددت سنواتٍ من الألم.
عمت الفرحة أرجاء المكان، وسرى خبر التعافي كالنار في الهشيم لكن لا احد عرف من اي مرض قد شفي منه زعيم، لقد بقي الأمر سرا.
التفت نيرون نحو الشيخ وقال بنبرةٍ آمرة تحمل تقديراً جديداً: “أيها الشيخ بورين.. أرجو أن تولي اهتماماً فائقاً بزميلنا الروحي؛ فهو منذ الآن ضيف الشرف الأول لقبيلتنا، وراحته تفوق أي اعتبارٍ آخر.”
أجاب الزعيم بجدية: “نريد تعيينك طبيباً رسمياً لقريتنا، وشيخاً من شيوخ مجلسنا.. فهل تقبل أن تكون ركناً من أركان هذه القبيلة؟”
أومأ شيخ موافقا وقال: ساهتم بنفسي بالراعي الأغنام.
غادر جومانجي والشيخ بورين “عالم المزرعة”، ليعودا إلى الواقع عبر الباب الكبير للمنزل المهيب.
قال جومانجي ببرود: “طلبي الأول؛ هو عشر من ‘عليق مرجان الفجر الندي’.”
واستطرد ثالثٌ مؤيداً: “معك كل الحق، لا يهم كيف تم الشفاء أو كم استغرق من جهد، المهم أن الغمة قد انقشعت، وأن القبيلة عادت لتستند إلى ركيزتها الأساسية.”
وما إن وطأت أقدامهما الخارج، حتى انهالت عليهما نظرات الشيوخ والمزارعين المحتشدين من كل حدبٍ وصوب؛ عيونٌ تلمع بالفضول، وأخرى يقتلها القلق، بانتظار كلمةٍ واحدة تحسم مصير القبيلة المعلق بين يدَي هذا الرجل الشاحب.
رد نيرون بسرعة: “لا تقل ذلك أيها الزميل المحترم، نحن المدينون لك بالفضل لا أنت.
لم ينطق جومانجي بكلمة، بل ظل محتفظاً بصمته المهيب وجسده المنهك، بينما تولى الشيخ بورين مهمة طمأنة الحشود؛ أومأ برأسه إيماءةً واثقة للجميع، كانت كفيلة بتبديد سحب القلق التي خيمت على الوجوه.
اطلب ما تشاء؛ سواء كان موارد نادرة، أو أسراراً روحية، أو حتى منصباً دائماً يجعلك في مقام الشيوخ فمرحبا بك في هذه القبيلة.”
أما رفيقها، الذي كان يرتدي نسخةً ذكورية من ذات الرداء وهو الفتى الذي رافق سفيرة عشيرة اللقلق في زيارتها السابقة، فقد رد عليها بهدوءٍ وحكمة: “حدود معرفتنا لا ترسم حدود الواقع؛ فما نراه مستحيلاً قد يكون يسيراً لغيرنا.
وفور رؤية تلك الإشارة، انفرجت أسارير الشيوخ وعلت الابتسامات وجوههم التي كادت تفتك بها الظنون.
صمت نيرون للحظة، وجال بنظره بين شيوخه العشرة الذين أومأوا برؤوسهم تأييداً، ثم تابع: “كلمات الثناء لا تفي حق من سفك دمه لأجلنا.
أما في الخارج، فقد انتقلت معالم البهجة من وجوه الشيوخ إلى أزقة القرية كافة؛ بعد أن شُفي الزعيم، ومع انكشاف الحقيقة، تبدلت نظرة الجميع تماماً.
نظر شيخ الزهور بتقديرٍ عميق نحو جومانجي، وتمتم في سره بامتنان: “لقد فعلتها حقاً..
“أيها الزميل الروحي.. يا راعي الأغنام، كيف أعبر عن شكري؟ لقد كنتَ اليد التي انتشلت قبيلتنا من حافة الهاوية حين عزّ المعين.
وفي غمرة الفرح، قال أحد الشيوخ والابتسامة تشق وجهه شقاً من شدة السرور: “أليس الأمر مذهلاً؟ لقد كان الشفاء أسرع مما يتخيله عقل!”
رد عليه شيخٌ آخر بحماس: “ومن يكترث للوقت أو التفاصيل الآن؟ المهم أن الزعيم قد استعاد عافيته.”
خرج جومانجي من منزل الضيافة، لتستقبله وجوهٌ تفيض بالبشر والترحاب، ونظراتٌ ملؤها الامتنان الصادق.
بينما اقتيد جومانجي نحو منزل الضيافة الفاخر وسط مظاهر تبجيلٍ منقطعة النظير.
نهاية الفصل
“نرجو أن تكون قد قضيت ليلةً هانئة تليق بمقامك.”
وبمجرد أن لامس جسده الفراش، غط في سباتٍ عميق لم يستفق منه إلا بعد انقضاء ليلةٍ كاملة من الراحة الحيوية.
أومأ جومانجي برأسه في صمتٍ بليغ؛ فقد كان يدرك يقيناً الثقل الذي تحمله هذه اللحظة خلف الأبواب الموصدة.
فتح جومانجي عينيه ببطء، وقف وتفحص الطاقة الروحية داخل مزرعته في جسده ثم زفر تنهيدةً رقيقة وقال في سره: “لقد زال الخطر المباشر..
تطلع جومانجي إليه ببرود وسأل: “وما هو؟”
مهمتي في قبيلة سمكة الكارب شارفت على الانتهاء، لكن لا يزال هناك شيء أخير عليّ إنهائه.”
قالت الفتاة بنبرةٍ يملؤها التعجب: “شفاء جنين المزرعة.. يا له من أمرٍ خارق للعادة! لم يسبق لي أن سمعت بشيءٍ كهذا في سجلات الطب الروحي.”
كان بلوتون يقف مذهولاً بين رفاقه، وعيناه متسعتان من أثر الصدمة وهو يردد: “هل هذا صحيح حقاً؟ هل كان كل ذلك بسبب مرض الزعيم؟”
“راعي الأغنام”.. ياله من اسمٍ متواضع صار يتردد في الأرجاء بهيبةٍ تضاهي ألقاب الملوك.
التفتت إليه الفتاة الصغيرة بنظرةٍ تشتعل غضباً وقالت بحدة: “أيها السمين الغبي! أدركتَ الآن لماذا كانت الموارد تتأخر عنا؟ أدركتَ حجم الخطر الذي كان يحيط بنا جميعاً؟”
انحنى بلوتون برأسه، وغصت الكلمات في حلقه من شدة الحرج والخجل مما كان يتفوه به سابقاً.
بينما لم يفوت أحد التوأمين الفرصة ليضيف بسخرية لاذعة: “يا لك من أبله..
كنت تتذمر ليل نهار وتملأ الدنيا صراخاً، وأنت لا تدرك أن كيان القبيلة بأكمله كان على شفا الانهيار!”
لم يكن غريباً هذا التحول المفاجئ، فشفاء الزعيم كان بالنسبة لهم شيء بالغ الأهمية، رغم أنهم لا يعرفون طبيعة المرض، إلا ان قد ثم اخبارهم بأن المرض خطير ويستحيل شفائه، لكن “المستحيل” تجسد واقعاً على يد هذا الرجل الغامض.
توالت عبارات التقدير والتبجيل من كل حدبٍ وصوب، فلم يزد جومانجي على مقابلة تلك الحفاوة بابتسامةٍ هادئة ووقورة، محتفظاً بغموضه المعتاد.
“مرحباً بك يا راعي الأغنام!”
“أهلاً بك أيها الزميل الروحي.. كيف تجد حالك اليوم؟”
وفي تلك الأثناء، شق شيخ الزهور طريقه وسط الجموع، واقترب بابتسامةٍ مشرقة قائلاً: “نلتقي مجدداً يا راعي الأغنام.. زعيم القبيلة في انتظارك الآن، ومعه مجلس الشيوخ بأكمله.”
سار بجانب شيخ الزهور بخطواتٍ ثابتة حتى وصلا إلى قاعة مجلس الشيوخ، وهناك، وقف جومانجي بوقاره المعهود أمام الشيوخ العشرة.
كانت نظرات الشيوخ هذه المرة مفعمةً بتقديرٍ غير مسبوق، مشوبةً بفضولٍ عميق؛ فمن يمتلك القدرة على شفاء جنين مزرعةٍ من المرتبة السابعة، لا بد وأنه يخفي في جعبته أسراراً تتجاوز حدود خيالهم.
استشعر جومانجي تبدل الأجواء من حوله؛ فرغم أنه يقف في ذات البقعة التي وقف فيها سابقاً حين كان محض شخص غريب، إلا أن الهواء اليوم كان مشحوناً بالهيبة والاعتراف بدلاً من الريبة والشك.
حتى الزعيم نيرون، الذي استعاد جزءاً كبيراً من هيبته وحضوره الطاغي، كان يرمقه بابتسامةٍ تحمل اعترافاً صريحاً بتفوقه.
كان نيرون يفكر في قرارة نفسه بأن هذا “الطبيب” ليس مجرد مزارعٍ ماهر، بل هو ظاهرةٌ غريبة لم يسبق له أن عاصر مثلها؛ فطريقته في العلاج، وسرعة استجابته، والتقنيات التي استخدمها، كلها كانت تنتمي لمدرسةٍ من الطب الروحي لم تقع عليها عيناه قط طوال سنوات ارتقائه.
قاطع نيرون الصمت المهيب، وقد استقرت نبرته على رنينٍ من الوقار والامتنان الصادق:
خيم صمتٌ ثقيل على القاعة حين استطرد جومانجي بهدوئه المعتاد: “أعلم يقيناً بوجود ‘شرخٍ مكاني’ يقع ضمن حدود أراضيكم.. مطلبي الثاني هو السماح لي بالدخول إلى ذلك المكان.”
إن شفاء ‘جنين المزرعة’ ليس مجرد جميلٍ عابر، بل هو إحياءٌ لروح قبيلة سمكة الكارب بأكملها.”
وفي زاويةٍ من زوايا القرية، داخل مطعمٍ يضج بالحركة، جلس فتى وفتاة أمام بعضهما البعض، غارقين في تناول طعامهما بينما تدور بينهما همساتٌ لا تخلو من الجدية.
لذا، قررنا نحن مجلس الشيوخ والزعيم، ألا تخرج من هذه القاعة إلا وأنت تحمل ما يليق بمقامك الرفيع كمنقذٍ لنا.
ساد التعجب وجوه الشيوخ ومعهم الزعيم نيرون؛ فقد كان طلب الدخول إلى “الشرخ المكاني” مفاجأةً لم تخطر ببال أحد، وتبادلوا نظراتٍ صامتة حملت مزيجاً من الحيرة والترقب، بينما ظل جومانجي واقفاً كالطود، ينتظر قرارهم بهدوءٍ لا يتزعزع.
كان الهواء في القاعة ساكناً، والجميع ينتظرون خروج الكلمات من فم جومانجي.
أما نيرون، فقد كان يراقب رد فعل هذا الرجل الغريب بدقة، متسائلاً في سره: عن ما يجول في افكار هذا الرجل.
أما جومانجي، فكانت كل تلك الوعود والخطابات المنمقة في نظره مجرد كلماتٍ جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع؛ فلم تكن تهمه المناصب الزائفة ولا الألقاب الرنانة.
رفع يده بهدوءٍ مستفز، وأشار بإصبعيه أمام نظرات الجميع المترقبة قائلاً بصوتٍ حاسم: “أريد شيئين فقط.. لا ثالث لهما.”
“أخبرنا بمرادك أيها الزميل الروحي، فكل ما في حوزة القبيلة رهن إشارتك،” أجاب نيرون بنبرةٍ غلب عليها الحماس والفضول لمعرفة ما قد يطلبه خبيرٌ بهذا المستوى.
تنهد نيرون بعمق، مدركاً أن فضل هذا الرجل على قبيلة سمكة الكارب لا يُقدر بثمن، وأن رفض طلبه الآن سيُعد جحوداً وبخلاً، فضلاً عن رغبتهم في استبقاء خيط ودٍّ معه لحاجتهم المستقبلية لخبراته النادرة.
تنحنح الزعيم وقال بلهجةٍ قاطعة: “مطلبك الثاني مقبولٌ أيضاً يا راعي الأغنام، ولك منا كل التسهيلات لدخول ذلك المكان.”
انحنى جومانجي انحناءةً خفيفة وقال: “إذاً، أنا شاكرٌ لكم هذا الكرم.”
أبواب قبيلتنا مشرعةٌ لك دوماً، ويمكنك المكوث بيننا ما طاب لك العيش. ولكن، لدي عرضٌ أخير أرجو أن تنظر فيه..”
ضيق جومانجي عينيه، وكأن ثقل العرض استوجب منه وقفة تأمل، ثم قال بصوتٍ رخيم: “سأحتاج إلى بعض الوقت للتفكير في هذا الأمر.. ربما يكون ردي النهائي يوم خروجي من الشرخ، أما الآن، فأنا أستأذنكم.”
كانت هذه الفتاة هي نفسها التي التقى بها جومانجي سابقاً، مرتديةً الآن رداءً أبيض فاخراً تزينه حوافٌ سوداء ويبرز عليه رمز “طائر اللقلق” الشامخ، وبطبع كانت تعرف أمر مرض العليق لأنها حاولت شفائه من قبل.
أومأت الفتاة بالموافقة،
المعرفة بحرٌ لا شطآن له، وهذا الرجل أثبت أن لديه ما يجهله الكبار.”
تابع الفتى وهو يمسح طرف فمه: “علينا العثور على هذا الطبيب وإقناعه بالانضمام إلى عشيرتنا، وجود شخصٍ بكفاءته سيكون مكسباً استراتيجياً لا يقدر بثمن.”
أومأت الفتاة بالموافقة،
واستطرد الفتى: “لقد أبلغنا السفيرة بكل التفاصيل، وهي الآن في طريقها إلى هنا مع البقية.. فموعد افتتاح ‘الشرخ’ قد اقترب، والجميع يتأهب لتلك اللحظة.”
Comments for chapter "الفصل 39"
MANGA DISCUSSION