“لم أفهم.. لماذا قصصت عليّ كل هذا؟” سألت الفتاة وهي تميل برأسها، محاولةً ربط خيوط القصة بمسيرهما المنهك وسط الخيزران.
ورأس المستقبل (الأمام) كان ينضحُ ببرودةٍ قاسية، تخترق عينه حجب الغيب وتنظر إلى قدر جومانجي المظلم، كأنها ترى جبالاً من الجثث سيتسلقها لا محالة.
توقف العجوز للحظة، وارتسمت على ثنايا وجهه الوسيم ابتسامةٌ هادئة، ثم قال: “عليكِ أن تقتدي بتلك السمكة يا صغيرة.
انحنى قليلاً ليمسح غبار الطريق عن ثوبها القاني، وتابع بنبرةٍ أبوية حازمة: “مهما تعثرتِ أو سقطتِ، عليكِ أن تنهضي مجدداً.
لقد قلتِ قبل قليل إن الملل قد ظفر بكِ، لكن الطريق أمامكِ لا يزال طويلاً، وأنتِ لا تزالين في مقتبل العمر.
سأتركك اليوم، عشرين عاما من الآن سأصل إلى الدرجة الخامسة بقوتي الخاصة، ثم أعود إليك قبل أن تقع الكارثة الكبرى.. فقط انتظرني”.
أما الصبي الآخر، فكان وجهه لوحةً من التجهم والارتباك؛ فرغم السنين التي قضاها قبل العودة بالزمن، إلا أنه لم يفك شفرة هذا الاختبار بعد.
السر ليس في الوصول، بل في القدرة على تحمل المسير مهما بدا الأفق ساكناً”.
أما “كايروس” والفتى الآخر، فبمجرد أن استشعرا خطر الانهيار يهدد مزارعهم، تبخرت عزيمتهم في لحظة.
الفشل يا ابنتي ليس في السقوط، بل في البقاء أرضاً.
حاولي مرةً أخرى، وعاشرة، حتى تنكسر قوانين الواقع أمام إرادتكِ، تماماً كما فعلت السمكة”.
في تلك الأثناء، وفي ملكوتٍ آخر، كان جومانجي لا يزال يصارع ضباباً كثيفاً لا ملامح له، غماماً أبيض يبتلع البصر والبصيرة.
ولو كانت مزرعته الروحية في مأمن، لامتلك الصبر للبقاء هنا إلى الأبد، وهو الذي ختبر تقلبات الدهر وعاش حياةً كاملة قبل عودته بالزمن.
لم يكن يرى كفه أمام وجهه، ولم تكن هناك رياحٌ ترشده، ومع ذلك، لم يسمح لساقيه بالتردد.
لم يمكثوا في عالم الواقع سوى دقائق معدودة، لكنها كانت كافيةً لغربلة الأرواح وفضح معادن القلوب؛ فبينما خسر الآخرون أنفسهم في وهم السنين، كان جومانجي هو الوحيد الذي عبر الجسر الوهمي بصدق تضحيته المطلقة.
ازدادت كثافة الضباب حتى غدا الزمان والمكان كياناً واحداً رتيباً، ففقد المتنافسون إدراكهم للوقت؛ فلا شمس تشرق ولا قمر يغيب، بل بياضٌ سرمديٌ ينهش اليقين.
ثم همس في ذلك الضباب الأبيض الموحش، وصوته خافتٌ يرتجفُ بمرارةٍ لم يذقها من قبل: “لقد خيبتُ أملكم مرةً أخرى يا أبنائي.. أنا حقاً أبٌ سيء”.
في الوقت ذاته، كان الفتية الثلاثة الباقون يواجهون الجحيم ذاته. “الفتى صاحب الشعر الأبيض” جعد جبهته بحدة وهو يواصل التقدم، وهمس بصوتٍ مخنوق: “ما هذا الاختبار اللعين؟ أين نهايته؟ وإلى متى سأظل أسيرُ نحو هذا العدم؟”.
تسلل الخوفُ ببرودته إلى القلوب، وبدأت الأوهامُ تقتاتُ على عقول الصبية، وكان أول الضحايا “الفتى صاحب الشعر الأبيض”، يليه “كايروس”، ثم آخرون.
صرخة صامتة خرجت من روحه، فقد صار الآن يحمل في داخله عينين لا تنامان؛ واحدة تبكي على ما ضاع، وأخرى تترقب ما هو آت.
كانت تساؤلاتٌ سامة تنهش خيالهم: “ماذا لو فشلنا؟”، “ماذا لو لم نحصل على هذا العليق ؟”.
نهاية الفصل
وسط هذا الضياع، توقف أحدهم فجأة، وبغريزةٍ مهزوزة التفت لينظر للخلف؛ كانت نظرةً واحدة مشوبة بالتردد، خطوةً واحدة تراجعت فيها قدمه نحو الوراء.
في مكانٍ غير بعيد، كان “ذو الشعر الأبيض” يصارع شياطينه الخاصة؛ تصبب العرقُ من جبهته، واحتقن وجهه باللون الأحمر القاني وهو يشاهد معالم مزرعته تتداعى تحت وطأة التخريب الروحي.
لم يكن مجرد اضطراب عابر، بل كان زلزالاً باطنياً يهدد بتفتيت التربة وتصدع السماء، وكأن الاختبار لم يعد يكتفي باستنزاف جسده، بل بدأ ينهشُ أثمن ما يملك.
لكن ذلك المجال الأبيض لا يقبل المترددين؛ ففي اللحظة التي تراجعت فيها قدمه، ابتلعه الضبابُ وطرده خارجاً في صمتٍ مهيب.
توالت الأيام، ومثل ذلك الصبي، طُرد ثلاثةٌ آخرون لم يصمدوا أمام وطأة المجهول، حتى لم يتبقَّ في هذا العدم سوى أربعة صبية، من بينهم جومانجي.
وجد جومانجي نفسه واقفاً بمعجزةٍ، وأمامه مباشرة، كان هناك شيءٌ يطفو في الهواء؛ كيانٌ في حجم قبضة اليد، لكن ثقله الروحي كاد يسحق روح جومانجي أرضاً. لم يكن نباتاً، بل كان “قانوناً طبيعياً” تجسد في هيئة مادية.
لم يكن جومانجي يفهم الغرض الحقيقي من هذا السير المنهك نحو “لا مكان”، لكنه استمر في تحريك قدميه بآليةٍ صلبة، كأن جسده انفصل عن رغبته.
“هل سأظل أمشي هكذا بلا نهاية؟” تساءل جومانجي في حوارٍ داخليٍ يملؤه الإرهاق.
وقف جومانجي مذهولاً، يحاول استيعاب هذا شيء الثقيل الذي زرع في داخله، والنبض الجديد الذي يسري في عروقه، نبضٌ يجمع بين حدة المستقبل وهدوء الماضي.
ثم، وعلى حين غرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باهتة يقطر منها الحزن؛ ابتسامةٌ لم تكن للفرح، بل كانت عزاءً ذاتياً مرّاً.
تذكر عائلته، وهمس لنفسه ببرود: “إنهم يستحقون هذا العناء.. إنهم يستحقون ذلك”. وبهذا القيد من الذكريات، حول حزنه إلى وقودٍ يدفعه للاختراق.
كان يشعر بالعجز، فلو كان الاختبار قتالاً أو تحدياً ظاهراً لكان أهون، لكن البقاء هنا لا يتطلب سوى “التقدم”، وهو فعلٌ بسيطٌ صار مع الوقت أصعب من الجبال.
رغم هذا “الوقود” المرّ الذي كان يدفعه للأمام، إلا أن شعوراً مباغتاً اخترق كيانه؛ فبينما كان يتفقد مزرعته الروحية كعادته، أحسّ باهتزازٍ عنيفٍ يزلزل أركانها.
وفجأة، وقعت الكارثة الكبرى؛ تحطمت المزرعة الروحية بالكامل. انهار الجبل العظيم الذي كان ينتصبُ في قلبها بوقار، وتفتتت صخوره التي كانت تشبه حراشف التماسيح لتصبح غباراً يذروه العدم.
استدارا فوراً للخلف، فالمزرعة في نظرهما أغلى من أي عليق؛ فإذا انهارت المزرعة الروحية، فأين سيضعون العليق؟ لم يستغرق التردد ثوانٍ حتى ابتلعهما الضبابُ واختفيا تماماً من الطريق.
الآن، لم يبقَ في هذا التيه سوى جومانجي و”صاحب الشعر الأبيض”.
كان جومانجي يتحسس نبض مزرعته الروحية كل دقيقة، يراقبُ الشقوق التي بدأت تلتهم مساحاتها.
نهاية الفصل
“يبدو أنها سـتهلكُ قريباً..” قالها جومانجي وهو يربتُ على صدره، مدركاً بمرارة أن مستقبله الذي خطط له بعناية يتأرجحُ على حافة الدمار الشامل.
لم يتوقف الدمارُ عند حدود الروح، بل انتقلت تلك الشقوق الغائرة من سماء المزرعة المحطمة إلى جسد جومانجي نفسه.
كان يلقي في كل لحظة نظرةً على مزرعته التي تتشققُ أمام عينيه كقطعة فخارٍ مهشمة، وبمنتهى الحزم، أغمض عينيه بقوة، وضغط على أسنانه حتى كادت تنكسر، ثم واصل التقدم بجنون.
مرّ الوقتُ ثقيلاً، كأنه دهورٌ تلتفُ حول عنق الإدراك. راقب جومانجي مزرعته الروحية وهي تتداعى بصمتٍ جنائزي؛ كان يشاهدها تتدمر كما تدمرت قريته من قبل، وكما فُني أحباؤه أمام عينيه.
انفجر شقٌ عظيم في سماء مزرعة جومانجي، بينما انشطرت أرضها إلى نصفين غائرين، مهددةً بابتلاع كل ما بناه.
“فلتتحطم المزرعة! فماذا في ذلك؟!” همس جومانجي بصوتٍ خافت في وجه هذا البياض المطبق، وكأنه يتحدى الكيان الذي يسكن خلف الضباب.
كان يدرك تماماً أن هذا العليق كنزٌ لا يعوض؛ فقد كان محظوظاً بمجرد معرفة وجوده، فكيف يتراجع الآن وقد صار على أعتابه؟ كان التراجع في نظره قمة السذاجة، فبعد أن فقد كل من يحب، لم يعد هناك ما يخشى خسارته. لقد جفت منابع الخوف في قلبه ولم يبقَ سوى العناد.
“هل تختبرني أيها العليق الغبي؟ حسناً.. حتى لو كان الموت هو ما ينتظرني في نهاية هذا الدرب، سأبقى أتقدم نحوك!”
لم يلمح أثراً للعليق بعد، وشعر في تلك اللحظة بمدى “تكبر” هذا الكيان كما وصفه القدماء؛ فهو لا يمنح الشخص اي فرصة.
لقد استغل فرصته حتى النهاية، وإذا كان عليه أن يرحل الآن، سيرحل وهو يعلم أنه لم يتراجع خطوةً واحدة نحو الخلف.
لو كان يدرك طبيعية هذا الاختبار منذ البداية، لاحضر أي عليق قبل ذلك ليكون جنين مزرعته وهو لا يزال خارج هذا الضباب.
كان يطمح لامتلاك العليق ليعزز تفوقه، لكن “الزمن” الذي كان سلاحه الأقوى صار الآن العثرة التي تعيق خطاه؛ فقد أدرك في تلك اللحظة الحرجة أن المعرفة وحدها لا تذلل الصعاب، وأن العطايا العظيمة لا تُنال بالخبرة فحسب، بل بالتضحية الكاملة.
تنهد بعمق وهو يشاهد مزرعته الروحية تترنح على حافة الفناء، ثم همس بمرارةٍ يشوبها الكبرياء: “لا بأس.. فبيني وبين المستقبل ألف عامٍ من اليقين.
أنا أملك ما لا يملكه غيري؛ أعرف أسراراً لن تُكتشف إلا بعد سنين.
بمجرد أن أتم كلماته، حسم أمره وتراجع خطوةً واحدة نحو الوراء؛ خطوةً كانت كافية ليفتك به البياض المطبق، حيث ابتلعه الضباب في صمت، ليعود إلى نقطة البداية، تاركاً خلفه جومانجي وحيداً في هذا العدم السرمدي.
تاه جومانجي داخل البياض كانت كل خطوة من خطواته تتجه نحو الهلاك وهو يعرف ذلك مع ذلك قرر تقدم للأمام ليس فقط من أجل عائلته فمن أجله أيضا كان يريد أن يرى نهاية هذا المكان الذي كان عصيا لسنين طويلة.
لكن هذه المرة، لم يكن هناك صراخ، بل سكينةٌ باردة؛ فخرابُ الروح كان أهون عليه مما عاشه في واقعه المرير.
نعم.. لقد كان هو؛ “عليق النظرة للأمام ونظرة للخلف”.
النهر الذي كان يتدفق بالحياة جفّ في رمشة عين، وكأن الأرض لفظت أنفاسها الأخيرة، لتسقط المزرعةُ جثةً هامدة في أعماقه.
غمرته التصدعاتُ بالكامل، وشعر ببرودة الموت تزحفُ نحو أطرافه؛ لقد كان يحتضر، وهو شعورٌ ألفه من قبل، لكنه هذه المرة كان أكثر عمقاً ونهائية.
سقط جومانجي أرضاً وسط ذلك البياض المطبق. ضاع كل شيء؛ ضاع الوعد الذي قطعه على نفسه بإعادة عائلته، وضاعت الفرصة الذهبية التي ظنها طوق نجاته. ورغم هذا الفشل الذريع، لم يرتسم على وجهه ظلٌّ واحد للندم.
ابتسم جومانجي ابتسامةً هادئة تليق بمن خاض حربه حتى الرصاصة الأخيرة. لقد حاول من أجل نفسه، ومن أجل طفليه الذين تمنى لو يرى ابتسامتهما مرةً واحدةً أخيرة، لكن القدر كان له رأيٌ آخر.
نهاية الفصل
ومع اقتراب الظلمة الأخيرة من جفنيه، تراءت له صورة السمكة الحمراء التي تقفزُ بجنونٍ نحو الموت المحقق في سبيل المستحيل.
في تلك اللحظة، رأى جومانجي نفسه فيها؛ كلاهما قامر بكل شيء من أجل معجزةٍ تقع خارج حدود الطبيعة.
لم يكن يعرف الكثير عن “عليق النظرة” سوى ما تحتويه ذكرياته من ذلك الكتاب، لكنه آمن بها كما آمنت تلك السمكة بطائر الطنان.
وبينما كان ينتظرُ أن تبتلعه الهاوية، حدث شيءٌ لم يكن في الحسبان؛ انقشع الضبابُ فجأة، ليس ببطء، بل انذعر وهرب للخلف كحيوانٍ واجه مفترساً كاسراً، تاركاً خلفه برودةً مذهلة جمدت الزمن.
كان أسود رخوياً، يتلوى كأنه قطعة من الليل الخام رفضت أن يستوعبها الضوء، يحمل رأسين متناقضين يبرزان من كل جانب بأعينٍ جاحظة بلا أجفان.
رأس الماضي (الخلف) كان ينزفُ دمعاً أسود من الندم الأزلي، وكأنه يرى كل فلاحٍ فشل، وكل حبٍ ضاع في تاريخ المزارع الروحية.
عليقٌ من الرتبة الثانية، الكيان المتكبر الذي لم يجرؤ أحدٌ على ترويضه، والذي ظل وحيداً في هذا البياض تماماً كجومانجي، ينتظر طائراً لن يأتي.
في تلك الأثناء، كانت أعين العليق شاخصةً نحو جومانجي؛ لم تره بشرياً، بل رأته “الطنان” الأسطوري الذي بحثت عنه..
لقد أحب العليق فيه تلك العزيمة الانتحارية، واختار أن يكون هو المستقر الجديد لتلك الروح التي رفضت الانحناء.
في لمح البصر، اشتعل بريقٌ أسودُ نفاذ كسر رتابة البياض، ثم اندفع العليقُ كالشهاب نحو صدر جومانجي. لم يمر عبر الجلد، بل شقّ الروح شقاً، وأحس جومانجي ببرودة أزلية تخترق قلبه، وكأن جذوراً من الفولاذ البارد نبتت داخل عروقه.
لكن الصدمة الأكبر كانت في الحقيقة التي تجلت أمام ناظريه فور ملامسة العليق لقلبه؛ فجأة، تداعى العالم الأبيض كستارٍ من ورق.
لم يكن جومانجي، ولا الفتية الذين طُردوا قبله، يدركون أن كل ما عاشوه لم يكن سوى نسيجٍ من الأوهام التي نسجها العليقُ ببراعة ليختبر جوهر طينة من يقترب منه.
Comments for chapter "الفصل 16"
MANGA DISCUSSION