أمعن جومانجي النظر في العليق البنفسجي المستقر على كفه، وعقله يستحضر صفحات مطوية من تاريخ المزارعين الروحيين.
كانت تلك الصناديق تضم في أحشائها موارد متنوعة، لكنها بالنسبة لشخص مثله، لم تكن سوى مواد خام تحتاج إلى “صقل”.
لقد تملك الذهول والارتباك أفراد القبيلة حين طلب جومانجي هذا الطلب مقابرهم، لكن لم يترك لهم خياراً؛ ففتحوا قبور أسلافهم وأخرجوا عظاماً لم يكن لها ذنب سوى أنها ستُصهر في مرجل طموحه.
تمتم بصوت خافت: “مذهب الوزن.. أحد المذاهب التي عفا عليها الزمن، وظن الكثيرون أنها اندثرت مع فجر العصور القديمة.”
استرجع جومانجي ذكرى ذلك الرائد الأسطوري الذي شق طريقه بهذا المذهب جنباً إلى جنب مع “مذهب الرمح”.
كانت الندرة هي السمة الطاغية لهذا المسار؛ فالمزارعون الذين اتبعوا هذا المذهب في الماضي كانوا قلة القلة، حتى أن العثور على “عليق” متوافق مع مذهب الوزن أصبح أقرب إلى المستحيل.
انحنى ليلتقط حفنة من الأرض، يدقق في ذراتها ويستنشق عبيرها الروحي النفاذ، ثم وقف ليرصد التغيرات الجذرية؛ فالهواء لم يعد كما كان، لقد أصبحت الطاقة الروحية أكثر كثافة ولزوجة، تضغط على المسام بقوة وهدوء.
لم يكن أحد يعرف يقيناً كيف تبدو تلك الكائنات أو ما هي حدود قدراتها، مما جعل “مذهب الوزن” لغزاً مهجوراً لا يجرؤ على دخوله إلا القليل.. ربما عشرة أشخاص في العالم بأسره، أو أقل من ذلك.
ومع تلاشي وعيه تماماً، حدث انفجارٌ مكتوم داخل أرجاء المزرعة، وميضٌ هائل غمر الأفق حتى لم يعد بالإمكان رؤية أي ظاهرة داخلها، وكأن المكان يعيد تشكيل نفسه من العدم.
ببرود تام، بدأ جومانجي برسم الخطوط الأولى للمصفوفة المسروقة، مستخدماً الطاقة الفضية للعليق البرمائي وربطها بالهياكل العظمية التي ستعمل كـ “أوتاد روحية” تثبت أركان المزرعة في وجه الضغط القادم.
كان غايا دوري إعصاراً لا يهدأ، يجمع بين حدة النصل وثقل الجبال، لكنه عندما وصل إلى القمة المطلقة، واجه المعضلة الكبرى:
كان عليه أن يختار.. إما الرمح أو الوزن.
عندما رأى جومانجي بريق اللؤلؤة الكامل، هتف مرة أخرى بنشوة: “هيا بنا!”
في نهاية المطاف، انحاز غايا دوري لمذهب الرمح كطريق أساسي، وجعل مذهب الوزن قوة جانبية تساند ضرباته.
لقد وضع الحجر الأساس لمملكته الخاصة، والآن.. لم يعد هناك مجالٌ للانتظار. بملامح حازمة وعينين تقدحان بالشرر، أدرك جومانجي أن مرحلة التأسيس الهادئة قد انتهت، وبدأ زمن العمل الشاق والارتقاء المتسارع.
ومع ذلك، لم يستطع أحد في زمانه أن يقف في وجهه أو يعترض سبيله؛ فقد كان مزيجه الفريد كفيلاً بجعله يتربع على قمة العالم، مرعباً خصومه بثقلٍ لا يُحتمل وطعناتٍ لا تُرد.
ابتسم جومانجي بخفة وهو يستشعر الثقل المهيب الذي بدأ يسري في هواء المزرعة، وتمتم بصوتٍ واثق:
والآن، يقف جومانجي أمام نفس المذهب الأسطوري. ورغم الندرة القاتلة للعليق المتوافق مع هذا المسار، إلا أن القوة الهائلة الكامنة فيه كانت تستحق كل مخاطرة.
أما المورد الثاني، فكان الأكثر إثارة للرعب.. عشرة هياكل عظمية بشرية كاملة.
بالنسبة لجومانجي، لم يكن سلك هذا الطريق مجرد خيار، بل كان ضرورة حتمية لكسب القوة التي ستمكنه من شق طريقه الصخري في هذا العالم القاسي.
قد يكون هذا العليق نادراً ومستحيلاً بالنسبة للكثيرين، لكن جومانجي، بخبرته التي تتجاوز العصور، كان يعرف مخابئ وأسراراً تضم كنوزاً تتعلق بهذا المذهب لم يطأها إنسٌ من قبل.
في لمح البصر، انطلق غصنٌ ضخم من الشجرة المستقرة أعلى الجبل الأحمر، مخترقاً الضباب كأنه رمحٌ سماوي، والتوى حول اللؤلؤة الفضية بإحكام، ثم جرها بقوة نحو “الجنين” القابع في جوف الشجرة، لتبدأ عملية التطوير المزرعة.
رفع جومانجي يده، فارتفع العليق البنفسجي في الهواء محلقاً ببطء، وهو يشع بضوء خافت وغامض.
فجأة، اندفع الكائن بقوة البرق نحو قمة الجبل الأحمر، وفي تلك اللحظة، اهتز عالم المزرعة ككل تحت وطأة طاقة هائلة.
لقد اكتملت عملية الاستبدال؛ والآن، نبضت المزرعة بأكملها بتردد جديد.. تردد يفوح برائحة الثقل والسيادة.
التفت الأغصان الروحية بإحكام حول العليق البنفسجي ، وفي حركة متناغمة ومقدسة، لفظت الشجرة “الجنين المؤقت” الذي كان بداخلها، ليحل محله “عليق غسق الليل” ويستقر في قلب جوهرها.
“حسناً.. الآن حان وقت التحول الحقيقي، حان وقت تطوير هذه المزرعة لتليق بجنينها الجديد.”
بإيماءة خاطفة وسرعة مذهلة، استحضر جومانجي الصناديق الخشبية الكبيرة التي قدمتها له القبيلة لأجل الاستعداد.
توقف جومانجي متأملاً الأفق، وبدأ في حساب معادلة التطوير المعقدة في ذهنه.
لتطوير جودة المزرعة الروحية ونقلها إلى مستوى السيادة، لم يكن الأمر يقتصر على تكديس الكنوز، بل كان يتطلب موازنة دقيقة بين ثلاثة عناصر أساسية:
بصوتٍ هادئ يحمل ثقل الجبال، وزّع جومانجي الهياكل العظمية في زوايا المزرعة، بينما كان “العليق الفضي” ينبض كقلبٍ حي يضخ الحياة في هذا الهياكل الميتة.
أولاً، “جوهر البذرة”؛ حيث يحتاج إلى أحجار روحية عديدة لتعزيز الطاقة الروحية داخل المزرعة.
ثانياً، “تغذية الجنين”؛ وهو توفير موارد طاقة تتوافق مع طبيعة “عليق غسق الليل” البنفسجية لضمان استقرار اندماجه مع الشجرة الأم.
وأخيراً، “بناء التشكيلات”؛ وهي مصفوفات روحية معقدة تحبس الطاقة داخل حدود المزرعة وتمنع تسربها للخارج.
كانت هذه المصفوفة تحديداً كنزاً نادراً استلبه “ماهينور” في المستقبل الماضي، حين سرقها من عمق إحدى الطوائف العظمى في القارة الوسطى بعملية جريئة تركت أثراً لا يُمحى.
فتح جومانجي الصندوق الأول، فانبعثت منه هالة فضية باردة، وبدأ بفرز المواد ببرودٍ جليدي لا يعرف الرحمة.
كانت الموارد الأولى عبارة عن عشرة من “عليق الحشرة البرمائية” من المرتبة التاسعة؛ كائنات فضية لزجة تفتقر لملامح واضحة، تتلوى كديدان مقززة تثير الغثيان في نفس كل من يراها، لكنها في نظر جومانجي لم تكن سوى “مواد خام” عالية النقاء.
ورغم أنه يمتلك المعرفة لرفع الجودة إلى مستوى أعلى، إلا أنه أدرك بحكمته أن “الحصن الحصين” والمزرعة ذات الجودة المتوسطة هذه تحتاج إلى عام كامل من الاستقرار الروحي قبل أي تطوير جديد.
في تلك اللحظات الحرجة، بدأت عينا جومانجي السوداء تغرقان في عتمة حالكة، ولم يعد قادراً على مقاومة وطأة هذه الطاقة الروحية.
لقد كانت جودة المزرعة الحالية مجرد “وعاء بدائي” ذو جودة رديئة، تفتقر للكثافة اللازمة.
نهاية الفصل
والآن، ومع وجود “عليق غسق الليل” من المرتبة السابعة كقلب نابض، حان الوقت لتحويل هذا الوعاء إلى “حصنٍ روحي” بجودة متوسطة مستقرة.
لم يكن جومانجي يسعى لبناء حقلٍ للزراعة فحسب، بل كان يشيّد ساحة تدريب مهيبة، أرضاً تزداد كثافتها حتى تصبح قادرة على تحمل “الثقل المطلق” الذي سيسحق به خصومه مستقبلاً، محولاً عظام أعدائه إلى ذرات تحت وطأة جاذبية مملكته الخاصة.
نفض جومانجي الغبار عن ثيابه وهو يستشعر الرضا؛ ففي هذه المرحلة، كانت هذه النتائج أكثر مما يطمح إليه.
“حسناً.. لنبدأ الآن.”
وفي تلك اللحظة، بدأ ضبابٌ فضي شفاف يتصاعد من ثنايا العظام، وكأنها استيقظت من سباتها لتتحول إلى أوتادٍ معدنية لامعة تحت تأثير طاقة العليق الفضية اللزجة.
فجأة، ودون سابق إنذار، انفجرت هالة فضية غامرة غطت أرجاء المزرعة بالكامل، حتى غدا جومانجي غارقاً في بحرٍ من الضباب الكثيف الذي يحجب الرؤية ويثقل الأنفاس.
رفع جومانجي يده في وسط هذا السكون المشحون، وصاح بآمر: “انطلقي الآن!”
مع صدور الكلمات، اهتز الجنين الروحي في قمة الجبل بعنف، وتشكلت دوامة عملاقة في قلب الضباب الفضي.
كانت الدوامة تدور بسرعة جنونية، لكنها بدلاً من التوسع، بدأت تنحصر وتتقلص ببطء مريب، وكأن قوة غير مرئية تسحقها من الداخل.
راقب جومانجي المشهد بعينين صقريتين، منتظراً اللحظة الحاسمة، حتى تكثفت الدوامة بالكامل وتحولت إلى “لؤلؤة فضية” صغيرة، متناهية الصغر لكنها مضغوطة لأقصى درجات الكثافة، تشع بنورٍ بارد يوحي بالصلابة المطلقة.
كانت حبات العرق تتساقط من وجه جومانجي بغزارة غير مسبوقة، وهو يراقب الضباب الأحمر الكثيف الذي بدأ ينفث من قلب الشجرة؛ فقد كان الضغط الروحي الناجم عن عملية الدمج يفوق بكثير قدرة جسده الحالية على الاحتمال.
لم يسعفه الوقت ليشهد الثمرة النهائية لعمله، فقد خانه جسده المستنزف وغرق في ظلام فقدان الوعي، ليسقط مغشياً عليه وسط دوامة الطاقة.
مر الوقت ثقيلاً، حتى بدأت أجفان جومانجي تتحرك ببطء. استيقظ ليجد جسده ووجهه مغطيين بطبقة رقيقة من الغبار البني الفاتح.
“جودة متوسطة..” تمتم جومانجي وهو يراقب لون التربة الذي استحال إلى البني الفاتح المشبع بالطاقة.
اعتدل في جلسته بصعوبة، ونظراته تجوب المكان بذهول؛ لقد تبدل مشهد المزرعة بالكامل.
أما المساحة، فقد تمددت حدود المزرعة الروحية من أربعة كيلومترات مربعة لتبلغ ستة كيلومترات من الأراضي الخصبة والمهيبة.
نهاية الفصل
لقد باتت المزرعة الآن “مِحركاً” روحياً هائلاً ينتظر من يروضه، وسيشق جومانجي طريقه بجدٍ لا يعرف الكلل، متجاوزاً حدود الزمن والمنطق، ليصعد بسرعةٍ جنونية نحو القمة التي لا تليق إلا براعي أغنام مثله.
Comments for chapter "الفصل 34"
MANGA DISCUSSION