كان الجوهر يتلألأ فوق بتلة زهرةٍ نادرة، متخذاً هيئةً تشبه نحلةً أثيرية منسوجة من ضياء الشفق، غارقاً في نشوةٍ عارمة وهو يرتشف رحيق الزهرة السكرية.
انصرف “صاحب الشعر الأبيض” مخلّفاً جومانجي وراءه في عزلته المؤلمة؛ لم تكن مساعدته السابقة نابعةً من شفقة، بل كانت مجرد حركةٍ محسوبة، نظراً لما قدمه في المستقبل الذي مر به.
لكنَّ الحال انقلب تماماً بعد أن أبصرهم في “المستقبل”؛ رأى عظمةَ جبروتهم، وأدرك يقيناً أنه في هذه اللحظة لا يملكُ سوى أن يُعزّي نفسه بصبرٍ مرير، حتى يشتد عوده وتكتمل قوته.
لم تكن تلك المشاهد التي طُبعت في مخيلته مجرد صورٍ باهتة أو ذكرياتٍ مستعارة، بل كانت تجربةً حيةً صهرت في وعيه؛ لقد تذوق مرارة الهزائم، ونشوة الانتصارات، وبرودة الغدر، وكأنه هو من عاش تلك الألف عامٍ بكل تفاصيلها، وليس الفتى الذي غادر قبل قليل.
بالنسبة له، كان عليه الآن اللحاق بالفتية لتأمين “جنين” لمزرعته الروحية، غير آبهٍ بذلك الحطام البشري الذي تركه خلفه.
لم يكن جومانجي، قبل هذه اللحظة، يملك رفاهية التفكير في الانتقام، أو القدرة على تتبع مَن أبادوا أهله وجعلوا عالمه أطلالاً؛ فقد كان يظنهم بعيدي المنال لا يعرف عنهم شيئاً.
أما جومانجي، فقد بدأ إعصار الألم يسكن ملامحه تدريجياً بعد وقتٍ بدا وكأنه دهر.
اكتفى بالاستلقاء على ظهره، يحدق في السماء الشاسعة بعينين غائرتين، وقد انتهت نوبة المعاناة الجسدية لتبدأ معاناةٌ من نوعٍ آخر؛ معاناة المعرفة.
لقد أدرك جومانجي الآن، وبموجب اليقين الذي منحه إياه عليق النظرة، أنَّ مَن يسير معهم الآن ليس مجرد طفلٍ موهوب، بل هو كيانٌ عاد من خلفِ حطامِ المستقبل ليعبث بخيوط الحاضر.
بلمسةٍ واحدة، وبنظرةٍ اخترقت حُجب الغيب، انتزع جومانجي جوهر تاريخٍ كامل لم يأتِ بعد.
هذا لا يمكن تصديقه، لقد صدمته الحقيقة العارية: الموتُ صيادٌ لا يتركُ خلفه طريدة، وسنةُ الحياة لا تحابي أحداً.
لكنَّ الحقيقة التي شلّت تفكيره وأذهلت كيانه لم تكن القوة أو الدماء التي رآها، بل كانت السرَّ الأكبر الذي يخفيه ذلك الصبي: “العودة عبر الزمن”.
لكنَّ جومانجي لم يكن يرضى بالفتات؛ فخطته تقتضي دفعه قسراً ليقفز مباشرةً نحو الرتبة السابعة ويستقر كـ “جنينٍ” مهيب.
لقد سبر جومانجي أعماق النوايا، وأدرك بدقةٍ مرعبةٍ ما يخطط له ذلك الكيان العائد، وما يصبو إليه من أطماعٍ ستغير وجه الوجود.
وفي تلك اللحظة، لم تعد عيناه ترى العالم كما كانت تراه من قبل، رغم بشاعة ما مرت به قبيلته؛ لقد انكسرت مرآة البراءة الزائفة، وحلَّت محلها نظرةٌ باردة اخترقت حُجب الزيف.
لم يكن يتخيل في أسوأ كوابيسه أنَّ هذا العالم يقبعُ تحت وطأةِ بشاعةٍ تفوق الوصف؛ مقارنةً بما رآه في رؤى “الألف عام”، بدا قانون الغابة كأنه جنةٌ.
لقد أبصر القسوة في أقصى تجلياتها، والشرَّ في أبهى حلله.
لكنه، وسط هذا الركام النفسي، أدرك أخيراً عظمة الفعل الذي أقدم عليه حين ظفر بـ “عليق النظرة”؛ فلو أنه سارَ وفق المسارات المرسومة له، أو اكتفى بالفتات الذي رضي به الآخرون، لكان الهلاك ينتظره لا محالة.
وبمجرد أن لاحت طلته في الأفق، بدأت تلك الكائنات في التراقص بهياجٍ محموم، وتمايلت أجسادها الشفافة فرحاً وكأنها عثرت على كنزٍ ثمينٍ سقط من أعالي السماء.
الآن، وفوق تلك الأرض الصخرية، استشعر جومانجي طعم الانتصار الحقيقي؛ لقد أثمر رهانه المجنون، ونجح صبره في تحويل المقامرة إلى يقين.
صمت قليلاً، ثم لمعت في عينيه شرارةُ إصرارٍ فولاذي وأردف: “سواء كان خلوداً أو إحياءً، سأسعى لفك لغز الفناء مهما كان الثمن.
لم يربح مجرد “قوة”، بل ربح “المفتاح” الذي سيجعل من المستقبل الذي رآه مجرد خيارٍ بين يديه، لا قدراً يُفرض عليه.
وبعد أن تذكر شيئاً ارتسمت على وجه جومانجي قسوةٌ لم يعهدها من قبل؛ ملامحُ لم تكن مجرد نتاجٍ لمعرفة أهوال الألف عام، بل كانت وليدةَ تلك اللحظة التي رأى فيها، بين طيات ذكريات الفتى، الوجوهَ الأربعة التي أذاقت قريته الفناء. لم يرَ صورهم فحسب، بل عرف الآن معاقلهم التي يختبئون فيها.
لكنَّ غلالةً من الحزن نسجت خيوطها حول قلبه؛ فخلال الألف عام التي طواها في ذكريات الفتى، لم يجد أثراً لروحٍ واحدة عادت من براثن الفناء، تماماً كما أخبره العجوز سابقاً.
كان جومانجي يدرك، بيقين، أن هذا الجوهر لا يزال خاماً ولم يكتمل نضجه بعد؛ إذ كان يفتقر للمكملات الروحية اللازمة لتطوره الطبيعي، وكان من المفترض في مساره العادي أن يستقر في الرتبة التاسعة كبدايةٍ متواضعة.
إنَّ مَن ينطق بكلمات “إعادة الإحياء” في هذا العالم الموحش، لن يجني سوى سخريةٍ تدمغُه بالجنون؛ ففي تاريخٍ يمتد لقرون من الزمن، لم يجرؤ أحدٌ على ادعاء إحياء الموتى، وبدا البحثُ عن حياةٍ ثانية كالبحث عن السراب في صحراء الخلود التي يهرول نحوها الطامعون بلا جدوى.
في هذا العالم، ينقسم العليق إلى تسع رتب، تسلسلٌ معكوس يجعل من “الرتبة الأولى” القمة المطلقة في القوة، بينما “الرتبة التاسعة” هي البداية والأضعف.
لقد كان الخلودُ هو المطمعَ الأسمى والسرَّ الذي أهدر من أجله المزارعون أعمارهم، لكنَّ أحداً لم يبلغه؛ فحتى أكثرُ الجبابرةِ عُتُوّاً وسطوةً، أولئك الذين انحنت لهم الرقابُ وخضعت لأمرهم الجبال، وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يصطدمون بجدارٍ صلبٍ لا يلين.. جدار الموت الذي وقف حائلاً دون أحلامهم، حاصداً أرواحهم كأنها هشيمٌ تذروه الرياح.
“أليس الخلودُ والبعثُ وجهين لعملةٍ واحدة؟” تمتم جومانجي في صمتٍ مريب، “أليست محاولة البقاء للأبد تمرداً صريحاً على الموت؟ إذا كان الخلود ممكناً، فالعودة من العدم ليست بمستحيلة.”
تحرك جومانجي بخفةِ ظلٍّ لا تُسمع له خطوة، وبحركةٍ خاطفة ومدروسة، أطبق قبضته على الجوهر المباغت.
لقد قطعتُ وعداً عليهم، ولو كان السرُّ مدفوناً في أطباق الثرى أو معلقاً في أقاصي السماء، فسأنتزعه.”
رفع جومانجي يده الملطخة بمزيجٍ من الدماء والتراب، وشدَّ على قبضته بقوةٍ تكادُ تحطم عظامه، وهمس ببطءٍ وصوتٍ يخرج من أعماقِ روحٍ مكسورة: “القارةُ الوسطى.. إذاً”.
رمق الأفق بنظرةٍ حادة، ثم بدأ يبتعدُ بخطواتٍ واثقة، متجهاً نحو الغرب، بعيداً عن المسار الذي سلكه عندما جاء أول مرة.
لكن جومانجي، بفضل كنزه المعلوماتي، كان يضع عينه على “عليق الغسق الليلي”.
جلس جومانجي متقوقعاً على ذاته، وأغمض عينيه بتركيزٍ حاد ليتحسس وجود “عليق النظرة”، لكنه اصطدم مرة أخرى بفراغٍ موحش؛ فرغم يقينه المطلق بأن الكيان يقبع في أعماقه، إلا أن أثره كان يتملص من وعيه باستمرار.
لكل من يوقظ مزرعته الروحية، يكون الحلم هو العثور على عليقٍ من الرتبة التاسعة أو الثامنة كجنين، ولو ظفر أحدهم برتبةٍ سابعة أو سادسة، لكان ذلك جيداً.
أدرك جومانجي أن عليه ألا ينتظر طويلاً أمام أبواب تلك القوة المستعصية، بل عليه تأمين أساسٍ ملموس لمزرعته؛ “عليّ البحث عن عليقٍ آخر ليكون جنيناً لمزرعتي.”
انتفض جومانجي واقفاً، ونفض غبار العجز عن كاهله، ثم رمق الأفق بنظرةٍ اخترقت ضباب الجبل.
لم يعد هناك متسعٌ للتردد؛ انطلق مسرعاً والوقت يداهمه كوحشٍ كاسر، كان لزاماً عليه أن ينتزع “جنيناً” من تلك الجواهر الطيفية قبل أن يحين وقت المغادرة.
بخطواتٍ محمومة، بدأ يقلب صفحات ذكرياته الجديدة، حتى توقفت ذاكرته عند “عليقٍ” معين.
انحدر جومانجي من قمة الجبل بخطواتٍ وئيدة وثابتة، بينما كانت ملابسه السوداء تقطرُ دماءً رسمت خلفه أثراً قاتماً على الصخر البارد.
راقب جومانجي ابتعاد الفتى ببرودٍ، ثم نقل بصره نحو قلب الغابة الكثيفة وتمتم: “لا عجب أنك أتيت إلى هنا فجوهر ذلك العليق لا يسكنُ إلا في هذا العرين.”
لم يعد ذلك الفتى الذي صعد الجبل قبل ساعات؛ لقد تبدل شيءٌ في جوهره، وكأن الجبل قد ابتلع ضعف جومانجي القديم ليلفظ كياناً جديداً صلب المراس.
لكن جومانجي ظلَّ ساكناً كتمثالٍ من حجر، فلم يعد للدهشة مكانٌ في وعيه؛ فالمعرفة التي استقرت في أعماق روحه جعلته يرى الحقيقة الكامنة وراء هذه الأطياف.
وعندما بلغ المنحدر السفلي، تجلى أمامه مشهدٌ يألفه؛ كانت الجواهر الطيفية الهلامية لا تزال رابضةً في مكانها، وكأنها كانت تنتظره.
اقترب جومانجي منها، فاصطفت الجواهر في حلقةٍ دائرية حوله، تدور وتهمسُ بنبضاتها الروحية في مشهدٍ لو رآه مزارعٌ خبير لصُعق من غرابته وجموح طاقته.
توغل جومانجي في جوف الغابة الخضراء، حيث كانت رائحة الخيزران الرطب تمتزج بعبيرٍ غامض يزداد كثافة كلما تعمق في السير.
“جواهر العليق.. هل اشتقتم إليّ؟”
عرف جومانجي أن هذه الزهور ليست الوحيدة في هذه الغابة، استمر في بحثه المضني، يخترق الضباب الأخضر بعينين لا تغفلان عن أدق التفاصيل، حتى وقع بصره أخيراً على “جوهر غسق الليل”.
همس جومانجي بكلماته، فنبضت الأطياف من حوله باستجابةٍ غريبة. كان يخطط سابقاً لأن يجعل أحدها “جنيناً” لمزرعته، لكنَّ نهمه للمعرفة كشف له عن صيدٍ أثمن.
في تلك اللحظة، ومن خلف جذع شجرةٍ ضخمة، أبصر جومانجي “صاحب الشعر الأبيض” وهو يغادر غابةً كثيفة من أشجار الخيزران، التي بدت سيقانها كأنها قضبانُ سجنٍ أخضر.
لم يلحظ الفتى وجود جومانجي؛ فقد كان غارقاً في يقينه بأنه اللاعب الوحيد في هذا الزمن، غير مدركٍ أنَّ العين التي تراقبه الآن قد “طوت” مستقبله بالكامل.
لم يلبث أن عثر بمجموعة من أزهار “ملكة الليل” المتناثرة كنجومٍ سقطت في عتمة الغابة؛ دقق النظر في بتلاتها ليرى بعضها مكسوراً ومسحوقاً، فأدرك على الفور أن “صاحب الشعر الأبيض” قد مر من هنا وانتزع غنيمته ورحل.
كان هذا الكيان معروفاً بمكره الشديد وحذره الذي يجعل الإمساك به ضرباً من المحال، إلا في تلك اللحظة الوجيزة؛ لحظة الانغماس في الرحيق، حيث تسترخي حواسه وتتلاشى دفاعاته في سكرةِ اللذة.
داخل تلك المزرعة الروحية، وفوق ذلك “الجبل الأحمر”، برزت شجرةٌ غريبة كأنها منحوتةٌ من تربةٍ قانية ومُشبّعة بالدماء؛ التوت أغصانها بخشونةٍ حول الجوهر، ورغم محاولاته اليائسة للإفلات بذكائه الماكر، إلا أن الأغصان أطبقت عليه بإحكام، وسجنته في قلبها.
رغم ذلك كان هناك عائق أمامه؛ لم تكن هناك موارد لتطويره في هذا المكان.
بحيث إن استقرار الجوهر في قلب المزرعة بمثابة مسمار أمانٍ مؤقت، إذ منح كيانه هدنةً لخمسة أيامٍ إضافية قبل أن يدرك المزرعة خطر التدمير.
خمسة أيامٍ فقط، هي كل ما يملكه جومانجي ليخوض سباقاً مع الفناء، فإما أن يجد السبيل لترقية جنينه ورفع أساسات قوته، أو أن ينهار “الجبل الأحمر” فوق رأسه ليصبح أثراً من الماضي ويذهب كل مجهوده سدى.
Comments for chapter "الفصل 18"
MANGA DISCUSSION