ثبت جومانجي بصره البارد على الوحش الروحي القابع أمامه، ثم همس بنبرةٍ متهكمة: “لو كنتُ أتبع مذهب النباتات لربما وجدتُ نفعاً فيكما، أما الآن.. فأنتما في نظري مجرد خرذة لا قيمة لها.
ردَّ بلوتون وهو يهز رأسه نفياً: “ليس من قبيلتنا بالتأكيد، ربما يكون من الدب البني.”
ومع ذلك، لا بأس، فحتى الخرذة يمكنني استخلاص الفائدة منه بطريقتي الخاصة.”
هتف أحد الفتية من عشيرة “القلاق” بحماسٍ جليّ: “لا بد من الإطاحة به! كهفٌ يحميه وحشٌ بهذا الصمود لا بد وأن يكتنز في أحشائه نفائس لا تُقدر بثمن.”
استشاطت النبتة غضباً وزمجرت بصوتٍ أجوف، كاشفةً عن أنيابٍ حادة تشبه أسنان المنشار، قبل أن تطلق جذورها كالسياط المسمومة لتمزق الهواء في اتجاهه.
وعندما استقام جومانجي واقفا، عاد الجو المحيط إلى قتامته المعهودة، تاركاً الجميع في حالةٍ من الصدمة والذهول أمام هذا المشهد الإعجازي.
تحرك جومانجي بخفةٍ مذهلة متفادياً الهجوم الأول، ثم التوى جسده ببراعةٍ في الهواء ليندفع نحو قلب الوحش.
وقبل أن يصل، انهمر سائلٌ حمضيٌّ أسود من الأعلى كالمطر الهاطل، مما أجبره على التوقف المفاجئ.
في هذا العالم، كانت الوحوش الروحية من المرتبة التاسعة تُعادل في بأسها مزارعاً في المرحلة الخامسة من المرتبة الأولى، وهي عقبةٌ لا يُستهان بها للمبتدئين.
بلمح البصر، انحرف جومانجي جانباً متجنباً المادة الحارقة، وعاود اندفاعه الصاعق مرةً أخرى.
بعد مضي ساعةٍ من الزمن، وفي بقعةٍ منزوية داخل أعماق “الشرخ”، احتشد خمسة عشر صبياً يمثلون الأطراف الثلاثة المتنافسة؛ ثلاثةٌ من عشيرة “القلاق”، وثمانيةٌ من قبيلة “الدب البني”، بينما كان الأربعة المتبقون ينتمون لقبيلة “سمكة الكارب”.
وعلى الرغم من غابة الجذور التي كانت تحاصره من كل حدبٍ وصوب وتصوّب نحوه كالنبال، إلا أنه ظل يتلوى بينها بدقةٍ متناهية، مخترقاً حصونها المنيعة حتى صار وجهاً لوجه أمام الوحش الروحي.
لم يرتجل جومانجي المزيد من الحركات، ولم يمنح الخصم فرصةً لالتقاط أنفاسه المسمومة؛ فقد قرر إنهاء هذا الصخب فوراً.
وحين وقع بصر الذئب على جومانجي في تلك اللحظات الأخيرة، ساد سكونٌ مفاجئ في كيانه وكأن طمأنينةً غامضة قد تسللت إلى قلبه.
أحكم قبضة يده حتى ابيضّت مفاصلها، وبقوةٍ انفجارية، وجه ضربةً ساحقة استقرت في عمق جسد الوحش.
دوى صوتُ ارتطامٍ مروع في أرجاء الحقل، أطار بالنبتة السوداء في الهواء لتخترق صفوف اللوتس الأبيض كقذيفةٍ طائشة، محطمةً كل ما اعترض طريقها قبل أن تسكن جثةً هامدة.
“لنهاجمه قلباً واحداً، ربما حان الوقت لكسر جبروته،” تمتم ‘بلوتون’ والابتسامة لا تفارق شفتيه، وكأن هذا القتال الضاري ليس سوى نزهةٍ ممتعة تخلو من المخاطر.
كانت لكمةً واحدة، لكنها لم تكن عادية؛ فقد شُحنت بضغطٍ هائل وكأن طناً من الأثقال قد هبط دفعةً واحدة على صدر الوحش.
أما بلوتون نفسه، فقد أطلق كتلةً من الحبر الأسود ذات رأسٍ مدببٍ وحاد، اندفعت كالسهم القاتل نحو عنق الذئب مباشرة.
بالنسبة لجومانجي، لم يكن وحشٌ روحي من المرتبة التاسعة سوى عقبةٍ عابرة لا تستحق الذكر في ميزان القوى الذي يملكه.
تجلت هنا القوة الكامنة لـ “مذهب الوزن”؛ فرغم أنها كانت نتاج “عليق” من الدرجة السابعة فحسب، إلا أن نتائجها التدميرية كانت تفوق الوصف، ولم تكن هذه سوى الشرارة الأولى لفيضٍ من القوة لم يُكشف عن مكنونه بعد.
وقف هناك بجسدٍ هادئ وملامح لا تقرأ، يدرك يقيناً السر الكامن وراء استماتة الذئب في حماية مدخل ذلك الكهف، فثمة شيء ثمين يقبع في الداخل، لا يقدر ذلك الذئب على التفريط فيه حتى لو كان الثمن حياته.
ومع ذلك، نجح جومانجي في الإطاحة بمجموعة منها بكل يسر، مستنداً إلى سرٍّ دفينٍ وميزةٍ فريدة لا يحوزها أحد سواه في هذا المكان.
دنا جومانجي من جثة الوحش الروحي؛ تلك النبتة التي تشبه في ظاهرها بقية الشجيرات، غير أن أحشاءها كانت تخفي جوهراً مغايراً تماماً.
وضع يده عليها لثوانٍ معدودة، قبل أن تتلاشى من مكانها وتنتقل إلى غياهب “مزرعته” الخاصة، وكما فعل مع الأولى، كرر الأمر ذاته مع النبتة الأخرى، جامعاً إياهما كحصادٍ ثمين لمخططاته القادمة.
استنشق جومانجي أنفاساً عميقة محاولاً تهدئة إيقاع صدره، وهو يتأمل الطبيعة الساحرة من حوله؛ كان المكان ينضح بجمالٍ أخاذ، لكنه جمالٌ مخادع يخبئ خلف ستاره أهوالاً ومخاطر لا حصر لها.
كانت المجموعة تخوض صراعاً مريراً لاقتحام كهفٍ واسع يربض عند مدخله ذئبٌ ضخم، ورغم أن هذا الوحش لم يتجاوز المرتبة التاسعة، إلا أنه أبدى استبسالاً منقطع النظير، مستعصياً على محاولاتهم المتكررة للنيل منه أو تجاوزه.
نهاية الفصل
ردَّ مزارعٌ آخر من قبيلة “الدب البني” وهو يمسح العرق عن جبينه: “هذا الوحش معضلةٌ حقيقية؛ رغم وابل الهجمات التي انهالت عليه، إلا أنه يرفض التزحزح قيد أنملة. يا له من جلدٍ صلب وعنادٍ مرير!”
كسر أحد فتية عشيرة “القلاق” حاجز الصمت متسائلاً بنبرةٍ يملؤها الشك: “من هذا الفتى؟ هل ينتمي لسمكة الكارب أم لقبيلة الدب البني؟”
أيدته الفتاة التي تقف بجانبه بجدية: “حسناً، فلنقم بذلك الآن.”
“يا لك من ذئبٍ وغد.. مت!” صرخ أحد فتية عشيرة “القلاق” وهو يطلق ريشةً روحية بسرعةٍ مباغتة وقوةٍ استثنائية، عجز الذئب عن رصدها وسط دوامة إنهاكه والنزيف الذي صبغ الأرض تحت أقدامه.
اندلع الهجوم الجماعي فجأة؛ حيث أطلق فتيان قبيلة “الدب البني” وابلاً من السهام الروحية، بينما لجأ رفاق بلوتون في قبيلة “سمكة الكارب” إلى قذائف مائية متلاحقة.
في المقابل، اكتفى صبية عشيرة “القلاق” بإطلاق ريشٍ طائرٍ أبيض؛ إلا أنه بدا هزيلاً وباهت القوة إذا ما قورن بالريش القاتل الذي استخدمته يوناي في وقتٍ سابق.
اندفعت الجراء بهلعٍ نحو أمها التي وقفت سداً منيعاً لمواجهةِ غدرِ هؤلاء الغرباء، لكن السدَّ انهار في نهاية المطاف، ولفظت الحارسةُ أنفاسها عاجزةً عن الاستمرار.
بدأ الذئب في مناورة تلك المقذوفات التي انهمرت عليه من كل حدبٍ وصوب؛ لم يكن أمامه سوى المراوغة في مساحةٍ ضيقة، ورغم رشاقته، إلا أن بعض السهام الروحية اخترقت دفاعاته، كما استقرت هجمة بلوتون الحبرية في ظهره بعمق.
لم يعره جومانجي أدنى التفات، وكأنه في عالمٍ موازٍ لا يسمع فيه سوى نبض تلك الكائنات الضعيفة.
أطلق الذئب عواءً مريراً تردد صداه بين الأشجار العملاقة، بينما كانت عيناه الزرقاوان ترصدان هؤلاء المتسللين بنظرةٍ غريبة، وكأنه يتساءل في صمتٍ عن الجُرم الذي اقترفه ليستحق هذا التنكيل الجماعي.
سقط رأسه ببطء شديد حتى لامس الثرى، وألقى نظرةً أخيرة شابتها الحكمة والوداع نحو جومانجي، ثم أغمض عينيه باستسلامٍ نهائي، لتتحرر روحه وتتلاشى في عنان السماء؛ لقد رحل الذئب أخيراً.
كان بلوتون يراقب المشهد بتركيزٍ حاد، ثم تمتم بنبرةٍ مدركة: “لولا استماتته في حماية مدخل الكهف لكان قد شنَّ هجوماً مضاداً ضضناا؛ وحتى مع تفوقنا العددي، كان أحدنا على الأقل سيُصاب بجروحٍ بالغة أو يلقى حتفه.”
في تلك اللحظة، شقَّ جومانجي طريقه بهدوءٍ نحو جثة الذئبة. مرَّ بين الفتية الذين لم يعيروه أدنى اهتمام، حاسبين إياه فرداً من حشدهم المشتت.
وفور سماع كلماته، انهمر وابلٌ جديد من الضربات الجماعية التي لم يترك للذئب فرصةً للتنفس.
خارت قوى الوحش أخيراً، وتجمدت قدماه قبل أن تهويا به ببطء نحو الثرى، لكن عينيه الزرقاوين ظلتا مصلوبتين نحو الأفق، حيث كان هناك فتىً يقف وحيداً خلف الجميع، يراقب السقوط بصمتٍ مطبق.
كان ذلك الفتى هو جومانجي؛ الذي انسلَّ نحو المكان بمجرد سماعه لعواء الذئب المليء بالأسى قبل لحظات.
ساد صمتٌ حذر قبل أن يتقدم أحد الفتية بخطواتٍ وجلة نحو الجثة الهامدة ليتأكد من انقطاع الأنفاس. وبمجرد استيقانه، استدار نحو المجموعة رافعاً إبهامه بعلامة النصر، وصاح بنبرةٍ متغطرسة: “لقد هلك الوغد!”
استدار الفتى بذعر ليرى مشهداً جمد الدماء في عروق الجميع؛ مجموعة كبيرة من الجراء الصغيرة كانت تخرج من عتمة الكهف الموحش، تتعثر في مشيتها وتئنُّ بنحيبٍ يمزق نياط القلوب، باحثةً عن حمايةٍ ولت إلى غير رجعة.
لم تكن حسابات دئب تخلو من المرارة؛ فقد أدرك أن الأقدار أبت إلا أن تُسدل الستار على هذا الصمود الأسطوري، إذ لم يعد جسده المنهك قادراً على تحمل المزيد من النكال، ولم يكن الفتية قد غادروا بعد.
ولكن، وقبل أن تكتمل فرحة النصر الزائفة، شقَّ صوتُ أنينٍ خافت سكون المكان.
تجاوز عدد تلك الجراء الثلاثين نفساً، كانت في غاية الضآلة وكأنها لم تبصر النور سوى منذ أسبوعٍ واحد؛ جيشٌ صغير من اليتامى المذعورين الذين لم يدركوا ببعدُ حجم الكارثة التي حلت بهم.
ارتفع نحيبُ الجراء الخافت وكأنه مرثيةُ وداعٍ أخيرة لتلك الأم التي لم يمنعها وهنُ الجسد من القتال حتى الرمق الأخير.
والآن، ضعوا كل ما بحوزتكم من أنويةٍ روحية على الأرض، وغادروا هذا المكان فوراً.. وإلا أنني سأبيدكم جميعاً، وسأجعل ميتتكم أبشع مما فعلتموه بهذه الأم.”
وما إن وصل أمام الجسد الهامد، حتى توقفت الجراء عن النحيب فجأة، وحدقت فيه طويلاً بعيونٍ تفيض بالبراءة والحيرة، قبل أن تدنو منه ببطءٍ وتبدأ في الاحتكاك بقدميه، وكأنها وجدت فيه أماناً مفقوداً وسط هذا الزحام الموحش.
كانت نبرته تحمل سحراً خاصاً، فما كان من الجراء إلا أن أطلقت أنيناً متناغماً ينمُّ عن الموافقة، وكأن لغة القلوب قد تُرجمت بينها وبين هذا الغريب.
ساد ذهولٌ تام أطبق على جميع الحاضرين، وتسمرت أبصارهم على جومانجي في حيرةٍ بالغة.
لكن الرد جاء سريعاً من مزارعٍ ينتمي للطرف الآخر: “ولا صلة له بنا أيضاً؛ وجهه غريبٌ علينا تماماً.”
تصاعدت موجة الاندهاش بين الجميع أمام هذا الغريب الذي ظهر من العدم، حتى تقدم أحد فتية “القلاق” وصاح بخشونة: “أوي أنت! من أين جئت؟ وكيف تجرأت على دخول هذا الشرخ؟”
جثا على ركبتيه أمام الجراء الصغيرة، وهس بملامحٍ وادعة وصوتٍ يقطر حناناً: “هل تودون المجيء معي؟”
استرسل جومانجي هامساً: “بما أنكم وافقتم، سأتمكن من ضمكم إلى ‘المزرعة’.. فبدون رغبتكم، لن تجد قوتي إليكم سبيلاً.”
تأملهم جومانجي طويلاً بابتسامةٍ نادرة شقت طريقها فوق ملامحه الصارمة؛ في تلك اللحظة، بدا وكأن دياجير “الشرخ” قد انقشعت ليحل محلها بياضٌ ناصع يحيط بجسده.
ربت بيده الرقيقة على رؤوس الصغار واحداً تلو الآخر، وبلمح بصر، تواروا جميعاً داخل مزرعته دفعةً واحدة.
وقع كل شيء بلمح البصر وبسرعةٍ لم تستوعبها العقول، غير أن ذلك الفتى الذي تم تجاهله استشاط غضباً، وشعر بإهانةٍ بالغة لعدم اكتراث جومانجي بوجوده.
صرخ ثانيةً بنبرةٍ يملؤها الحنق: “أيها النذل! هل أصابك الصمم؟ أم أنك تتعمد استعراض غطرستك علينا؟”
التفت جومانجي أخيراً، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باردة لا توحي بالود قدر ما تنذر بالشؤم، ثم أجاب بنبرةٍ هادئة ولكنها حادة كالخنجر: “أهلاً بكم.. اسمي جومانجي استار.
Comments for chapter "الفصل 46"
MANGA DISCUSSION