رد جومانجي وهو يخطو خطواته الأولى بثبات: “قُد الطريق.”
مرت الأيام تباعاً حتى انقضى الشهر الأخير من العزلة، وها هو جومانجي يقف شامخاً أمام البحيرة الروحية التي باتت تضج بسديمٍ أبيض كثيف، يفيض بطاقةٍ هائلة تكاد تخرج عن السيطرة.
تمعن جومانجي في انعكاس السحب الطاقية فوق سطح البحيرة، وتمتم بنبرةٍ حملت مزيجاً من الطموح والأسف: “لا يزال هناك متسع من الوقت قبل أن تنفجر هذه البحيرة لتعلن ارتقائي القادم.. كنت أمني النفس بمغادرة هذه الجدران وأنا أطأ عتبة المرحلة الرابعة.”
“تفضل من هنا أيها الزميل الروحي..” قال شيخ الزهور وهو لا يزال يحكم قبضته على أنفه، مشيراً لجومانجي باتجاه جناح الاستحمام الخاص.
أشاح بنظره بعيداً عن البحيرة، مستسلماً للواقع بوقار، وأردف وهو يعدل رداءه: “لكن وقت العزلة قد شارف على نهايته.. وحان الوقت للخروج ومواجهة هذا العالم.”
في الخارج، كانت الأجواء حول “بيت الضيافة” مشحونةً بتوترٍ لا يُخطئه الحس؛ فقد وقف الشيوخ ينتظرون خروج جومانجي بفارغ الصبر، وعيونهم معلقة بالباب الموصد.
تقدم “كبير الشيوخ”، رجلٌ طاعن في السن يرتدي رداءً الرمادي الغامق، تنبعث منه هيبة السنين والخبرة.
ولم يكن الشيوخ وحدهم في الميدان؛ فخلف الأشجار وفي ظلال المباني المحيطة، توارى العشرات من مزارعي القبيلة الأشداء، يراقبون المكان كجوارح مستعدة للانقضاض.
فأنا حالياً لا أدرك المدى الحقيقي لقدراتي، وبضع معارك حقيقية هناك ستكشف لي يقيناً ما أستطيع فعله.”
كانت الأوامر واضحة والنيات ظاهرة: لن يُترك لجومانجي مجالٌ للهرب، ولن تُمنح له ثانية واحدة من الحرية إذا ما تبيّن أن وعوده كانت سراباً.
كانت الفتاة هي من حاولت ضربه، وصرخت فيه بحنق: “أيها السمين الشقي! يوماً ما ستقودنا إلى الهلاك بلسانك السليط.. كف عن الهراء ما دمت معنا، وإلا كانت نهايتك على يدي!”
بعد برهةٍ من ترقبٍ يحبس الأنفاس، بدأ الباب الثقيل يفتح ببطء، مطلقاً أزيزاً حاداً خرق سكون المكان.
لكن سرعان ما عدل وجهه وجسده الأربعيني ليتماشى مع هذه الملابس الكبيرة.
همس أحدهم بحنق: “يا إلهي! ما الذي كان يفعله طوال هذين الشهرين؟ هل كان يعيش في حظيرة؟”
كان “شيخ الزهور” يقف في المقدمة، وملامحه تفيض ببريق أملٍ لا يخطئه أحد؛ فهو من راهن على جومانجي منذ البداية، ويعلم يقيناً أن نجاح هذا الرجل في شفاء الزعيم سيعيد صياغة مستقبله الشخصي ومستقبل القبيلة بأكملها.
وطأت قدما جومانجي عتبة الباب، فرفع يده تلقائياً ليحمي عينيه من ضوء النهار الذي باغته بقسوة بعد عزلةٍ مظلمة.
توقف أمام جومانجي ورمقه بنظرةٍ فاحصة قبل أن يسأل بصوتٍ أجش: “أنت جاهزٌ الآن، أيها الزميل الروحي.. أليس كذلك؟”
استنشق الهواء بعمق، وكأنها المرة الأولى التي تتذوق فيها رئتاه الحرية، وهمس وهو يستشعر دفء الشمس على جلده: “لا شيء يضاهي هذا الشعور.. هذا النسيم وتلك الأشعة، حقاً لقد كان الأمر أشبه بالبقاء في سجنٍ موحش.”
فجأة، تجمد جومانجي في مكانه، وارتسمت على وجهه علامات الحيرة. “سجن؟ ما هو السجن؟” تساءل في سره بذهول، قبل أن تنبثق في عقله صورٌ غامضة وذكرياتٌ مشوشة لا تنتمي له، فصمت فجأة وغرق في بحرٍ من التساؤلات التي لا تزال تطارد هويته المفقودة.
كان الطريق قصيراً، لكنه مشحونٌ بصمتٍ ثقيل، حتى وصلوا إلى بابٍ ضخم مهيب لمنزلٍ يتكون من طابقين، يمثل قلب السلطة في القبيلة.
كسر “شيخ الزهور” حاجز الترقب واقترب من جومانجي بخطواتٍ حذرة، بينما آثر البقية البقاء في مواقعهم يراقبون المشهد عن كثب.
وبنبرةٍ حاول جعلها ودودة قال: “مرحباً بك مجدداً أيها الزميل الروحي.. كيف حالك بعد هذه العزلة الطويلة؟”
أومأ جومانجي برأسه في تحيةٍ صامتة، لكنه سرعان ما شعر بوخزةٍ في أنفه، وكأن رائحةً نفاذة قد انبعثت فجأة لتملأ الأجاء.
تمتم في نفسه بذهول: “ما هذا؟ ما الذي دهاه؟”
سأل بملامح جادة: “هل يمكنني الحصول على حمامٍ دافئ أولاً؟”
انفتح الباب الضخم ببطءٍ مهيب، ولم يجرؤ أحدٌ على عبور أعتابه سوى جومانجي وكبير الشيوخ، ليختفيا خلف الجدران التي ستحسم مصير “نيرون” وقبيلة سمكة الكارب بأكملها.
لم يحتج شيخ الزهور لإجابة، فقد صدمته رائحةٌ كريهة للغاية جعلته يقبض على أنفه لا إرادياً، وتمتم بصوتٍ مكتوم: “بالفعل.. يبدو أنك تحتاج إلى أكثر من مجرد حمام أيها الزميل! الرائحة تكاد تخنق الأنفاس.”
لم يكن شيخ الزهور وحده؛ فسرعان ما انتشرت تلك الموجة “العطرية” المنفرة لتصل إلى بقية الشيوخ، الذين تراجعوا خطواتٍ للخلف وهم يغطون وجوههم بأكمام أرديتهم.
وفي لحظة طيش، حاول السمين الالتفات لكن يداً كانت توشك أن تهوي على رأسه توبيخاً، إلا أنه استطاع صدها بمهارةٍ.
قابل نظراتهم بابتسامةٍ هادئة واثقة، مدركاً تماماً ما يدور في خلجات صدورهم.
بينما اكتفى الآخرون بنظراتٍ تائهة تتأرجح بين الاشمئزاز والدهشة.
في تلك اللحظة، تمتم جومانجي في سره ببرود وهو يدرك حقيقة الأمر: “هذه الرائحة ليست سوى نتاج تطهير جسدي من شوائب تلك المزرعة ذات الجودة المتدنية؛ ومع انقضاء شهرين كاملين دون ماء، تضاعفت حدة السموم الخارجة من مسامي.”
اذهب واعمل هناك بدل أن تضيع موارد القبيلة التي نحن أحق بها منك.”
كانت هذه الرائحة، رغم قبحها، هي الدليل المادي الأول على أن جسده قد أعيد صقله بالكامل ليتناسب مع جودة المزرعة المتوسطة.
ابتسم جومانجي بسخرية مبطنة؛ كان يعلم أن وراء هذا الاستعجال خوفاً دفيناً من أن يكون وعوده مجرد سراب، وتمتم في نفسه: “لا عجب في حذرهم، فالمقامرة بمستقبل قبيلة ليست بالأمر الهين..
لم تضع القبيلة وقتاً؛ فقد أُعد لجومانجي حمامٌ ساخنٌ يغلي، غرق داخله لفترة ليست بالقصيرة، حيث كان الماء يذيب طبقات الشوائب التي التصقت بجلده طوال شهرين.
وعندما خرج، كان منظره قد تبدل تماماً؛ ارتدى رداءً جديداً بلونٍ أحمر قانٍ، عكس بريقاً غامضاً على ملامحه التي ازدادت حدةً ووسامة.
نهاية الفصل
رفع جومانجي يده، وتأمل كفه قبل أن يشد قبضته بقوةٍ فاجأته هو نفسه.
همس السمين بنبرةٍ ساخرة: “أيعقل أن يكون هذا العجوز هو السبب في كل هذا الاستنفار؟”
تنهد الشيخ تنهيدةً طويلة حملت معها أطناناً من القلق الذي انزاح عن صدره، ثم رفع يده مشيراً إلى الطريق: “حسناً إذاً، هيا بنا.. فالزعيم ينتظرنا، والوقت ليس في صالحنا.”
همس بفضول وهو يستشعر تدفق الطاقة في عروقه: “أشعر بجسدي صار خفيفاً..
كأنني تخلصت من أثقالٍ لم أكن أدرك وجودها.
‘المرحلة الثالثة: البحيرة’.. إنني أسير نحو القمة بخطواتٍ ثابتة، وهذا يدعو للرضا؛ لكن قبل أن أخطو الخطوة التالية، عليَّ أولاً أن أصقل هذه القوة.”
أومأ الجميع برؤوسهم في صمتٍ مطبق؛ فقد أدركوا أن الموقف وصل إلى ذروة خطورته.
صمت لبرهة، وكأن عينيه تخترقان الجدران لتبصرا مكاناً بعيداً، ثم تمتم: “ذلك المكان.. سيكون الميدان الأمثل لاختبار حدودي.
قاطع حبل أفكاره صوتٌ من خلف الباب ينادي باستعجال: “أيها الزميل الروحي.. الشيوخ في انتظارك، المرجو الإسراع، فالوقت يمضي.”
لا بأس، لنذهب ونرى ما يمكننا فعله لزعيمهم.” ثم رفع صوته بوقار: “أنا قادم.”
خرج جومانجي بخطواتٍ مهيبة، ليرى الشيوخ العشرة وقد اصطفوا بانتظاره، عيونهم تلمع ببريقٍ فاحص يحاول اختراق هالته الروحية لتقدير نواباه الحقيقية.
تكهن أحد التوأمين قائلاً: “ربما هو مبعوثٌ سري من إحدى العشائر الكبرى في المرتبة الرابعة أو الخامسة!”
وعلى مقربةٍ من المكان، تجمهر عددٌ من صبية القبيلة يراقبون المشهد بفضولٍ ممزوج بالحنق؛ وكان من بينهم ذلك الفتى السمين الذي لطالما تذمر في المطعم، ومعه رفاقه الذين كانوا معه في السابق.
رسم جومانجي ابتسامةً هادئة على شفتيه، وفرقع أصابعه ببرودٍ وثقة وهو يجيب: “في أتم الاستعداد.”
نهاية الفصل
تُرى من يكون هذا الشخص ليحظى باستقبالٍ رسمي من كبار شيوخ القبيلة؟”
لكن السمين صرخ بتهور غير آبهٍ بالعواقب: “وإن يكن! حتى لو كان سليل الأباطرة، ليس له الحق في نهب مواردنا وحرماننا من مواردنا الروحية.. تباً له!”
لم يتأخر الرد، إذ رمقه صاحب الرداء الأصفر بنظرةٍ باردة مليئة بالدونية وقال: “وأنت أيها السمين.. مكانك الطبيعي ليس في ساحات المزارعين بل في مطابخ القرية؛ فالأكل هو موهبتك الوحيدة.
“بلوتون.. فعلاً إن تصرفاتك الصبيانية تستحق أكثر من مجرد ضربة!” جاء الصوت متهكماً من الخلف، حيث اقترب فتى يحيط به ثلة من الأتباع، ينظرون إلى البقية بتعالٍ وكبرياء لا يخطئه أحد.
التفت بلوتون -الفتى السمين- نحو القادم، وبمجرد رؤيته للرداء الأصفر الذي يرتديه الفتى، ارتسمت على وجهه علامات الازدراء وسخر قائلاً: “أهلاً.. ماذا لدينا هنا؟ إنه ‘عبقري القرية’ قد تكرّم علينا بحضوره!”
لم يغصب بلوتون أو يتهكم لكنه كان على وشك الرد بكلماتٍ لاذعة، لكن في تلك اللحظة بالذات، التقت عيناه بعيني جومانجي.
كانت نظرة جومانجي هادئة، مشوبة بابتسامةٍ غامضة، لكنها حملت ثقلاً مرعباً جعل العمود الفقري للفتى السمين يرتعد بعنف.
ابتلع بلوتون ريقه بصعوبة، وتجمدت الكلمات في حلقه؛ لقد شعر في تلك الثانية بأن شيئاً جللاً على وشك الحدوث، قوة خفية لا يستطيع تفسيرها، جعلت قلبه ينقبض وكأن حيواناً ضارياً يتربص به في العتمة.
التفت كبير الشيوخ نحو بقية الشيوخ الذين تبعوهم، وقال بنبرةٍ صارمة لا تقبل الجدل: “امنعوا أي شخصٍ من الدخول اليوم، مهما كان اسمه أو الجهة التي يتبعها.
لا نريد أي تشويشٍ أو تدخل قد يعيق عملية الشفاء؛ فمصير القبيلة معلقٌ بما سيحدث خلف هذا الباب.”
Comments for chapter "الفصل 37"
MANGA DISCUSSION