تعمق جومانجي داخل الكهف المظلم بخطواتٍ سريعة وواثقة؛ ورغم عتمة المكان، إلا أن ضوءاً خافتاً كان ينساب بين الشقوق، مصدره أسرابٌ من الحشرات الصغيرة التي كانت تطفو في الهواء كذرات الغبار المتوهجة، مطلقةً وميضاً فسفورياً من ظهورها ليُنير عتمة الجدران الصخرية الرطبة.
أنا مستعدٌ تماماً، بل وليس لدي متسعٌ من الوقت لإضاعته، لذا اقترح أن تهاجموني جميعاً دفعة واحدة إن كنتم تجرؤون.”
كان جومانجي غارقاً في أفكاره، وعيناه ترصدان كل زاوية بحذرٍ مفرط، وما إن توغل قليلاً حتى تجلى أمام ناظريه عشبٌ ذهبي اللون، يشعُّ ببريقٍ وهاجٍ كأنه قطعةٌ من الشمس سقطت في قلب العتمة.
كان يدرك قيمته الحقيقية؛ فـ “عشب الجفاف الذهبي” ليس مجرد نبتة روحية عابرة، بل هو ترياقٌ نادر قادرٌ على علاج وحوشٍ روحية من المرتبة السابعة، وهو كنزٌ لا يُقدّر بثمن في هذا المستوى.
“عشب الجفاف الذهبي..” تمتم جومانجي وهو يقترب بخطواتٍ موزونة؛ فقد استعاد في ذهنه تفاصيل القتال الضاري الذي دار في رؤاه المستقبلية من أجل هذه النبتة.
كان هذا العشب نادراً بحق، ورغم أنه لا يتجاوز المرتبة التاسعة، إلا أن خصائصه الروحية تجعل المزارعين يتهافتون عليه بجنون.
انبرى صاحب الصوت الآمر مجدداً، وقد احتقن وجهه غضباً: “ألم تسمع ما قلته لك أيها الزميل الروحي؟ لقد أمرتك ألا تلمسه!”
مدَّ جومانجي يده نحو العشب ببطء، لكن قبل أن تلامسه أنامله، شقَّ سكون الكهف صوتٌ واثقٌ قادمٌ من خلفه، يحمل نبرةً آمرة: “أبعد يديك عن ذلك العشب أيها الزميل الروحي.”
رد جومانجي ببرود شديد: “لقد كانت كذلك بالفعل.. أما الآن فهي ملكي. من المهانة حقاً أن تحاول استعادة شيء خسرته في معركة بمثل هذه الطريقة.”
توقف جومانجي بحركةٍ هادئة خالية من أي ارتباك، ثم التفت ببطء ليرى من تجرأ على مقاطعته.
كان جمعٌ غفير قد وصل لتوه إلى المكان والأنفاس تلهث من أثر الركض، ويبدو أنهم قطعوا المسافة في سباقٍ محموم مع الزمن ليلحقوا بجومانجي قبل فوات الأوان.
ومع ذلك، ينتابني فضولٌ شديد؛ كيف استطعت التسلل إلى هنا دون أن يلحظك أحد من الحراس؟”
“إنه هو! هذا هو الفتى الذي سلبنا كل أنويتنا الروحية يا أخي الأكبر!” صرخ أحد الصبية وهو يشير بإصبعٍ ترتجف نحو جومانجي.
شعر الشباب الأربعة الآخرون بنوع من الحرج؛ فمواجهة مزارع شاب متمرس لصبي صغير لم تكن تبدو عدلاً، وكان أحدهم على وشك الاعتراض، لكن جومانجي قاطعه بجمود: “لا بأس، أقبل الرهان.. لكن ما الذي سأحصل عليه أنا في المقابل؟”
تحدث الشاب بنبرةٍ واثقة: “إن استطعت هزيمتي، سأمنحك جميع الأنوية التي بحوزتي، وليس هذا فحسب، بل سننسحب جميعاً من هذا الكهف ونتركك تكمل استكشافك بمفردك دون أي إزعاج.. ما قولك؟”
استقرت نظرات الخمسة الكبار على جومانجي بتعمق، محاولين سبر أغوار هذا الصبي وكشف ما يخفيه من سر؛ إذ تمتمت إحدى الفتيات بنبرةٍ يملؤها التعجب: “أهذا هو الصبي الذي حدثتمونا عنه؟ إنه يبدو صغيراً جداً! كيف استطاع التنكيل بكم وحده؟
تحدث اخر في سره: هل يعقل أنه عبقري من إحدى عشائر المرتبة الخامسة؟ إن كان الأمر كذلك، فعلينا توخي الحذر وتجنب إثارة المتاعب معه.”
في تلك الأثناء، ضيقت الفتاة الأخرى عينيها وهي ترصد ملامح جومانجي بدقة، ثم همست بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع: “كيف لفتى في مثله أن يوجد… هل… هل هو جني ام ماذا ؟”
كان جومانجي يدرك جيداً أنه لا يملك القوة الفعلية لهزيمتهم مجتمعين، لكنه استخدم ذكاءه وحرب الكلمات ليزرع بذور الشك في قلوبهم.
لم يلقِ جومانجي بالاً لنظرات الشاب المحدق فيه، بل استدار وبحركةٍ خاطفة انتزع العشب الذهبي، مخفياً إياه في لمح البصر.
هز جومانجي رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه ملامح الاستخفاف: “ولماذا قد أفعل ذلك؟ أعيد أنويتي الروحية؟ لست بهذا السخاء الذي تتخيله.”
رد جومانجي بنبرةٍ باردة اتسمت بثقةٍ مطلقة زلزلت هدوء الشباب الخمسة: “وماذا إن لم أسمع؟ ما الذي تنوي فعله حيال ذلك؟”
ساد صمتٌ مشوب بالحذر قبل أن يتدخل فتىً آخر من المجموعة قائلاً: “هذا ‘الشرخ’ يقع تحت سيادة عشيرتنا، عشيرة القلاق، ووجودك هنا غير مرحب به بتاتاً.
لم يقطع سكون الدهشة سوى صراخ الشاب الذي لم يتوقف، بل زادت حدته وتوترت نبراته المليئة بالألم.
على الرغم من بروده الظاهري، كان جومانجي يدرك في قرارة نفسه أنه في ورطةٍ حقيقية؛ فلم يتوقع أن يقتحموا الكهف بهذه السرعة ويلاحقوه قبل أن يتوغل كفاية.
ومع ذلك، لم يبدِ أي أثرٍ للخوف، بل رد بجمود: “لا يهم كيف دخلت أو من أين أتيت..
ما يهم الآن هو رغبتكم في القتال.
دارت في أذهانهم تساؤلاتٌ قلقة: “لماذا هو واثقٌ هكذا؟ هل هناك من يحميه في الخفاء؟
اصطدمت اللكمتان بقوةٍ مذهلة، ودوى في أرجاء الكهف صوتُ ارتطامٍ عنيف أعقبه صراخٌ حاد ومروع من الشاب الضخم، صراخٌ تردد صداه في جنبات المكان بينما طار جسده في الهواء كالقذيفة قبل أن يرتطم بجدران الكهف الصلبة بقوة هزت الأركان.
وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على مسامع الخمسة الكبار، وضيقوا أعينهم بريبةٍ شديدة؛ فالثقة الطاغية التي نبعت من صوت هذا الصبي لم تكن عادية.
نظر جومانجي إلى قبضته التي لم تلطخها الدماء بعد، وشعر بوخزة ألمٍ طفيفة في خلجات نفسه، ثم همس بصوتٍ خافت لا يكاد يُسمع: “يبدو أنني بالغتُ قليلاً..”
اتسعت ابتسامة جومانجي، وظهر بريق غامض في عينيه وهو يقول: “إذاً، لا أرى سبباً للرفض.
ربما يقبع مزارعٌ قوي وراء تلك الظلال، وإن تهورنا وهاجمناه فقد يكون ذلك آخر عمل نقوم به.”
وحين رأى ترددهم، رسم ابتسامةً ساخرة على شفتيه وأردف: “ماذا؟ ألن يتقدم أحدكم؟ هذا مخيبٌ للآمال حقاً..
كان مشهداً مرعباً يعلن بوضوح أن القوة التي واجهها لم تكن قوة بشرية عادية، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ ساحقة لا ترحم.
اتسعت عينا الشاب الضخم، ورفع يده أمامه بابتسامةٍ واثقة قائلاً: “سأواجهك بيديَّ العاريتين، يمكنك استخدام كامل قوتك!”
كل هذا العدد وما زلتم تترددون في مواجهة صبي صغير؟”
لم يحتمل أحد الصبية الصغار هذا الاستهزاء، فزأر بغضبٍ محموم: “أيها الوغد! أتجرؤ على السخرية من إخوتنا الكبار؟ انتظر فقط، فسيسلخون جلدك عن عظمك قبل أن تغادر هذا الكهف!”
“اصمت!” زأر الشاب الضخم في وجه الصبي الصغير، فاسكته في الحال.
بعد برهة من التفكير العميق والتمحيص، تقدم أحد الشباب الخمسة بخطوات وئيدة نحو جومانجي وقال بنبرة تصالحية زائفة: “لا بأس، يمكنك الاحتفاظ بالعشب الذهبي، لكن في المقابل، عليك إعادة الأنوية الروحية التي سلبتها من هؤلاء الصبية.”
انفجر أحد الصبية صائحاً بمرارة: “أنويتك؟! إنها ملكنا أيها الكاذب السارق!”
لم يتردد الشاب، بل رفع يده وأعلن بجدية تامة: “أقسم بجنين مزرعتي الروحية أنني سألتزم بكل ما قلته لك، ولن أخلف عهدي.”
نهاية الفصل
أدرك الشاب الذي يقود المجموعة أن جومانجي في عمر هؤلاء الصبية، فقرر اللجوء إلى الخبث والمناورة: “إذاً، ما رأيك في رهان؟ لنتواجه أنا وأنت في نزال منفرد؛ إن هزمتك، تعيد الأنوية الروحية لهؤلاء الصغار.”
نهاية الفصل
وجه جومانجي لكمةً سريعة اتسمت بدقةٍ متناهية، بينما قابلها الشاب بلويةٍ من قبضته الضخمة، واثقاً من سحق يد الصبي. لكن حساباته كانت كارثية؛ فلكمة جومانجي لم تكن عادية، بل كانت تزن طناً من القوة الصافية، وكأنها ضربة وحشٍ كاسر لا يد صبيٍ يافع.
وعند سماع ذلك، دوت ضحكات الصبية الصغار في أرجاء الكهف، ساخرين من ثقة هذا الصبي الذي يتجرأ على طلب ثمن لمواجهة أحد “الإخوة الكبار”.
ضيق جومانجي عينيه بريبة، وسأل ببرود: “وعودٌ معسولة.. لكن كيف لي أن أثق بكلماتك؟”
طالما أنك تصر على إهدائي بعض الأنوية الروحية، فأنا في أمس الحاجة إليها في هذه اللحظة.. لنبدأ.”
في تلك اللحظة، تعمقت الريبة في عيون الشباب من فرط ثقة هذا الصبي؛ فبدأت أنظارهم تمسح المحيط بحذر، بحثاً عن أي حارسٍ متخفٍ قد يكون مصدر هذه الجرأة.
كان الشاب الضخم قد وصل بالفعل إلى المرحلة الخامسة من المرتبة الأولى، أما الصبي الذي يقف أمامه فتبدو هالة مزرعته الروحية وكأنها قد استيقظت للتو، فكيف له أن يجرؤ على هذه المواجهة؟
تراجع الشباب والصبية إلى الخلف، مفسحين المجال للاثنين ومخلفين مسافةً كافية للنزال رغم قتامة الكهف. “يمكنك البدء أولاً،” قال الشاب وهو يتفحص جومانجي بتركيزٍ حاد.
بدأ جومانجي بالاقتراب من خصمه بخطواتٍ وئيدة؛ فقد كان يدرك أن القتال عن بُعد يمثل نقطة ضعفه الحالية، بينما يظل الالتحام المباشر هو ساحته المفضلة.
وبسرعةٍ خاطفة باغتت الجميع، قلص جومانجي المسافة بينه وبين خصمه في رمشة عين.
لم يكن هذا الإعلان مجرد تفاخر، بل كان رسالةً مبطنة لأي “حامٍ” مفترض في الخفاء بأنه لن يستخدم أي أسلحة أو “عليق” ضد الصبي.
نهاية الفصل
حدث كل شيء بسرعةٍ فائقة صدمت الحاضرين؛ فلم يستوعب أحدٌ تلك القوة التي انبثقت من جسد جومانجي الضئيل.
وحين اقترب الرفاق منه، غطت إحدى الفتيات فمها من هول المنظر وشعرت بغثيانٍ مباغت؛ كانت يد زميلها الضخم مهشمةً تماماً وممزقة الأنسجة، وعظمة مرفقه قد انكسرت واخترقت اللحم لتبرز خارجاً مثل وتدٍ أبيض ملطخٍ بالدماء.
Comments for chapter "الفصل 48"
MANGA DISCUSSION