خرج جومانجي من الأكاديمية بخطوات هادئة، ينساب بين الممرات غير آبهٍ بالضجيج من حوله.
أما بالنسبة للمكافآت، فستكون غير مسبوقة، لهذا عليك بذل قصارى جهدك؛ أنا أعتمد عليك يا جومانجي.”
كان يقبض بيمينه على صندوق معدني يضم الأنوية، وبيساره على آخر خشبي يحوي البذور، وعقله قد سبقه بالفعل إلى المنزل؛ حيث تنتظره مزرعته الروحية ليرسي فيها أولى قواعد مجده القادم.
توقف جومانجي وتذكر حديث المعلم في الأكاديمية عن هذا الاجتماع المصيري الذي سيحدد مستقبلهم.
تعالت ضحكات رفيقه الذي تدخل مؤيداً وهو يتبادل نظرات المكر مع بايرون:
لم يكد يبتعد كثيراً عن أسوار الأكاديمية، حتى انكسر سكون طريقه بظهور ثلاثة أشباح بشرية اعترضت مساره، مشكلين نصف دائرة أحكمت الحصار عليه.
“الوغد المدلل لا يتغير أبداً، لكن بعض الضرب سيعيد صياغة عقلك!” زأر بايرون بكلماته قبل أن يندفع هو ورفيقاه نحو جومانجي كسهامٍ مسمومة.
وفي مقدمتهم كان “بايرون”، ابن الشيخة كيونا، يبرز بردائه الأصفر الباهت الذي كانت الرياح تلاعبه بصلف، بينما كانت خيوط الشمس تداعب محياه وتزيد من ملامح الزهو الزائف في عينيه.
ولم يملك بايرون في تلك اللحظة إلا أن يهمس في قرارة نفسه بمرارة: “تباً.. لقد أفلتَ من بين أيدينا هذه المرة.”
أذكر يقيناً أنها كانت متوسطة الجودة، فكيف انقلبت الموازين؟
أدرك جومانجي منذ اللحظة الأولى نواياهم الخبيثة، لكنه ظل ساكناً كجبلٍ لا تهزه الريح، وبروده المبالغ فيه جعل المشهد يبدو وكأنه لا يرى أمام خصومه سوى فراغ.
رفع بايرون حاجبيه بسخرية، ووقف بوضعية توحي بالسطوة، ثم قال بنبرة آمرة تقطر استعلاءً:
أومأ جومانجي برأسه إيجاباً وقال بهدوء:
“توقف مكانك يا جومانجي..
“وهذا الأمر جاء بعد أن أرسلت كل قبيلةٍ مبعوثاً خاصاً، ولم يكن بمقدورنا الرفض في ظل التوازنات الراهنة.
وصل جومانجي وجينحي إلى المنزل، وبمجرد دخولهما، وقعت أبصارهما على جالفان الذي كان يجلس بوقار، وأمامه على الطاولة صندوق خشبي عتيق.
ضع الصناديق أرضاً بسلام،
لكن صوت والده استوقفه مجدداً: “ألا تريد معرفة ما أسفر عنه اجتماع مجلس الشيوخ اليوم؟”
ونعدك ألا نمسك بسوء.”
عقد جالفان حاجبيه وقال: “لكن القوانين صارمة؛ لا بد أن تحضر لشهرٍ على الأقل، فهذا التزامٌ مفروض على كل الصبية الذين افتتحوا مزارعهم حديثاً.”
جعلت كلماتُه دماءهم تغلي بشكلٍ غير مسبوق، وأدركوا أن هذا “المدلل” ينظر إليهم وكأنهم هواءٌ لا يُرى.
لأن وقتي أثمن من أن أهدره في تعليم الحشرات كيف تختار فرائسها..
لم تظهر على وجه جومانجي أي علامات للدهشة؛ فذاكرته وما يحمله من رؤىً كانت قد أنبأته بوقوع هذا الاصطدام.
ضحك أحد الفتية بجانبه بقوةٍ وأردف: “إن تلك القمامة لا تستحق حتى عناء النظر إليها يا أخي كايروس، وجوده في طريقنا يلوثه فحسب.”
ابنُ الشيخة لا يجب أن يموت كصعلوكٍ في زقاق مهجور، أليس كذلك؟”
احمرت عينا بايرون وخرجت أنفاسه لاهثة من فرط الغيظ، وصرخ بصوتٍ كحيح الأفاعي: “أيها الوغد! هل تظن أن لسانك السليط سيحميك من الموت؟”
أيد الفتى الثاني كلامه وهو يشد على قبضتيه حتى طقطقت مفاصيله: “نعم.. إنه يطلب حتفه بنفسه! لنكسر عظامه أولاً، ثم نأخذ الصناديق منه. لن يسأل أحد عن ‘قمامة’ ضاعت في أزقة القبيلة.”
يمكنك ببساطة إخبار زعيم القبيلة بأنك ستتولى الإشراف على تدريبي بنفسك؛ وبذلك لن يجرؤ أحد على الاعتراض.”
أما الثالث، فقد حاول رسم مظهر الرزانة الزائف، فتقدم خطوة وقال بنبرةٍ يحاول جعلها هادئة: “جومانجي.. اترك الصناديق ولن يصيبك أي أذى، أعدك بذلك.
وذلك كله كان بعد خروجه من المزرعة الروحية الخاصة بالقبيلة.
فقط اترك الأنوية والبذور وارحل بسلام قبل أن يفقد الرفاق صوابهم.”
استشاط بايرون غضباً وهو يرمق ظهر جومانجي المبتعد، وهمس بفحيحٍ تقطر منه الكراهية: “لاشيء؟ سأريك ما هو اللاشيء.. في المرة القادمة التي نلتقي فيها، سأسحق كبرياءك تحت قدمي.”
بعد سماع كلمات جينحي، راودته فكرة طلب بعض الموارد التي يحتاجها بشدة، لكنه آثر الصمت لعلمه أن الأسئلة ستنهال عليه من كل حدب وصوب.
على مقربةٍ من المشهد، كان كايروس ونخبةٌ من الفتية يغادرون أسوار الأكاديمية، حين وقعت أبصارهم على جومانجي المحاصر.
ساد صمت قصير قبل أن يكمل جالفان بلهجة أكثر صرامة: “لكنه ليس تبادلاً ودياً كما يبدو؛ بل هو اختبار حقيقي لنفوذ القبائل وقوة الجيل الجديد.
ارتسمت على وجه كايروس ابتسامةٌ تشفي غليلاً قديماً، وتمتم بنبرةٍ شامتة:
“دعونا نتوقف قليلاً.. لنشاهد ماذا ستفعل هذه ‘القمامة’ أمام غضب بايرون.”
“تنحوا عن طريقي أيتها الحشرات الضالة، فنظراتي أبعد من أن تلمحكم، وقد أدوسكم سهواً دون أن أشعر بوجودكم.”
رد كايروس وهو يكتف ذراعيه بزهو: “أدرك ذلك يقيناً، لكنني أهوى رؤيته منكسراً؛ أريد أن أرى كبرياءه الزائف وهو يُسحق تحت الأقدام.”
“جومانجي.. لقد أتيتُ لأصطحبك، ما الذي أخَّرك في الخروج كل هذا الوقت؟”
قهقه الفتى مجدداً وقال: “معك كل الحق، رؤية هذا ‘المدلل’ وهو يتجرع مرارة الذل ستكون مسك ختام يومنا.”
وفي زاويةٍ أخرى بعيدة، كان ماهينور يراقب المشهد بصمت، ونظراته تفيض بالتأمل والارتباك.
في تلك اللحظة، أرخى جومانجي جفونه قليلاً، وزفر زفرةً طويلة حملت كل معاني الضجر والسأم، وكأنه يواجه ذبابةً مزعجة لا تستحق حتى عناء رفع يده، ثم نطق بكلمتين وقعتا كالصاعقة على مسامعهم:
شدَّ رفيقه على كتفه محرضاً: “لا تقلق يا بايرون، سيتذوق طعم الذل قريباً، ولن يحميه أخوه في كل مرة.”
“شيءٌ تافه..”
“أبي، أنت أحد الشيوخ، فلا تقل لي إنك تعجز عن تدبير أمرٍ كهذا.
برقت في عينيه ومضة مظلمة وتساءل: “هل عليَّ قتله؟”
“أنا قادم”، ثم اندفع نحو جينحي بخطىً ثابتة، دون أن يلتفت خلفه أو يلقي ولو نظرةً خاطفة على الثلاثة الذين كانوا يغلي مرجل غيظهم.
لكنه سرعان ما نفض الفكرة: “لا، قتلُه الآن قد يغير أشياء كثيرة لا أستطيع التنبؤ بها.
وعلى الرغم من افتقار جومانجي للقوة البدنية التي تؤهله لمجابهة هؤلاء الفتية مجتمعين.
إلا أنه لم يستسلم لصمت الضعفاء؛ فقد اختار أن يلفظ تلك الكلمات الحادة كأنها نِصال.
فجومانجي لم يعد ذاك الفتى الذي دخل القبيلة قبل أسبوع.
لقد مرت بضعة أيام فقط بعد دخوله إليها، لكن شيئاً ما في أعماقه قد انكسر ليحل محله كبرياءٌ صلب، وكأن روحه قد وُلدت من جديد.
وعلى الرغم من تراجعهم، إلا أن ملامحهم كانت تقطر حقداً وبغضاً دفيناً.
لكن قبل أن تصل أيديهم الغادرة إليه، اخترق الأجواء صوتٌ رزين وحازم، بدد حدة التوتر وجمد الحركات في الهواء:
بادر جومانجي بتغيير مجرى الحديث، ونظر إلى جالفان متسائلاً بجدية:
حوّل جومانجي بصره نحو مصدر الصوت، ليرى “جينحي” يتقدم نحوه بخطواتٍ واثقة ونظراتٍ حادة اخترقت صفوف المتجمهرين.
في تلك اللحظة، تراجع الفتية الثلاثة مرغمين؛ فوجود الأخ الأكبر لجومانجي لم يكن أمراً يستهان به.
ساد الصمت الغرفة لبرهة، غرق فيها جالفان في تفكيرٍ عميق، قبل أن يجيب أخيراً: “حسناً.. سأعرض الأمر على السيد، لكن لا أضمن لك موافقته المطلقة.”
ورغم أن هذه التغييرات قد تبدو طفيفة للبعض، إلا أنها في علم المستقبل قد تقلب الموازين رأساً على عقب.
ففي نظره، هؤلاء الصبية لم يمثلوا أي تهديد أو أهمية.
فبعد ما رآه في ذكريات “ماهينور” وما استقاه من معارف غابرة، أضحى هؤلاء أبعد ما يكونون عن التأثير في سكون نفسه أو إزعاج بصيرته.
ألقى جينحي نظرةً فاحصة على جومانجي، ثم رمق الفتية بنظرةٍ محذرة وتمتم متسائلاً: “ما خطبهم؟”
لقد تغيرت حتى جودة مزرعته الروحية؛
أجابه جومانجي ببرودٍ تام وهو يواصل سيره للأمام: “لا شيء..”
تعمد جومانجي نطق كلمته بصوتٍ جهوري استقر في مسامع الثلاثة كقرع الطبول الثقيلة؛
فأن تنعت وجودهم ومحاولتهم للغدر بأنها “لاشيء”، كانت إهانةً أشد إيلاماً من الضربات الجسدية.
أجاب جالفان وهو يتراجع بجسده متكئاً إلى الخلف بنظرة غامضة: “أولاً، غداً ستُفتح أبواب المزرعة الروحية لاستقبال الفتيات.
كل شيء مغاير لما أعرفه. هل ارتكبت خطأً غير مسار الأمور؟”
ألقى كايروس بنظره أيضا ثم قال هي بنا.
تمتم في قرارة نفسه بحيرة: “لماذا يتسارع الزمن بهذا الشكل؟ لم يمضِ على عودتي سوى أيام، ولم أبدأ بتحرك بعد، لكن كل ما يخص جومانجي قد بدأ يخرج عن السيطرة.”
عقد ماهينور حاجبيه وهو يحلل المشهد: “لماذا هو هادئ على غير طبيعته؟
سأدعه يمشي في مساره الجديد.. مؤقتاً.”
. إذا احتجت لأي شيء، فلا تتردد في إخباري.”
بدءاً من حادثة الشجرة في المزرعة الكبرى، وصولاً إلى هذا البرود القاتل الآن،
وحتى ‘العليق’ الذي اختاره داخل الأكاديمية..
أما الأمر الآخر، فهو أن الأكاديمية قررت عقد ‘تبادل خبرات’ مع قبيلتي الذب البني وقبيلة سمكة الكارب بعد ستة أشهر من الآن.”
استرسل في أفكاره التائهة: “لا، هذا غير منطقي.
لم يتغير شيء في العالم سوى مسار جومانجي، وكأنه انحرف فجأة ليسلك درباً لم يُرسم له من قبل.
جومانجي الآن يمزق الخريطة التي في عقلي، فهل سيؤثر هذا على المصير الذي ينتظرنا جميعاً؟”
ربما الأفضل أن أراقب وأترك الأمور تأخذ مجراها؛ فما دام لا يزال داخل حدود القبيلة، فلن يبتعد كثيراً عن ناظري.
حمل جومانجي الصندوق وفتحه ببطء، لتتوهج عيناه بانعكاس ثلاث أنوية؛ اثنتان نحاسيتان، أما الثالثة فكانت فضية تشع ببريقٍ آسر.
لم يكد الصبيان يخطوان للداخل حتى نادى جالفان بصوته الرخيم: “جومانجي، اقترب.”
دفع جالفان الصندوق الخشبي نحوه، ولم يزد على كلمتين حملتا ثقل التوقعات: “ابذل جهدك.”
لم تكن معرفة جومانجي لتخونه هنا، فهو يدرك يقيناً أن النواة الفضية الواحدة تعادل عشر أنوية نحاسية، وهي المورد الذي يحتاجه بشدة في هذه اللحظة الحرجة من تأسيس مزرعته.
أومأ جومانجي برأسه تقديراً، وانحنى قليلاً في إيماءة احترام صامتة قبل أن يستدير للمغادرة.
ورغم أنه كان يعرف بالفعل ما حدث إلا أنه سأل بهدوء: “ما الذي حدث؟”
نهاية الفصل
“هل بإمكاني الحصول على مخصصات موارد نصف السنة كاملة من الآن؟
لا أريد إضاعة أي وقت في الذهاب والإياب إلى الأكاديمية.”
اندهش جالفان وجينحي من جرأة الطلب؛ فتمتم والده بحيرة: “لماذا؟ ألا تنوي الذهاب إلى الأكاديمية؟”
أجابه جومانجي بنبرةٍ حاسمة: “ولماذا أهدر وقتي هناك؟ تطوير مزرعتي الروحية الآن هو الأولوية القصوى التي تفوق أي شيء كما إن احتجت لشيء ساخبرك بذلك.”
“المحاولة بحد ذاتها تكفي”، أومأ جومانجي ببرودٍ قبل أن يستدير مغادراً نحو غرفته في الطابق العلوي.
خيم سكونٌ ثقيل على المكان بمجرد غياب طيف جومانجي، حتى قطعه الأب متسائلاً بنبرةٍ قلقة: “ألا تلاحظ أن جومانجي قد تغير كلياً منذ تلك الرحلة إلى الغابة؟”
همس جينحي مؤكداً: “لقد ناقشتُ هذا الأمر مع ‘تاسكاست’؛ وأخبرتني أنه غاب عن أنظارهم لساعةٍ كاملة في أعماق الغابة، وهي نفسها لا تدري ماذا حدث له في تلك الدقائق.”
“حسناً يا أبي”، تمتم جينحي قبل أن ينسحب هو الآخر متوجهاً إلى غرفته، تاركاً خلفه تساؤلاتٍ تملأ أركان البيت.
Comments for chapter "الفصل 23"
MANGA DISCUSSION