ورغم وهن السنين الذي توحي به رتبته، إلا أن ملامحه كانت تنطق بوسامةٍ غير طبيعية؛ جمالٌ مثاليٌ لا تشوبه شائبة، كأن الزمان توقف عنده ليصقل وجهه كقطعةٍ من الجوهر الخالص.
بدأ الطائر يقص عليها عجائب ما رأى؛ حكى لها عن الغابات التي تلبس حلل الضباب، وعن الشمس حين تغسل وجهها في رمال القفار الذهبية.
كان العجوز يمسك بمظلةٍ سوداء فاحمة، يرفعها بوقارٍ فوق رأسه، بينما تنسحب نظراته الحانية نحو رفيقته الصغيرة؛ فتاةٌ لم تتجاوز العشر سنوات من عمرها، ترتدي فستاناً أحمر بلون القان، يتناقض بحدةٍ مع شعرها الأسود المتفحم الذي ينساب خلفها كليلٍ لا ينتهي.
زمت الفتاة شفتيها بتذمرٍ لطيف وأجابت: “وكيف لا يغلبني الملل ونحن لا نرى سوى هذه الأشجار الخضراء منذ وقتٍ طويل؟”.
كانت تمتلك جمالاً طاغياً، من النوع الذي قد يشعل الحروب في أرجاء الأرض، جمالٌ لديه القدرة الغريبة على انتزاع النفس من قاع الكآبة ليلقي بها في سماواتٍ من السعادة اللامحدودة.
سبحت السمكة بجنونٍ نحو الشاطئ، ومع أول تماسٍ مع اليابسة، حشدت كل ذرة قوةٍ في جسدها الصغير وقفزت.. قفزةً نحو الحرية، لكنها كانت قفزةً نحو الجحيم.
“لقد تعبت يا جدي.. إلى متى سنظل نمشي؟ قدماي بدأت ترتعدان من الإرهاق،” قالت الصغيرة بنبرةٍ طفولية يتخللها الضجر.
“المجلد الثامن من ‘كتاب الخيال’..
رمقها العجوز بنظرةٍ جانبية هادئة، ثم حرك مظلته السوداء ليزيح خيطاً من الشمس كاد يلامس وجهها، وسأل بنبرةٍ غامضة: “هل أحكي لكِ قصةً؟”.
انطلقت ضحكةٌ خفيضة ومرحة من أعماق العجوز وهو يراقبها بعينين تلمعان بالدهاء، ثم قال: ” أبهذه السرعة خارت قواكِ؟ يبدو أن الملل قد ظفر بكِ قبل أن تفعل المسافات”.
حاولت العودة، ضربت بذيلها الأرض بيأسٍ تريد استعادة لمسة الماء، لكن الموج كان بعيداً، واليابسة كانت سجناً بلا قضبان.
“إنه المستقبل لمن سُلب منه مستقبله، والماضي لمن ضاع منه ماضيه.. هو العين التي لا تنام لكي لا يضيع المرء في زحام الأقدار، هو الثمن الذي تدفعه الروح لكي تبصر ما لا يراه الآخرون.”
قالت الصغيرة ذلك وهي تركل حصاةً صغيرة بملل، ثم تنهدت تنهيدةً عميقة هزت كتفيها الصغيرتين، وجلست فوق جذع شجرةٍ ساقط، عاقدةً ذراعيها فوق صدرها وهي تمد شفتها السفلى للأمام باحتجاجٍ طفولي.
لكن مع بزوغ فجر اليوم التالي، استيقظت لتجد ظهرها عارياً وبرداً يلف وجدانها؛ لقد غادر الطنان دون كلمة وداع، تاركاً خلفه فراغاً يفوق اتساع المحيط.
قلبت الفتاة عينيها نحو السماء في ضجرٍ واضح، ونبست بصوتٍ يائس: “أوه.. ستقص عليّ قصصك المملة مرةً أخرى؟ تلك التي تجعل الزمان يتوقف من شدة مللها؟”.
توقف العجوز عن السير، ونظر إليها بجديةٍ مصطنعة شابها بصيصٌ من المرح: “ليست قصصاً مملة يا فتاة، بل هي حقائق مغلفة بالحكايات.. عليكِ أن تعي ذلك، هاهاهاهاها”.
غرق وجدان السمكة في دوامةٍ من الأفكار المظلمة؛ فكيف تكسر قيود طبيعتها لتعانق من تحب؟
تنهدت الصغيرة مرة أخرى، وأسندت ذقنها على كفيها وهي تراقب نملةً تجر حملها فوق التراب، ثم قالت بنبرةٍ فاترة: “حتى لو أخبرتكِ بأني لا أريد سماعها، فأنا أعلم يقيناً أنك ستحكيها في النهاية.. لذا، تفضل، قلها بسرعة لعلنا ننهي هذا بسرعة”.
ضحك العجوز ملء جوفه، وقد أعجبه صلفها الصغير ولطافتها الممزوجة بالضجر، ثم عدل من وضع مظلته وقال وصوته يتحول فجأة إلى رخامةٍ آسرة:
يقال إنه من بقايا قشورها التي سقطت أثناء ذلك التحول، ومن تلك الدموع التي جفت فوق رمال الشاطئ، نبت “عليق النظرة”.
لم يكن لقاءً عادياً، بل كان التقاءً بين عالمين؛ إذ سقط الطنان قريباً من سطحها بعد أن نال منه الإعياء، وتهالكت أجنحته من طول المسافات التي قطعها فوق عباب البحر دون أن تلوح له يابسةٌ واحدة يستريح فوقها.
رمقته السمكة بعينيها الواسعتين، ورأت لهثه الذي يضطرب له صدره الصغير، فنادت عليه بصوتٍ رقراق: ‘أيها الطائر الغريب.. من أين، وإلى أين؟’
هبط الطنان بجهدٍ جهيد ليرتكز على ظهرها العائم، ونظر أسفله بعينين غائمتين من شدة التعب، وأجابها بصوتٍ يقطر إعياءً: ‘ العالم ملك لي فليس لي مكان محدد فأنا أجوب الأرض وتساعها لارى ما يطرب عقلي.
“هل العالم واسعٌ حقاً؟” سألت السمكة بنبرةٍ يملؤها الوجل.
أجابها الطنان وهو يغمض عينيه كمن يستحضر صوراً من ملكوتٍ بعيد: “واسعٌ يا صغيرة، بل هو أوسع من أن يحويه خيالكِ؛ فيه من السهول ما لا تدرك الأبصار نهايته، ومن القمم ما يعانق السحاب حتى تذوب في زرقته.. العالم اتساعٌ يبتلع من لا يملك أجنحة”.
قالت السمكة بشغفٍ طفولي استيقظ فجأة: “إذاً.. احكِ لي عن هذا العالم، صف لي اتساعه وكيف تبدو الحياة بعيداً عن ملوحة البحر”.
وبينما كانت السمكة تودع الحياة، انطلقت حصاةٌ من يد بشريٍ مجهول على الشاطئ، أصابت الطائر في مقتل. سقط المفترس جثةً هامدة، وهوت السمكة من بين مخالبه لتستقر مجدداً في حضن البحر.
انطلقت ضحكةٌ خفيضة من أعماق العجوز، ضحكةٌ حملت الكثير من الحقيقة المرة، ثم قال: ” لم يكن هناك طائرٌ من البداية يا صغيرة.
نظرت إلى الطنان بإعجابٍ لم تعهده من قبل، وكأن صوته صار هو الأكسجين الذي تتنفسه بدلاً من الماء.
لم يغادر الطائر ظهرها لأيام، كانا جسداً واحداً يبحر فوق سطح السكون، حتى تسلل حبه إلى أعماقها كسمٍ لذيذ.
في تلك اللحظات، اتخذت السمكة قراراً انتحارياً؛ لقد أرادت الخروج، أرادت أن تتبع ذلك الجناح نحو المدى، فالبحر الذي كان بيتها بالأمس، صار اليوم في عينيها قفصاً ضيقاً، والسماء التي كانت سقف عالمها، باتت هي الحرية المنشودة.
لكن، وبمنطقٍ لا يلين، لم تكن تلك النهاية؛ بل كانت البداية لجنونٍ أطبق على عقلها.
لم يسقط طنانٌ فوق صفحة الماء، ولم تلمس أجنحته ظهر السمكة يوماً.”
وفي إحدى الليالي، غفت السمكة في سكينةٍ غامرة، يملؤها حضور الطائر الذي صار عالمها.
مرت سنواتٌ طوال، والسمكة تخوض هذا الصراع المرير ضد حتمية الطبيعة؛ ففي كل مرة كانت تقفز فيها نحو اليابسة وتواجه الاختناق، لم تكن تعود إلى الماء كما كانت.
نهاية الفصل
اصطدمت السمكة بصلابة الواقع؛ انقطع عنها شريان الحياة، وبدأت تتلوى فوق الرمال الجافة في رقصة موتٍ مريعة.
في تلك اللحظات القاسية، أدركت فداحة ما فعلت؛ إذ لم تجد هواءً يملأ خياشيمها، بل شعرت بذرات التراب تخنق روحها.
وفجأة، انقض من السماء طائرٌ مفترس، لم يَر فيها كائناً حالماً بل مجرد “وليمة” سهلة.
غرس مخالبه في جسدها الواهن وطار بها عالياً فوق البحر.
عادت السمكة إلى الماء، وجددت أنفاسها التي كادت تنقطع، وشعرت بمرارة الخيبة تملأ حلقها.
أغلق العجوز مظلته السوداء ببطء، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ غامضة حملت وقار السنين، ثم أجاب بصوتٍ رخيم:
حاولت مرةً ثانية، وثالثة، وعاشرة.. كانت تقفز للموت لتتعلم كيف تعيش في الهواء، تخوض غمار المحاولة دون كلل، وكأن جسدها بدأ يتمرد على قوانين الطبيعة لكي لا يضيع منها طيف الطنان مرة أخرى.
يقال إنها في لحظةٍ خاطفة، تداخلت فيها الرؤى، استطاعت أن تحلق في كبد السماء بجسدها الجديد، تلاحق طيف الطنان حتى اختفت خلف ضباب المجهول، تاركةً وراءها هذا البحر شاهداً على صراعها.
لقد بدأ جسدها “يتذكر” تفاصيل الألم، وبدأت أنسجتها تتغير ببطءٍ تحت وطأة تلك العزيمة التي ترفض التسليم.
لم يكن الحاجز الطبيعي لينكسر بالأماني، بل انكسر تحت ثقل المحاولات المتكررة؛ إذ فرضت حاجتها للبقاء في عالمين مختلفين تطوراً منطقياً في كيانها.
لكي تطارد طيف الطنان دون أن تفقد حياتها في البحر، كان عليها أن تمتلك وعياً مزدوجاً.
لقد أدركت السمكة أن الوجود في هذا العالم يتطلب “ثنائية الإدراك”؛ فلا مستقبل لمن ينسى منبعه، ولا حياة لمن يخشى التطلع للأفق.
عليقٌ غريبٌ لا عهد له ولا شيء يشبهه، لم يكن نباتاً أخضراً تضج فيه الحياة، بل كان كياناً رخوياً بلون الأسود الفاحم، يتلوى بجسدٍ أملسٍ ذكر السمكة بغلافها القديم.
لم يكن له ساقٌ واحدة، بل انقسم جذعه إلى رأسين متناقضين؛ رأسٌ ممدود نحو الأعلى ويحمل في طرفه أعيناً جاحظةً مثبتةً على مجساتٍ طويلة تترقب الأفق والسماء (الأمام)، ورأسٌ آخر يقبع في الأسفل، يلتصق بالتربة بأعينٍ غائرة تراقب حركات الأرض ونبض الأعماق لئلا تفقد توازنها (الخلف).
هكذا ولد “عليق النظرة” من رحم المستحيل؛ فبينما تحول جسد السمكة إلى هذا الكيان الهجين، انفتح أمامها أخيراً أفق السماء بفضل إدراكها المزدوج.
“ماهو عليق النظرة؟” سألت الفتاة، وقد بدت عيناها تلمعان ببريقٍ غريب، وكأن القصة قد أثر في داخلها شيئاً لم تعهده من قبل.
“وطائر الطنان.. أين ذهب؟” سألت الفتاة، وهي لا تزال تحاول تعقب أثر الأجنحة المفقودة في خيالها.
اتسعت عينا الفتاة بدهشة، لكن العجوز تابع بصوتٍ يملؤه اليقين: “لقد كان مجرد ‘خيال’ خلقته السمكة في لحظة ضجرٍ قاتل من عالمها البارد؛ خيالٌ أوجدته لكي تبدأ صراعها للخروج، لكي تمنح نفسها سبباً لتكسر قيود طبيعتها.
لقد اخترعته ليكون بوصلتها نحو السماء، فالحقائقُ أحياناً تولدُ من أرحامِ الأوهامِ العظيمة.”
Comments for chapter "الفصل 15"
MANGA DISCUSSION