وما هي إلا دقائق معدودة من السير عبر طرقاتٍ مرصوفة بحصىً رمادي مصقول، حتى توقفوا أمام بيتٍ كبيرٍ مهيب، مشيدٍ من خشب الخيزران المنحوت بعناية، ومدعمٍ بأعمدةٍ صخرية نُقش عليها رمز سمكة الكارب وهي تقفز فوق الأمواج؛ كان بناءً يجمع بين الفخامة والتحصين، يوحي بأن من يقطنه يتربع على قمة هرم السلطة في هذه البقعة.
“أخبروني.. لماذا لم يتركوا لنا تفسيراً واحداً لهذا الغموض؟ إنه أمرٌ يتجاوز حدود العقل!” استطرد بلوتون بمرارة، ضارباً الطاولة بقبضته مرة أخرى، بينما ساد صمتٌ ثقيل على رفاقه الذين لم يملكوا جواباً يداوون به جرح طموحهم النازف.
زحف العليق ببطءٍ فوق يد جومانجي، تاركاً خلفه أثراً لزجاً وبارداً، لكن ملمسه كان يوحي بكثافةٍ طاقية مرعبة.
لم يعد ذلك الكيان الذي عرفه؛ فقد تبدل لونه الأسود المخطط بالأبيض إلى سوادٍ فاحمٍ كليل الغابة، مرقطاً بنقاطٍ خضراء فاتحة تتوهج بنبضٍ خافت، تماماً كجلد النمر الذي افترسه من الداخل.
أجابته الفتاة دون أن تلتفت إليه، وبنبرةٍ لا تقبل الجدل: “إن كان يستحق الضرب، سأضربه بنفسي؛ لا داعي لتدخلك.”
كان هذا هو “عليق النمر الوحشي”، الهجين الذي امتص كبرياء وحشٍ من الدرجة الثامنة ليحوله إلى وقودٍ لارتقائه.
بمجرد أن استقر العليق داخل ثنايا كفه، انكمش ثم اختفى عائداً إلى مكانه داخل المزرعة الروحية.
كانت المجموعة تتكون من فتىً بدين، وفتاتين، وصبيين توأمين تتطابق ملامحهما بشكلٍ مذهل.
وفي تلك اللحظة، شعر جومانجي بارتياحٍ داخل كيانه؛ إذ استقرت أركان مزرعته فوراً، وتلاشت الأصوات التي كانت تنبئ باقتراب تدمير المزرعة.
نظر جومانجي هذه المرة إلى تلك الأشجار السوداء القابعة كالأشباح في عتمة الغابة؛ لم يكن قد انتزع منها كل شيء في المرة السابقة، وحان الوقت الآن ليجردها من آخر ما تملك.
ارتدى الخمسة ملابس زرقاء موحدة تحمل شعار “سمكة الكارب العائمة”، مما يشير إلى انتمائهم لجيل المزارعين الروحيين الصاعد في القبيلة.
تسمر جومانجي في مكانه، مدققاً في تلك الملامح ببرودٍ أثار حفيظة الرجل، الذي استشاط غضباً وصاح: “أيها الوقح! كيف تجرؤ على النظر للسيدة بهذه الطريقة؟”
انهمك جومانجي في عملية نهبٍ منظمة لهذه الجواهر الروحية، ولم يمضِ وقت طويل حتى أتم مهمته، فلم يترك وراءه شيئاً يُذكر؛ لقد جرد الأشجار من كنوزها المخبأة داخل تلك الجذوع المتفحمة، محولاً ثمار مغامرته إلى مواردٍ تضمن له الخطوة القادمة.
“حان وقت المغادرة”، تمتم جومانجي بصوتٍ يحمل ثقلاً جديداً، وقبل أن يخطو خطوته الأولى، بدأت ملامح وجهه في التبدل؛ استطالت تقاسيمه، وتوسعت عضلات جسده لتكتسب ضخامةً وقوة، وكأن هيكله العظمي يُعاد صياغته تحت جلده.
في لحظاتٍ معدودة، اضمحلت هيئة الصبي المنهك، وحلّ مكانها رجلٌ في الأربعينيات من عمره، ذو بنيةٍ صلبة ونظراتٍ حادة تخفي وراءها بحراً من الأسرار.
صرخت إحدى الفتيات في وجهه بحدة: “بلوتون! هذا أمر الشيوخ، وعلينا إطاعة الأوامر دون نقاش.”
توقف جومانجي، وأرسل نظرةً فاحصة نحو العمق وهو يتمتم بصوتٍ خافت: “قبيلة سمكة الكارب..”
بدأ يتحرى تلك التغيرات التي طرأت على جسده الجديد، متفحصاً يديه وقوته الكامنة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياحٍ باردة وتمتم: “لقد كانت تلك المخاطرة تستحق العناء حقاً”.
كان لهذا العليق قدرةٌ فريدة على التلاعب بالهيكل المادي للمزارع، مُعيداً صياغة ملامحه وبنيته بشكلٍ يثير الريبة.
تقدم جومانجي خلف الرجل، تاركين خلفهم البوابة الفضية الضخمة التي كانت تعزل الغابة عن حضارة القبيلة.
ورغم تعدد السُبل والوسائل التي قد يسلكها البعض لتغيير هيئتهم، إلا أن هذا الكيان كان السبيل الأكثر كفاءة وغموضاً لتحقيق ذلك، حتى أن القلة القليلة من خبراء الروح الذين أدركوا حقيقته أطلقوا عليه اسماً يُثير الرهبة في النفوس: “عليق الألف وجه”.
كانت الضوضاء منبعثة من طاولةٍ قريبة، حيث يجلس خمسة فتية في مقتبل العمر، يلتهمون طعامهم بشراهةٍ واضحة.
انطلق جومانجي مستأنفاً رحلته نحو وجهته، متوغلاً في أحشاء الغابة الكثيفة بخطواتٍ واثقة.
أومأ جومانجي برأسه ببرودٍ ينم عن ثقة الأطباء العارفين، وقال بصوتٍ هادئ: “حسناً، قُد الطريق.”
يومان كاملان من السير المتواصل تحت وطأة الضباب والأشجار المتشابكة، لم يكن خلالهما جومانجي مجرد مرتحلٍ عابر؛ بل كان يتحرك بآليةٍ دقيقة، فكلما مر بنوعٍ من النباتات، التقطه ببراعة.
كان يقسم صيده إلى نصفين: أحدهما يدسه في كيسه بحرص، والآخر يسحقه بين كفيه ليحيله فتاتاً يمسح به ملابسه، حتى اصطبغت ثيابه ورائحته بعبير تلك الأعشاب الطبية التي جمعها.
فجأة، بدأت الطبيعة القاسية تتراجع مفسحةً الطريق لمنظرٍ مهيب؛ إذ انقشعت الستائر الخضراء لتبرز من خلفها أسوارٌ فضية شاهقة، تلمع تحت ضوء الشفق وكأنها نصلٌ صقيل يقطع أفق الغابة.
رد “بلوتون” بتذمرٍ ومرارة: “أمر الشيوخ؟ وماذا عن مستقبلنا؟ لمَ أيقظنا مزارعنا إذاً إن كنا لن نزرع شيئاً؟”
لم يكن انقشاع موجات الأشجار يعني نهاية الغابة بالضرورة، بل كانت مجرد بقعةٍ شاسعة منبسطة تخلو من الأشجار؛ وكأن الأسوار الحقيقية كانت هي تلك الغابة الكثيفة التي تطوق المكان من بعيد كحارسٍ أبدي.
لقد أخبرونا أن ‘تبادل الخبرات’ سينعقد بعد ستة أشهر.. كيف يتوقعون منا اللحاق بهم ونحن لم نغرس بذرةً واحدة بعد؟”
لماذا يحدث هذا لنا فور استيقاظ مزارعنا الروحية؟”
كانت هذه إحدى القوى الثلاث المهيمنة في هذه المنطقة، جنباً إلى جنب مع قبيلتي “الدب البني” و”إكسبيريا”.
وبخطىً توحي بالوقار الذي تفرضه هيئته الأربعينية الجديدة، تقدم جومانجي نحو البوابة الضخمة، لكنه لم يكد يخطو داخل حدودها حتى استوقفه صوتٌ جهوري جمد حركته، عندما نادى عليه أحد الحراس بلهجةٍ حازمة آمراً إياه بالتوقف.
توقف جومانجي بهدوءٍ محافظاً على ثبات ملامحه الرصينة، والتفت ببطء نحو الحارسين اللذين اقتربا منه بوجوهٍ نحاسية صلبة تنم عن صرامةٍ عسكرية.
رمقه الحارس الأطول قامةً بنظراتٍ حادة مسحته من رأسه إلى أخمص قدميه، متوقفاً طويلاً عند آثار الأعشاب على ثيابه، ثم سأل بصوتٍ جاف: “من أنت؟ وإلى أين وجهتك؟”
استجاب جومانجي بسرعةٍ ونبرةٍ واثقة تليق بهيئته الجديدة: “أنا طبيبٌ متجول كما ترى، أجوب القبائل لتبادل الأدوية الروحية وكسب لقمة العيش..
صمت قليلاً ثم أضاف سائلاً: لماذا؟ هل تمنع قبيلة سمكة الكارب العظيمة دخول الغرباء المجهولين إلى رحابها؟”
“طبيب؟” تساءل الحارس الأقصر قامةً وهو يشتم الهواء، مستشعراً تداخل الروائح العشبية المعقدة التي تفوح من ثياب جومانجي.
ضاقت عيناه قليلاً ثم قال لزميله: “انتظر هنا.. لا تحِد بعينيك عنه للحظة، سأذهب لأرى إن كان مسموحاً له بالدخول أم أن أمره يستدعي فحصاً أدق”.
لم يلبث الحارس طويلاً حتى عاد بخطواتٍ متسارعة، وقد تبدلت نبرته الجافة إلى أخرى تحمل قدراً من التحفظ والترقب، وقال: “تفضل بالدخول، ‘سيدي’ بانتظارك في منزله، فقد أثار وصف حالتك اهتمامه.”
أحضر النادل كأساً من شاي الأعشاب وبعض الطعام البسيط، فبدأ جومانجي يتناوله ببطءٍ وهدوء، محاولاً استعادة قواه المسلوبة.
بالطبع، لم يكن أولئك الفتية يدركون الأبعاد الخفية لما يحدث خلف جدران منازل الشيوخ، لكن جومانجي، القابع في زاوية المطعم كشبحٍ مراقب، كان يمتلك الحقيقة كاملة.
في هذه اللحظة، جاء صوتٌ حاد من خلفه: “أيها العجوز القذر، تنحَّ جانباً! كيف تجرؤ على سد الطريق أمام سيدتنا؟”
ضرب بلوتون الطاولة بيده وصاح: “أسبوعٌ آخر؟ يا للمصيبة! الصبية في قبيلتي ‘الدب البني’ و’إكسبيريا’ يزرعون ويتقدمون الآن، بينما نحن عالقون هنا نأكل فقط.
التفت جومانجي ببطء، ليرى رجلاً في مثل هيئته الأربعينية، يرتسم على وجهه قناعٌ من الصرامة والغطرسة، وبجانبه فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، ترتدي فستاناً من الحرير الأزرق ينساب كتموجات مياهٍ صافية؛ كانت بجمال برعمةٍ تتفتح لتوها، وتفوح منها رائحة أعشابٍ زكية وعطرة، لدرجة أن الروائح التي تعمد جومانجي صبغ ملابسه بها بدت باهتةً تماماً في حضرتها.
هَمَّ الرجل بالاندفاع نحو جومانجي، لكن الفتاة قاطعته بصوتٍ هادئ وحازم: “يكفي هذا! جئنا إلى هنا من أجل مرض الشيخ، وليس من أجل العراك.”
تجمد الرجل في مكانه قبل أن يتراجع خلفها، مرغماً على رسم ابتسامة اعتذارٍ باهتة: “المعذرة يا سيدتي، لكن هذا الوغد المنحرف كان يستحق ضرباً تأديبياً.”
التفت جومانجي مرة أخرى نحو المنزل، مُعرضاً عنهما بالكامل في حركةٍ باردة لم تخلُ من ازدراءٍ مبطن، بينما كانت نظرات الرجل المرافق تلاحقه بحقدٍ دفين، وكأنها نِصالٌ تحاول اختراق ظهره.
أمام الباب، كانت هناك امرأةٌ في الثلاثينيات من عمرها تقف بهيبةٍ وتحفظ؛ وما إن وقع بصرها على الفتاة ذات الرداء الحريري، حتى أضاء وجهها بابتسامةٍ دبلوماسية دافئة، وبسطت يديها ترحيباً وهي تقول: “سيدتي، تفضلي بالدخول.. إن شيخنا ينتظر مقدمكِ بفارغ الصبر.”
ثم التفتت نحو جومانجي بنظرةٍ محايدة خالية من الحفاوة، وأردفت بلهجةٍ فاترة: “أما أنت أيها السيد، فيطلب منك ‘سيدي’ أن ترتاح الآن في مكان ضيافتك.. وحين يحين وقت الحاجة إليك، سنرسل في طلبك.”
أومأ جومانجي برأسه في صمتٍ، دون أن يبدي أي اعتراض أو ضيق، ثم استدار مغادراً تلك البقعة بخطواتٍ ثابتة.
لم تكن الصدفة هي ما قادته إلى قبيلة سمكة الكارب في هذا التوقيت الحرج بالذات، بل كانت معرفته العميقة بأن القبيلة تمر بمرحلة مخاضٍ عسير، وأن توقف الموارد لم يكن إلا عارضاً لشيء أعمق يحدث في الخفاء.
اندمج سريعاً في زحام الطرقات، وبدأ يتجول في أرجاء القبيلة التي كانت تعج بالحياة والحركة، وعيناه لا تتوقفان عن مسح المكان حتى توقف أمام مطعم ودخله فوراً.
وبعد أن انتهى، اتكأ إلى الخلف وأغمض عينيه قليلاً، لتبدأ الأصوات المحيطة في التسلل إلى مسامعه بوضوحٍ أكبر وسط ضجيج المطعم.
فجأة، أسقط الفتى البدين رأسه على الطاولة بقوةٍ أحدثت جلبة، وتمتم بنبرةٍ غارقة في اليأس: “يا للخَيْبة! هذا هو الأسبوع الثاني على التوالي ونحن لا نحصل على موارد الزراعة..
Comments for chapter "الفصل 26"
MANGA DISCUSSION