كانت الأنفاس تتقطع والقلوب تخفق مع كل خطوة في هذا المكان الغامض.
انشغل الجميع في أرجاء الشرخ بالبحث المحموم عن الموارد الزراعية، أو الحيوانات الروحية، أو أي كنزٍ روحي قد يعبد لهم طريق الارتقاء.
لم يكن هذان الغريبان سوى الشابين الموفدين من “عشيرة القلاق”، اللذين رافقا السفيرة في رحلتها الأخيرة إلى القبيلة.
“يوري.. استعد!” تمتمت يوناي وهي تتخذ وضعية القتال، وعيناها تترقبان الهجوم الوشيك.
في إحدى الزوايا المظلمة من الشرخ، التقى بلوتون برفاقه الثلاثة؛ التوأمان والفتاة، وكان يرافقهم أربعة أشخاص من قبيلة “الدب البني”، لتشكّل المجموعة فرقةً مؤلفة من ثمانية أفراد أنهكها القتال.
كان جسده يصرخ من الإعياء، وكأن روحه قد استُنزفت حتى الرمق الأخير.
كان المشهد يثير الشفقة؛ فقد سقط الجميع أرضاً يلهثون بعنف، وأجسادهم تترنح من فرط الإعياء، بينما جثتا حشرتين روحيتين ممددتان أمامهم كدليلٍ على معركةٍ طاحنة خاضوها للتو.
وفي الحقيقة، لم يتأثر جومانجي قط، إذ كان قد أغلق حاسة سمعه وحصّن مدارات طاقته الروحية داخل رأسه منذ اللحظة الأولى، لعلمه اليقين أن سلاح الخفاش الأقوى يعتمد على زعزعة استقرار الطاقة داخل عقل الخصم.
وسط هذا الضجيج المكتوم للأنفاس المتسارعة، مدّ بلوتون يده بسرعةٍ خاطفة والتقط أحد الجواهر الروحية مخفياً إياه بعيداً عن الأعين، وفي الوقت ذاته، سارع أحد أفراد قبيلة “الدب البني” لانتزاع الجوهر الآخر وإخفائه بحذر، وكأن الغنيمة كانت هي الخيط الوحيد الذي يربطهم بالحياة في هذا القفر الموحش.
لم يطل بحثه، فقد صدق حدسه حين اصطدمت نظرته بخفاشٍ ضخم، معلقٍ بسكونٍ جنائزي على غصن شجرةٍ قريبة، يرقبه بعيونٍ متقدة وكأنه يحصي عليه أنفاسه قبل الانقضاض.
على مسافةٍ ليست ببعيدة، وفي زاويةٍ مغايرة من الشرخ، توقف جومانجي فجأة أمام مشهدٍ خرق المألوف؛ نبتةٌ غريبة الأطوار لا تنمو من تربة الأرض، بل تبرز بتمردٍ من جوف صخرةٍ صلدة.
في تلك اللحظة، أفلتت مخالب الخفاش الغصن الذي كانت تتشبث به بجثومٍ جنائزي، وهوى في الهواء باسطاً جناحيه كظلال الموت.
ثبّت جومانجي بصره عليها ملياً، مراقباً ذاك السائل الأرجواني اللزج الذي كان ينبثق من أورِدتها وينساب ببطءٍ على سطح الصخرة كنزيفٍ روحي.
تغيرت ملامح الخفاش في رمشة عين؛ أحسّ بالخطر يداهم كيانه وحاول الالتفاف للهرب، لكن الأوان قد فات.
تمتم في سره بنبرةٍ غلب عليها الحذر والتقدير: “نبتةٌ روحية من الرتبة الثامنة.. نبتة الخفاش الصخري.”
كانت أوراق النبتة بتفاصيلها العجيبة تحاكي هيئة خفاشٍ باسطٍ جناحيه في سكونٍ مريب.
تحيّن الخفاش هذه الفرصة الذهبية، واندفع كالسهم الأسود بسرعةٍ مضاعفة نحو جومانجي الذي بدا فاقداً لتوازنه.
وفجأة، تبدلت ملامح جومانجي إلى الجدية المطلقة، فوجود نبتةٍ بهذا الثراء الروحي لا يمكن أن يمر دون حراسة.
وفي خضم تفكيره، ومع اقتراب المخالب من عنق جومانجي، شق الهواء ثلاث ريشاتٍ معدنية تلمع ببريقٍ ساطع، مندفعةً كالسياط نحو الوحش الروحي.
أخذ يمسح المحيط بعينين صقريتين، يلتفت يميناً ويساراً باحثاً عن التهديد الكامن في الظلال.
كان الخفاش يثبّت نظراته الثاقبة على جومانجي، وكأنه يزن خطورة هذا الدخيل، قبل أن يحيد ببصره فجأة مستشعراً وقع أقدامٍ تقترب بتمهّل.
استشعرت يوناي التبدل المفاجئ في صوت رفيقها، فحرّكت بصرها نحو النقطة التي يتجمد عندها نظره، وما إن رفعت حاجبها مستطلعةً الأمر، حتى شقّ سكون المكان صريرٌ معدنيٌ حاد انبعث من حنجرة الخفاش؛ كان صوتاً يحمل وعيداً صريحاً، وكأنه يعلن بلسان حاله: “لقد تجرأتم على انتهاك حماي.. هذه ممتلكاتي، والويل لمن يقترب!”
من بين الأشجار، برز قادمان يخطوان بوقارٍ لا يخلو من الحذر؛ فتاةٌ تتدثر برداءٍ من الحرير الأزرق الصافي الذي يعكس ضياء الشرخ الخافت، وبجانبها فتى يرتدي حلةً مماثلة في الطراز واللون.
لم يصدقا أن هذا الفتى، الذي يبدو أصغر منهما سناً بملامحه الغضة، قد اختزل المعركة في لحظة خاطفة، حتى أنهما لم يدركا كيف فعل ذلك، محولاً المفترس الروحي إلى جثة هامدة ببرودٍ لا يصدر إلا عن محاربٍ خاض مئات المعارك.
وقعت عينا الفتاة على جومانجي، فاعتراها ذهولٌ مباغت؛ حيث بدت عيناها وكأنهما غارقتان في سباتٍ عميق وهي تحدق نحوه.
أما رفيقها، فقد ألقى نظرةً عابرة وسريعة على جومانجي، قبل أن يشخص ببصره نحو الأعلى ليتفقد غصن الشجرة؛ وفي لمح البصر، تبدلت تعابير وجهه من الهدوء إلى حذرٍ مطبق، بعد أن أدرك طبيعة الخطر المتربص فوق رؤوسهم.
لم يحاول جومانجي اقتلاعها فوراً، بل مدّ كفه نحو الصخرة المحيطة بها، مغلقاً عينيه ومحاولاً بتركيزٍ عالٍ سحب النبتة بكامل محيطها الصخري إلى داخل “مزرعته الروحية”.
غير أن المفاجأة لجمت حواسها؛ فالخفاش لم يكن يستهدفها هي أو رفيقها، بل اندفع بزخمٍ مرعب مصوباً غضبته نحو جومانجي مباشرة.
بسرعةٍ غريزية، أخرج جومانجي “نواةً نحاسية” من طيات ردائه وفجرها بين كفيه، مغمضاً عينيه وهو يسحب طاقتها الخام إلى داخله بجهدٍ جهيد.
رفع جومانجي حاجبه في دهشةٍ باردة، وهمس في خلده بنبرةٍ خالية من الهلع: “إذن.. الهدف هو أنا؟”
استجمع شتات تركيزه وحرر قواه الكامنة، بينما أضاف في سره بعينين تلمعان بالتحدي: “لنرَ ما يمكن لخفاشٍ روحي من الرتبة التاسعة أن يفعله، أو بالأحرى.. ما الذي يمكنني أنا فعله ضد وحشٍ من هذه المرتبة.
لكن، كيف يقاتل خفاشٌ من هذا الطراز الروحي؟
سابقاً كانت تلك الحشرات ضعيفة جداً، لأن قوتها تكمن في العدد، أما هذا الخفاش… حسناً، حسناً، لنرَ…”
التفت جومانجي نحوهما ببرود، لكن قبل أن ينطق ببنت شفة، خانته قواه فجأة؛ سقط على ركبتيه بارتطامٍ مسموع، بينما بدأت أطرافه ترتعد بعنفٍ كأنما يمر بها تيارٌ كهربائي.
في تلك اللحظة، برزت أنياب الخفاش الطويلة كأنها نصالٌ مسمومة، وانقضّ من علوٍ بزخمٍ مرعب، مخترقاً الهواء كالسهم الأسود نحو جومانجي.
لم تُعر الفتاة تساؤله أدنى اهتمام، بل اكتفت بتثبيت نظراتها نحو جومانجي؛ حتى الخفاش الثائر لم تلقِه بالاً في تلك اللحظة، وكأن شيئاً غريباً قد تغلغل إلى أعماق قلبها الفتيّ وجعل العالم بأسره يتلاشى من حولها.
امتلك جومانجي مخزوناً من ذكريات ألف عامٍ وأكثر، فكيف له ألا يدرك أسلوب قتال مثل هذا الكائن؟
تراجع للخلف بخفةٍ وانسيابية، تاركاً الخفاش يشق الفراغ الذي كان يشغله قبل لحظات.
ومع رؤية هذا التملص، ناور الوحش في الهواء ببراعةٍ مذهلة ليلحق بخصمه؛ وفجأة، برزت من أطراف أجنحته مخالبٌ تشبه المناجل، لامعةً كالفولاذ البارد، وانقضت نحوه بسرعةٍ جنونية.
انحدرت حبة عرقٍ وحيدة على جبين جومانجي؛ أنا أدرك يقيناً أني لا أملك ترف صد هذه النصال بيدي العاريتين، وإلا لتمزق لحمي في رمشة عين.
فكر في نفسه بتركيزٍ حاد: “ماذا أفعل؟.. سأكتفي بالمراوغة والتهرب الآن، ريثما يستنفد طاقته ويفقد صوابه.”
في هذه الأثناء، تقدم يوري من جومانجي والشرر يتطاير من عينيه، وتمتم بنبرةٍ غلب عليها التعالي وهو يمد يده نحوه: “يبدو أنك تعاني صمماً حقيقياً أيها الزميل الروحي.. ألم أقل لك اترك الجوهر؟”
استشعر الخفاش تذبذب الهواء المفاجئ خلفه، فحلق للأعلى بجناحيه مغيراً مساره ببراعة ليتجنب تلك المقذوفات القاتلة.
أدار جومانجي رأسه نحو مصدر المساعدة، فوقعت أنظاره على الفتاة “يوناي”؛ كانت تقف ثابتةً وقد مدت يدها أمامها في وضعية هجومية، بينما كانت أنفاسها متلاحقة وقلبها يدق بقوةٍ وعنف، لدرجة أن يوري الواقف بجانبها استطاع سماع تلك الدقات المتسارعة التي فضحت حجم الاضطراب داخل قلبها.
فسأل يوري باستغرابٍ وقلق: “يوناي! ما الذي تفعلينه؟ ولماذا تتدخلين لأجله؟”
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى انتزع جومانجي “جوهر الروح” من قلب الخفاش؛ لم تكن هيئته غريبةً عليه، فقد كان يماثل في جوهره تلك الحشرات التي واجهها سابقاً، وهو أمرٌ معهود لدى كافة الوحوش الروحية من الرتبة التاسعة التي تشترك في تكوينٍ جوهريٍ متقارب.
نهاية الفصل
استشاط الخفاش غضباً من هذا التدخل، فرمق الصبية بنظرةٍ شزراء وزمجر بقوة، مطلقاً من جوفه صيحةً مدوية وموجةً صوتيةً حادة جعلت يوري ويوناي يترنحان وهما يشدان على رأسيهما من شدة الألم.
تملّكهما ذهولٌ شلّ حواسهما لبرهة؛ فقبل ثوانٍ معدودة، كان الخفاش سيد السماء في هذا الركن، يفرض سطوته بجناحيه المحلقين وصيحاته المرعبة، لكنه الآن تحول إلى كومة من اللحم الهامد تحت أقدام هذا الصبي.
وحتى جومانجي، بدا وكأنه لم يسلم من هذا الهجوم، إذ رفع يده نحو رأسه بملامح مشوشة.
ومع اقتراب الوحش من تمزيق فريسته، انفرجت أسارير جومانجي عن ابتسامةٍ هادئة وباردة، وتحركت أطرافه بمرونةٍ مفاجئة وهو يجمع قبضته بقوةٍ كاسرة.
كانت لكمة جومانجي، التي تزن طناً من الطاقة الصافية، قد شقت طريقها نحو رأسه.
وبدويٍّ هائل، تناثرت الدماء في الهواء وتهشم رأس الخفاش تماماً حتى برزت أنسجة دماغه، وسقطت الجثة هامدةً في لمح البصر.
نظر جومانجي إلى الجثة الملقاة تحت قدميه ببرود وتمتم: “كنتُ أنتظرك لتطلق تلك الموجة الصوتية، لكنك لم تتأخر كثيراً بسبب تدخل هذه الفتاة.”
تنهد جومانجي بإحباطٍ طفيف، ثم مدّ يده ونزع النبتة من فوق الصخرة بحذر، وتمتم في سره: “الأمر في هذا المكان معقدٌ… يبدو أن نقل الموارد الحية إلى المزرعة يتطلب شيئاً ما؛ عليّ إيجاده في المستقبل إذا أردتُ سحب ما أريد من هذا العالم.”
كان جومانجي يدرك تماماً كيفية ترويض هذا الوحش؛ لقد تعمد إظهار الضعف ليجعل الخفاش يرخي دفاعاته ظناً منه أن الموجة الصوتية قد فعلت فعلتها.
لكنه سرعان ما شعر بغصةٍ من الإحباط؛ فلم يتبقَّ في جعبته سوى عشر أنويةٍ فقط.
ومع تدفق الطاقة في عروقه، سكنت رعشة أطرافه تدريجياً واستعاد توازنه المهزوز، ثم انتصب واقفاً وهو يتنفس الصعداء، وهمس في نفسه بمرارة: “إن استخدام ‘جنين المزرعة’ يستهلك الطاقة بشكلٍ مرعب.. إنه ينهك الجسد والروح حقاً.”
مع سقوط الخفاش جثةً هامدة، خيّم سكونٌ مريبٌ على المكان، وبقي يوري ويوناي في حالةٍ من الذهول المطبق، شاخصين بأبصارهما نحو جومانجي الذي لم يمنحهما أدنى اهتمام، بل انكبّ ببرودٍ يفتش في أحشاء الوحش الصريع.
في تلك اللحظة، استجمع يوري شتات نفسه وتقدم خطوةً وهو يهتف بنبرةٍ آمرة مغلفةٍ بالرسمية: “أيها الزميل الروحي.. اترك ذلك الجوهر مكانه من فضلك، فنحن من عشيرة القلاق ولنا حقٌ في هذا الصيد.”
رمقه جومانجي بنظرةٍ خاطفة وجافة، لكنه لم يعبأ بكلماته أو تهديده المبطن، بل استدار ببرودٍ نحو “نبتة الخفاش الصخري” التي كانت تشق الصخر بتمرد.
بذل جومانجي مجهوداً مضاعفاً، لكنه سرعان ما أدرك أن قوانين هذا المكان تفرض قيوداً خانقة؛ فالمجال الروحي هنا كان يقاوم عملية النقل بعنادٍ شديد.
“ألا تسمع؟ أيها الزميل الروحي.. أنا أتحدث معك!” صرخ يوري بنبرةٍ احتدت من تجاهل جومانجي الصارخ لوجودهما.
استخرج جومانجي المزيد من الأنوية النحاسية، واحدةً تلو الأخرى، محاولاً استعادة عافيته بالكامل وترميم ما استنزفه “جنين المزرعة”.
نهاية الفصل
فرغم قصر المدة التي قضاها في هذا الشرخ، إلا أن مواجهته الضارية مع أسراب الحشرات سابقاً قد أتت على معظم مدخراته الروحية.
لكن، قبل أن تصل يد يوري إلى مبتغاها، تحرك جومانجي بلمحة بصرٍ لا تدركها العين؛ وبحركةٍ خاطفة وشرسة، أطبق قبضته على عنق يوري، رافعاً إياه قليلاً عن الأرض.
برزت نظرةٌ وحشية في عيني جومانجي وهو يهمس بصوتٍ يقطر تهديداً: “أفرغ كامل مدخراتك من الأنوية الروحية فوراً.. وإلا جعلتُ جثتك الهامدة تؤنس وحدة هذا الخفاش.”
Comments for chapter "الفصل 44"
MANGA DISCUSSION