“يا له من طمّاعٍ لا يشبع!” همس أحد الصبية في نفسه بمرارة.
بخلاف صرخات الألم المريرة التي كان يطلقها الشاب الجريح، ساد صمتٌ جنائزي مطبق في أرجاء الكهف.
نهاية الفصل
قطع الشاب الأكبر حبل أفكارهم قائلاً بصرامة: “لا يهم أصله الآن، فالتفكير لن يعيد الأنوية.
إذ لم يجرؤ أحدٌ من “الإخوة الكبار” على التقدم خطوة واحدة، بل تراجعوا غريزياً وهم يراقبون جومانجي بنظراتٍ اختلط فيها الذهول بالرعب الخالص.
وما إن تقدم خطواتٍ قليلة حتى تجلت أمامه بركةٌ متلألئة تشع بياضاً ناصعاً، وكأنها قطعةٌ من القمر سقطت في جوف الأرض.
وكأنهم لا ينظرون إلى صبيٍ يافع، بل إلى كيانٍ غاشم ارتدى هيئة البشر ليمزق كل ما يقف في طريقه.
لمس جومانجي نظرات الرعب الساكنة في عيون الجميع، فكسر الصمت بنبرةٍ باردة متسائلاً: “هل لدى أحدٍ منكم ما يضيفه؟”
تقدم جومانجي نحوها بحذر، مدركاً أن لحظة الحصول على مبتغاه قد حانت.
كان الذهول سيد الموقف، فلم تستطع الألسن النطق بكلمة واحدة أمام هول المفاجأة.
بعد مسيرة نصف يومٍ في عتمة السراديب، انبثق أمام ناظريه ضوءٌ خافت ينساب بنعومة.
ورغم تمزق أحشائه والألم المستعر الذي يكاد يفتك بوعيه، إلا أن بريقاً من النصر لمع في عينيه الغائرتين؛ فقد استقر “كبد الحياة” في جوفه، وبدأت ميزته العلاجية تسري في ممراته الروحية كتيارٍ باردٍ يضمد جراحه المستعصية.
ولم يجد الشباب الأربعة الآخرون بداً من إلقاء نظراتٍ متوجسة في جميع الاتجاهات، باحثين في عتمة الكهف عن ذلك “الحامي” المجهول.
أغمض عينيه نصف إغماضة، وتمتم بصوتٍ متهدج بالكاد يُبين: “سأبقى هنا.. سأنتظر قليلاً حتى أستعيد ما يكفي من عافيتي، لكن قبل ذلك…
ففي تقديرهم، إذا كان صبيٌ في مثل هذا العمر يمتلك هذه القوة الغاشمة، فما بالك بمن يشرف على حراسته في الخفاء؟
أما الصبية الصغار، فقد تصبب العرق من جباههم وتجمدت الدماء في عروقهم من شدة المشهد؛ وأدركوا في تلك اللحظة، بيقينٍ مرعب، أنهم نجوا من قبل من موتٍ محقق، وأن تعامل جومانجي السابق معهم لم يكن سوى رحمةٍ لم يدركوا قيمتها إلا الآن.
لم يهدأ له بال إلا بعد أن أحكم قبضته عليه وأخفاه في أعماق مزرعته الروحية.
في تلك اللحظة، انبرى شابٌ آخر من “الإخوة الكبار” متحدثاً بصوتٍ يحاول الحفاظ على رصانته: “اتفاقنا كان واضحاً، ونحن في عشيرة القلاق لا ننكث العهود. سنرحل الآن كما تم الاتفاق عليه.”
عقّب جومانجي بجمود، وعيناه لا تزيغان عن خصمه الجريح: “والأنوية الروحية.. أظنها مشمولة بالاتفاق أيضاً، أليس كذلك؟”
اقترب منها ببطء، وعيناه ترصدان انعكاس الضياء على صفحتها الساكنة؛ كان المشهد ساحراً حقاً، لكنه كان يدرك أن هذه البركة ليست مجرد تجمعٍ للمياه العادية.
بينما كان جومانجي يتأمل ملامح الشاب الذي لا يزال صراخه يملأ المكان، والذي رمقه بنظرة حقدٍ دفينة تكاد تحرق الجدران.
أخفى جومانجي الأنوية الروحية في مكمنه، ثم همّ بالمغادرة بخطواتٍ ثابتة، وقبل أن يبتعد كفاية، استدار إليهم استدارةً أخيرة وقال بنبرةٍ حملت ثقلاً غامضاً: “من الأفضل ألا تتجرؤوا على ارتكاب أي حماقة في محيطي مستقبلاً.”
في تلك اللحظة، تلاشت البركة التي غاص فيها جومانجي وكأنها سراب، ليجد نفسه واقفاً فوق أرضٍ صلبة جافة؛ فلا أثر للماء أو للصدفة، فالعليق بات الآن جزءاً منه، مستقراً في حصن مزرعته الروحية.
لم يلقِ جومانجي بالاً لتلك النظرات، بل مدّ يده بثباتٍ وقال: “أنويتي الروحية كما اتفقنا؛ تذكّر أنك أقسمت بجنين مزرعتك، والنكث هنا يعني نهايتك كمزارع.”
كان يعرف غايته بدقة ولم يحتج إلى البحث طويلاً، فسرعان ما تجلت أمام ناظريه صدفةٌ صغيرة مستقرة في قعر البركة، تبدو وكأنها جوهرةٌ فريدة مخبأة عن أعين العالم.
رغم شدة الألم الذي يعتصره، لوّح الشاب المصاب بيده الأخرى المتبقية، لتنهمر الأنوية الروحية من “مزرعته” وتتساقط فوق الأرض ببريقٍ نحاسي.
ارائكم حول الفصل
في تلك اللحظة، خُيّل للصبي أن عظام يده تتحطم لمجرد رؤية قبضة جومانجي؛ إذ استعاد في ذهنه مشهد الشاب الضخم الذي سقط قبل قليل.
تأمل جومانجي في هذا العدد الوفير، وارتسمت على وجهه ابتسامة رضا خفيفة، ثم التفت نحو أحد الصبية الواقفين في زاوية الكهف وأشار إليه بسبابته: “أنت هناك.. اجمع هذه الأنوية وأحضرها إليّ.”
علينا إكمال ما جئنا من أجله واستغلال ما تبقى من وقت قبل أن يتدخل الشيوخ لتطهير المكان وإغلاق هذا ‘الشرخ’ نهائياً.”
“أنت…” صرّ الصبي على أسنانه وهو يرتجف غيظاً، ودار في خلده سؤالٌ مرير: “هل يظنني خادماً لديه؟”
لكن جومانجي لم يمنحه وقتاً للاعتراض، بل رمقه بنظرةٍ خاطفة ثم حدق في قبضته ببرودٍ مريب وقال: “ماذا؟ ألا تود فعل ذلك؟”
سقط جومانجي على الأرض كجثةٍ هامدة، وصدره يعلو ويهبط في لهاثٍ محموم، بينما كانت دماؤه القانية تغمر المكان من حوله.
لقد تذكر أن عبقري قبيلة “سمكة الكارب” لم يحصل عليها بفضل جودة مزرعته أو براعته، بل لأن العليق هو من اختاره لسببٍ غريب؛ لقد اشتمّت فيه رائحةً تعشقها أكثر من أي شيء آخر، رائحة “بلوتون” التي كانت تفوح من جسده، ولم يكن ذلك العبقري سوى جسرٍ يعبر من خلاله لغايته.
فاندفع بجسده دون وعي، منحنياً على الأرض ليجمع الأنوية الروحية دفعة واحدة.
تجاهل الشاب الأكبر شكواه وسأل بتركيز: “قلتم إن اسمه ‘جومانجي استار’، أليس كذلك؟”
تقدّم نحو جومانجي بخطواتٍ متعثرة وقدّمها له، فما كان من جومانجي إلا أن ربت على رأسه بخفة وتمتم: “صبيٌ جيد.”
“لكن لا تقلقوا بشأن هذا الصبي..” قال الشاب الأكبر بنبرةٍ حملت وعيداً مكتوماً، ثم التفت إلى أحد الصغار وأمره: “اخرج فوراً وأخبر الشيخة ‘ماي إيجين’ بكل ما وقع هنا؛ هي من ستعرف كيف تتعامل مع هذا الغريب.”
وقعت هاتان الكلمتان على قلب الصبي كجبالٍ أثقل وإهانة، لكنه لم يجد بداً من الصمت، فتراجع إلى الخلف بخزيٍ وانكسار.
تمتم جومانجي بصوتٍ واهن وقد غلبه الإعياء: “أعرف تماماً ما تشتهين.. سأنزف الكثير، لكن الثمن يستحق.”
كانت كلمات جومانجي نابعةً مما رآه في طيات المستقبل، محذراً إياهم من مصيرٍ أسود قد يجنونه؛ لكن هؤلاء المزارعين، الذين لا علم لهم برؤاه، لم يفهموا مغزى كلامه، وظنوا أن قوله ليس سوى تهديدٍ صريحٍ من منتصرٍ متغطرس يفرض سطوته عليهم.
بمجرد أن توارى جومانجي عن الأنظار، انقشع ذلك الضغط الرهيب الذي كان يثقل أنفاس الحاضرين، وكأن صخرةً جاثمة قد أزيحت عن صدورهم.
“من أين ظهر هذا الصبي؟” تمتمت الفتاة وهي تحدق في الفراغ الذي خلفه رحيله، وعيناها لا تزالان تعكسان بقايا الصدمة.
ثم التفتت نحو الشاب بجانبها وسألته: “ما رأيك أنت فيما جرى؟”
رد الشاب بنبرةٍ شاردة: “لا يمكنني الجزم بشيء.. لم أره قط في أي مكان. يبدو هادئاً بشكلٍ مريب، وغامضاً إلى حدٍ لا يطاق.”
في تلك الأثناء، ارتفع صوت أحد الصبية بنبرةٍ حملت مزيجاً من القهر والرغبة في الانتقام: “هل سنتركه يمضي هكذا ببساطة أيها الإخوة الكبار؟ لقد سلبنا كل شيء!”
لم يتردد جومانجي ولو للحظة؛ فبينما كان المخلوق غارقاً في نوبة أكله الشرهة، انقض عليه بسرعة خاطفة، محكماً قبضته عليه قبل أن يدرك العليق فخّه.
نهاية الفصل
“نعم، هذا هو اسمه،” أومأ الصبي بتأكيد.
أخذ الشباب الأربعة يقلبون الاسم في أذهانهم؛ “استار”.. أي قبيلة أو عشيرة عريقة تحمل هذا اللقب؟
بحثوا في ذاكرتهم عن أنساب المزارعين وعائلات النخبة، لكنهم لم يجدوا أثراً لهذا اللقب في سجلات القوى المعروفة، وكأن الفتى نبت من الأرض فجأة.
انقض العليق على قطعة الكبد بشراهة مذهلة، وبدأ يلتهمها وكأنه لم يذق طعماً منذ دهور.
وبحركةٍ مفاجئة ومروعة، قام جومانجي بفعلٍ لا يجرؤ عليه سوى يائس أو مجنون؛ لقد اخترق بطنه بيده بقوةٍ هائلة، لينفجر الدم من فمه بغزارة، وتتبدل ملامح وجهه وهو يقاسي ألماً يفوق الوصف.
ما إن ظهرت تلك القطعة حتى اهتزت الصدفة بعنفٍ بجانبه، وكأنها استجابت لنداءٍ لا يُقاوم.
في هذه الأثناء، كان جومانجي قد توغل في دهاليز الكهف العميقة، ولم يعد أولئك المزارعون يشغلون حيزاً من تفكيره؛ فجلّ تركيزه كان منصباً على “العليق” الذي يكمن في قلب هذا المكان.
تمتم جومانجي وهو يمعن النظر في أعماقها: “لقد وصلتُ أخيراً.. لن أدع ‘عليقاً’ نادراً مثلك يفلت من بين يدي.”
دلف جومانجي إلى المياه ببطء، ثم فجأة غاص نحو الأعماق بخفةٍ مذهلة.
لكن الاستيلاء على هذا “العليق” لم يكن بالأمر الهين؛ فبينما كان جومانجي يقف بجانب تلك الصدفة الغامضة، استرجع شريط الأحداث التي ستحدث في المستقبل المسروق.
هذا “العليق”، المعروف باسم “كبد الحياة” من الرتبة الثامنة، يمتلك ميزتين مذهلتين.
وبصبرٍ حديدي، أخرج يده من جوفه وبين أصابعه قطعةٌ رمادية مائلة للسواد.. لقد كانت قطعةً من كبده الحي!
الأولى هي قدرته الفريدة على تنقية الأنوية الروحية من الرتبة النحاسية إلى الفضية، بمعدل نواتين كل أسبوع.
أما الميزة الثانية، فهي قدرته الإعجازية على شفاء الإصابات والعلل بالغة الخطورة.
وفجأة، تناهى إلى مسامع جومانجي صوتٌ غامض يتردد في أرجاء وعيه، نبرةٌ تحمل صدىً هادئ وكأنها منبعثة من أعماق البركة ذاتها: “يمكنك أخذها.. لكن عليك دفع ثمنها.”
بدأ شكله يتغير؛ لقد تحول جسمه إلى طبيب الأربعيني مرة أخرى.”
Comments for chapter "الفصل 49"
MANGA DISCUSSION