المرحلة الثانية من المرتبة الأولى
مر يومان من العمل الشاق المتواصل دون انقطاع، استنزف فيهما جومانجي كل طاقته البدنية والروحية.
اقترب بخطوات ثابتة من بئر الروح، وأردف: “حسناً، هيا لنقم بهذا الآن.”
أحاطت بجومانجي كنوزٌ روحية لا تُقدر بثمن.
تصدرتها “نحلة العسل الأسود” الرابضة فوق تلك التربة الحمراء الغريبة.
مما يجعل ضرباته كفيلة بسحق أعتى الخصوم.
كانت الطاقة الروحية في المكان تبدو ضئيلة، وكأنها تترقب العاصفة القادمة.
لقد شعر بخفةٍ غريبة تسري في أركان مزرعته، وكأن الثقل الذي كان يجثم على صدره قد انزاح تماماً مع هذا الارتقاء.
“أمامي شهران من العزلة في هذا المكان المقفر..”
ومع وصوله للدرجة الثانية من الرتبة الأولى، كانت ثمار التطوير ستظهر جلياً.
“شهران عليّ فيهما خوض سباق مع الزمن لرفع مرتبتي وتطوير جودة مزرعتي الروحية إلى آفاق جديدة.”
كان لـ “عليق غسق الليل” من الرتبة السابعة سحرٌ خاص وأهمية قصوى.
صمت لبرهة قبل أن يضيف:
فمن أراد بلوغ الذروة، فعليه دفع أثمانٍ باهظة، إذ لا مكان للصُدف أو التسهيلات في هذا العالم.
بينما المزارع متوسطة الجودة قفز إنتاجها من اثنتين إلى أربع، والممتازة من ثلاث إلى ست.
فقدرته لا تتوقف عند رفع جودة المزرعة الروحية بمرحلة واحدة فحسب.
“كل كائن حي أطلقه في أرجاء مزرعتي، يبعث طاقةً روحية فريدة تتغذى عليها ‘البذرة السوداء’ داخل البئر الروحي.”
بل تمتد لتضاعف عدد الأنوية الروحية لدى المزارع.
كان كلما نال منه التعب، عمد إلى تفتيت ما تبقى من أنويته النحاسية لتجديد نشاطه والعودة للكفاح.
والأدهى من ذلك، هي تلك القدرة الهجومية المرعبة التي يمنحها:
ولم تُسعفه بصيرته في اختراق حجب الغد، وكأن القدر يرفض منحه إجابةً مجانية قبل أن يخوض المعركة بنفسه بعد.
التحكم في ثقل الجسم وزيادة وزن المستخدم بشكلٍ مفاجئ وصاعق.
وفي قلب سديمها الأبيض استقرت بذرة سوداء لها ورقتان تشعان ببريق أخاذ.
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى عجز البئر عن احتواء تلك الطاقة التي كانت تغلي كمرجل بركاني ثائر.
وما هي إلا لحظات حتى انفجر البئر بقوة زلزالية هزت أركان المزرعة الروحية بالكامل.
رفع جومانجي جواهر العليق الثلاثة بين كفيه، ملمسها بارد ونبضها الروحي خافت.
حدق في النحلة الضخمة بعينين يملؤهما الإصرار والوعي بالخطر.
ألقى نظرةً أخيرة على ما تبقى من أنويته، وتنهد قائلاً في نفسه:
تمتم بمرارة: “لدي ثلاث جواهر من العليق.. لكنني لا أملك ثلاث نحلات.”
لو علم تسرّب خبر هذا التطور السريع إلى شيوخ قبيلة اكسبيريا، لما صدّقه عقل.
أدرك في تلك اللحظة أن محاولة تطوير الجواهر الثلاث باستخدام مصدر واحد هي مقامرة تقف على حد السكين.
“حتى هذه الكمية التي استهلكتها تُعد ثروةً طائلة لقبيلة من الدرجة الثالثة، لكنها مخاطرة كانت تستحق العمل من أجلها.”
الوقود الحقيقي لنمو البذرة المركزية مستقبلاً لن يعتمد على الأنوية الروحية.
فنسبة الفشل قد تعصف بجوهر قوته بالكامل.
راقب جومانجي المشهد بعينين ثاقبتين وهدوءٍ يسبق العاصفة، فقد كان يدرك تماماً ما يحدث.
“ليس لدي الوقت للوقوف مكتوف الأيدي.”
ومع ذلك، لم يتراجع، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة وهو يضيف:
لم تكن مجرد اصطدامات عابرة، بل كانت عملية “كسر للقيود”.
إذ تتيح لصاحبها خوض معارك أطول نفساً، وتمنحه سيطرةً أدق وسيادةً عالية على محتويات مزرعته.
“أعرف أن تطوير هذا العليق يكتنفه خطرٌ مميت.. ولكن، لا توجد غنيمة عظيمة في هذا العالم دون ثمن.”
وضع جومانجي يده على صدره وأغمض عينيه، محاولاً استجماع قدراته الذهنية والروحية لرؤية لمحةٍ من المستقبل.
كانت تلك الطاقة المسالة تحتاج لأيام طويلة أو شهور لتتراكم طبيعياً، لكنه قلص الزمن لثوانٍ معدودة.
كان يطمح لمعرفة نتائج خطته الجريئة في تطوير “العليق”، ليعرف إن كان النجاح حليفه أم أن الفشل يتربص به.
واستحال كل شيء داخل المزرعة إلى بياضٍ مطلق نتيجة شتات الطاقة المتفجرة في كل زاوية.
لكن، ومهما بذل من جهدٍ وتركيز، ظل الغيب محجوباً.
حيث اندفعت موجات الطاقة الروحية بكثافة مفرطة حجبت الرؤية تماماً.
“ياللخيبة! هذا العليق المتكبر يرفض الظهور.. لكن لماذا استخدم قدرته عندما لمست ذلك الفتى؟”
رغم أن عليق النظرة قد اشتغل من قبل، إلا أنه الآن أبى أن يعمل.
إذ ستضاعف إنتاج الأنوية الروحية التلقائي داخل المزرعة.
حتى مع ذكريات الألف عام التي استحوذت عليها، كان هذا العليق غامضاً بعض الشيء.
بعد فترة من الصمت والتأمل، حسم جومانجي أمره.
وضع جواهر العليق الثلاث فوق جسد النحلة الرابضة بعناية، ليترك التفاعل الروحي بينهما يبدأ ببطء.
بركة روحية واسعة تفوق حجم البئر السابق بعشرة أضعاف.
فقد أدرك أنه خطى خطوته الأولى الحقيقية نحو القمة، مرتقياً إلى الدرجة الثانية من المرتبة الأولى.
اتجهت عيناه فوراً نحو مشروعه الأهم: زراعة النباتات الروحية لإنعاش مزرعته.
أخرج جومانجي بذور “الأرز الأبيض” النادرة، بدأ يتأمل فيها: “حسناً، لنبدأ العمل.”
شرع في غرسها طوال اليوم داخل النهر؛ وهو صنفٌ لا ينمو إلا مغموراً بالمياه الروحية العميقة.
ثم أخرج بيوض “نجم البحر القرمزي”، وانهمك في حفر قنواتٍ وحفرٍ مخصصة لها بعناية فائقة.
بل على جودة البذور والنباتات والحيوانات الروحية التي تستوطن المزرعة؛ فهي المحرك الحيوي للارتقاء.
كان جومانجي يطبق قاعدةً ذهبية في علم المزارع الروحية.
تأمل في عمله والأشياء التي غرسها وقال:
ومع كل زيادة في كثافة هذه الطاقة وانبعاثات الكائنات الروحية، ستتسارع وتيرة نمو المزرعة وترتقي مرتبتها.
فالعلاقة طردية؛ فكلما ازدادت طاقة الروحية للكائنات، قفزت المزرعة نحو مستوياتٍ أسمى وأعلى.
كان الفضل في هذه القفزة المذهلة يعود لسكبه الأنوية الروحية بتلك الكثافة.
لم يكتفِ جومانجي بتلك الكائنات والزراعات، بل قرر حرق المراحل وضخ كميات مهولة من الطاقة الصافية.
فأخرج مئة نواة روحية من الرتبة النحاسية، وعشر أنوية من الرتبة الفضية اللامعة.
وبحركة خاطفة، بدأ بتفتيت تلك الأنوية الصلبة، لتنهمر شظاياها وطاقتها المركزة دفعة واحدة داخل البئر.
البئر الذي كان غارقاً في سكونه قبل قليل، استحال فجأة إلى مرجل يغلي.
ثارت الطاقة داخله وفاضت عن حدودها، وتحول الضباب الأبيض الرقيق إلى مدٍّ هائج يزمجر بعنف.
بدأت أمواج الطاقة تصطدم بجدران البئر بقوة زلزالية.
حتى أن أصداء تلك الارتطامات ترددت في أرجاء المزرعة كأنها طبول حرب تُعلن بداية عهد جديد.
وفي تلك اللحظة، اقترب جومانجي من قلب الانفجار.
إذ بدأت شقوق دقيقة تظهر وتنتشر على جدران الكهف المحيط بالبئر تحت وطأة الضغط الروحي الهائل.
همس لنفسه وهو يشاهد ما يحدث: المزرعة الروحية لم تعد تتسع لرتبتها الحالية، والشقوق لم تكن علامة دمار، بل هي مخاض الولادة لرتبة أسمى وأقوى.
تراجع جومانجي بضع خطوات وهو يراقب الانفجار الذي شق المكان نصفين.
ومع مرور الوقت، بدأ الضباب الكثيف ينحسر تدريجياً ليعود إلى مركزه.
ومع انقشاع آخر خيوط الضباب، تجلى أمامه مشهدٌ مهيب.
فإن “البركة الروحية” قد نقلت جومانجي إلى مستوى آخر من الاستقرار والقدرة على التحمل.
صمت لبرهة قبل أن يضيف:
عكس البذرة التي كانت في البئر بورقة واحدة فقط؛ تطورت البذرة مع تطور البئر.
“أعرف بأن هذا الأسلوب لن يجدي نفعاً إلا في هذه المراحل المبكرة.”
ارتسمت على وجه جومانجي ابتسامة رضا.
إن هذا التطور السريع يعد إنجازاً جباراً حتى بمعايير المزارع ذات الجودة الممتازة.
فما حققه جومانجي كان عسيراً ومنالاً بعيداً لغيره.
لمعت عيناه وهو يشاهد هذه البركة حيث كانت جنباتها من غيوم بيضاء يتراقص فيها البرق بكل هدوء.
ولم يتوقف النفع عند زيادة العدد فحسب، بل امتد ليشمل نقاء الأنوية الروحية التي أصبحت أكثر حدة وصفاءً.
كان هذا هو الحال كلما ارتقى المزارع في الدرجات والمراتب؛ طريقٌ شاقٌ لا يعترف إلا بالجهد والمثابرة.
“فبمجرد أن ترتقي المزرعة في المراتب العليا، ستفقد هذه الأنوية قيمتها وتصبح بالنسبة لي مجرد حصىً لا نفع فيه.”
فالمزرعة ذات الجودة الضعيفة التي كانت تنتج نواة واحدة شهرياً ستصبح تنتج اثنتين.
“رغم أن الرقم قد يبدو بسيطاً، إلا أنه حجر زاوية في بنائي قوتي المستقبلية.”
وأيضاً، فإذا كان “البئر الروحي” يمنح المزارع طاقةً تكفيه للصمود والقتال لفترة وجيزة.
لم يمنح جومانجي نفسه ترف الفخر أو الاسترخاء، بل عاد بصلابة إلى العمل المضني.
أما عن بلوغ المراتب العليا، فقد كان الأمر يزداد تعقيداً وصعوبة.
خصوصاً وأن البذور ذات الجودة الرفيعة كانت نادرة وصعبة المنال.
والآن، يقف جومانجي بثبات في الدرجة الثانية من المرتبة الأولى؛ إنجازٌ يوصف بالمذهل.
ولظنوه ضرباً من الخيال، خاصةً إذا ما قورن بجودة مزرعته الأصلية التي لا تشي بمثل هذه القفزات الإعجازية.
غرس البذور، رعاية الشتلات، وتنظيم الكائنات الروحية.
وبعد أن أخذ قسطاً يسيراً من الراحة لترميم قواه، حان الوقت ليتفقد الساحة التي ترك فيها صراع الجواهر.
اتجهت أنظاره نحو “نحلة العسل الأسود” وجواهر العليق الثلاث، ليرى ما آلت إليه تلك المقامرة التي بدأت قبل يومين..
نهاية الفصل
Comments for chapter "الفصل 32"
MANGA DISCUSSION