صمتت قليلاً لتلقي عليهم نظرةً صارمة أذابت غطرستهم، ثم أضافت بنبرةٍ حادة: “لقد أغضبتني تصرفاتكم الصبيانية اليوم..
مرت ثلاثة أيام هادئة، تسلّم خلالها جومانجي طلبه من “عليق مرجان الفجر الندي”، وانكفأ على نفسه داخل منزل الضيافة يمارس طقوس زراعته الروحية.
التقى الوفدان، وتبادلا تحايا رسمية طغت عليها ملامح الجدية والحذر، قبل أن يواصلا المسير معاً؛ وما هي إلا دقائق معدودة حتى استقر بهم المقام أمام الموقع المنشود.
لم يكن يغادر غرفته إلا لفترات وجيزة؛ إما لاستنشاق الهواء أو لسد رمقه، سار كل شيء وفق ما خطط له بدقة وبرود.
رد جومانجي دون تردد: “في الحقيقة.. لست مهتماً، أفضل البقاء وحيداً في الوقت الراهن.”
في هذه اللحظة، خرج جومانجي كعادته ليتجول في طرقات القرية، رافعاً رأسه نحو السماء الواسعة، تاركاً أشعة الشمس الدافئة تداعب وجنتيه الشاحبتين.
اصطكت أسنان الصبية غيظاً، واحتقنت الدماء في عروقهم؛ فكيف لرجلٍ مجهول أن يستهين بعشيرةٍ من المرتبة الرابعة تهيمن على العديد من القبائل؟
تمتم في سره وهو يبتعد عن الأنظار: “تلك المرأة تمتلك حساً حاداً وغريباً.. قد تزيح الستار عن حقيقتي في أي لحظة إذا اقتربتُ أكثر، لذا فإن الابتعاد عنها قدر الإمكان هو الخيار الأكثر أماناً الآن.”
كان يشعر في أعماقه أن ساعاته في هذا المكان باتت معدودة، ولم يعد هناك متسع من الوقت للبقاء تحت كنف “سمكة الكارب”.
وقفت الفتاة تحدق في جومانجي بتدقيقٍ شديد، وكأنها تستحضر ملامح مألوفة رأتها من قبل.
كان “الشرخ المكاني” على وشك الانفتاح، ومع اقتراب تلك اللحظة الحاسمة، اتخذ جومانجي قراره النهائي؛ بمجرد أن تطأ قدماه ذلك الفراغ، سيغادر هذه القبيلة إلى الأبد.
مرت خمسة أيام أخرى وجومانجي مستمر في روتينه الصارم؛ يزرع بصمت، يتمشى في أرجاء القرية، ويقتات على ما تيسر، دون أن يكسر عزلة روحه.
لم يعد هناك خيط يربطه بمستقبلهم، ولا سبب يدفع قدميه للعودة إلى هنا مجدداً.
بينما كان جومانجي يخطو في تأملاته، مستغرقاً في النظر إلى السماء، شعر بكيانٍ يعترض طريقه؛ خفض بصره ليلتقي بنظرات امرأةٍ في الثلاثينيات من عمرها، تقف بهدوءٍ يلفه الوقار، مرتديةً رداءً قرمزياً يفيض بالهيبة والشموخ.
لم تنبس المرأة ببنت شفة، بل اكتفت بمراقبة هذا الرجل الشاحب، لكن فتىً لم يتجاوز العشرين من عمره، كان يرافقها، صرخ بحدةٍ ممزوجة بالغطرسة: “أيها الوغد الجاهل! كيف تجرؤ على قطع الطريق أمام سيدتنا؟”
تحولت نظرات جومانجي ببطء نحو المرأة الجميلة، لكن ملامحه ظلت خاليةً من أي أثرٍ للارتباك أو الرهبة؛ كان هدوءه جليدياً وهو يتمتم بنبرةٍ باردة: “ومن قال إنني أنا من قطعت طريقكم؟ لماذا لا تكونون أنتم من اعترضتم سبيلي؟”
مدَّ جومانجي يده بهدوءٍ وثبات، فبدأ رأس الطائر يتلوى يمنةً ويسرة وكأنه يتفحص كينونة هذا الرجل الغامض، قبل أن يفرد جناحيه ويحط بسلامٍ فوق كف جومانجي.
رفعت المرأة حاجبيها مندهشةً من جرأته، ليتدخل شابٌ آخر في مقتبل العشرين بسخريةٍ لاذعة: “الكلب المطيع لا يسد طريق أسياده.. تنحَّ جانباً فوراً، ولعلنا نعفو عن حماقتك هذه المرة.”
رفعت المرأة يدها بإشارةٍ آمرة، فخيم الصمت فوراً على أتباعها، ثم سألت بنبرةٍ حملت مزيجاً من الفضول والرزانة: “أظنك الطبيب المتجول الذي أحدث المعجزة وشفى جنين مزرعة نيرون، أليس كذلك؟”
أمعن جومانجي النظر في ملامحها وتفاصيل ردائها القرمزي، قبل أن يجيب بنبرةٍ هادئة لم تخلُ من بصيرة: “وأنتِ الشيخة ‘ماي إيجين’ من عشيرة اللقلق.. أليس كذلك؟”
ساد الصمت بين الصبية الذين عجزوا عن الرد، بينما كانت الفتاة تنظر بدهشةٍ نحو جومانجي المغادر، وقد بدأت ملامح الصدمة ترتسم على وجهها وهي تتمتم في سرها: “ذلك الشخص.. هو الطبيب الذي شفى العليق؟”
اتسعت ابتسامة المرأة، وبدا عليها الرضا وهي ترد: “إنه لمن دواعي سروري أن تتعرف إليّ شخصيةٌ تملك مثل هذه الإمكانات الطبية الفذة.”
حلَّ اليوم المنتظر أخيراً، ولم يكن يوماً عادياً في المنطقة، بل كان يوم افتتاح “الشرخ المكاني”.
في تلك الأثناء، تراجع الصبية إلى الخلف صامتين تحت وطأة كلمات سيدتهم، ورغم أن ألسنتهم قد لُجمت، إلا أن نظرات الريبة والغيظ لم تبرح عيونهم وهم يراقبون هذا الرجل الشاحب الذي فرض هيبته على المكان دون أن يرفع صوته.
تمتمت ماي إيجين في سرها وهي ترقب هدوءه المريب: “سيكون مكسباً استراتيجياً لو استقطبناه إلى صفوفنا؛ فخبيرٌ طبي بمثله سيكون عوناً عظيماً في المستقبل، واستعداء رجلٍ يمتلك هذه المؤهلات لن يورثنا إلا الخسارة.”
نهاية الفصل
عادت ماي إيجين لمخاطبته بنبرةٍ ودودة بعد أن رأت صمته الطويل: “إلى أين تقصد بوجهتك أيها الزميل الروحي؟”
أجاب جومانجي ببرودٍ وهو يستنشق الهواء بعمق: “ليس لي وجهةٌ محددة.. كل ما في الأمر أنني أستمتع بهذه الأجواء الهادئة وهذا النسيم العليل.”
ابتسمت ماي إيجين وقالت: “إذاً، لا مانع لديك من تشريفنا بمرافقتك لنا؟”
استشاط أحد صبية العشيرة غضباً وصرخ بحدة: “أيها الطبيب الغبي! ألا تدرك مقام السيدة التي تخاطبها؟ لقد منحتك شرف دعوتها وأنت تقابلها بهذا الجحود؟ ألا تعرف ما تعنيه عشيرة اللقلق في هذه الأراضي؟”
لم يمنحه جومانجي حتى التفاتةً بسيطة، بل أجاب بلامبالاةٍ قتلت حماسه: “لست مهتماً بمعرفة أشياء لا نفع لي بها.”
رفع جومانجي نظره مجدداً نحو الأفق البعيد، وتمتم مخاطباً الطائر: “أخبرني أيها الصغير.. ماذا ترى من علٍ؟
لكن ماي إيجين، بذكائها المعهود، لم تبدِ أي غضب، بل أردفت بوقار: “سيظل بابنا مفتوحاً لك دوماً أيها الزميل الروحي؛ متى ما رغبت في المجيء، فتفضل علينا بزيارتك، وسنكون في انتظارك.”
“أيتها المعلمة ماي إيجين!”
جاء الصوت من الجانب فجأة، حيث ظهر الفتى والفتاة اللذان رافقاها في زيارتها السابقة لهذا المكان.
وعلى مقربةٍ من حدود القرية، رصد تجمعاً مهيباً يضم مجلس الشيوخ والزعيم نيرون، وإلى جانبهم الشيخة ماي إيجين بوقارها القرمزي مع وفدها من الصبية.
تحرك الجميع في موكبٍ واحد نحو الموقع المنشود، بينما سار جومانجي بخطىً ثابتة خلفهم، وقبل أن يتجاوز بوابة القبيلة، ألقى نظرةً أخيرةً خلفه، ثم التفت للأمام وهمس في سره: “انتهت الحكاية هنا.. حان وقت الرحيل.”
أما جومانجي، فلم يعرهم أدنى التفاتة، بل واصل سيره بهدوءٍ وكأن هؤلاء الأشخاص مجرد سرابٍ في طريقه؛ ظلت عيناه معلقتين بالطيور التي تحلق في كبد السماء، مطلقةً زقزقاتها التي ملأت الأرجاء.
بدا له الأمر غريباً، وكأن جزءاً خفياً في روحه استيقظ للحظة قبل أن يعود لسكونه المعتاد.
راقبت المجموعة طيفه وهو يبتعد بوقارٍ غريب، وحينها التفتت ماي إيجين نحو صبيتها وقالت بنبرةٍ حازمة: “عليكم أن تتعلموا السيطرة على أنفسكم جيداً؛ فلا يزال الطريق أمامكم طويلاً جداً.
أخبروني، ماذا ستجنون إن عاديتم طبيباً فذاً استطاع شفاء جنين المزرعة؟”
ساد صمتٌ قصير، وكأن الطبيعة تنصت لهذا الحوار، قبل أن يستطرد جومانجي بصوتٍ خافت: “أعلم أنك لا تملك جواباً منطقياً لتبوح به، لكنني سأخبرك بمرادي..
انكشف أمام أعينهم كهفٌ رابض تحت ثلةٍ صخرية مهيبة، لم يكن الكهف غارقاً في الظلام كما هو معتاد، بل كانت تنبعث من أعماقه شراراتٌ متطايرة من الطاقة الروحية، تشبه شظايا النيران المتوهجة التي تشق عتمة الفراغ.
قطعت ماي إيجين حبل أفكارها قائلةً ببرودٍ واقعي: “طبيبٌ بمثله سيكون ذخراً للعشيرة، أما موته فلن ينفعنا بشيء.
هل تظنونني عاجزةً عن سحق حشرةٍ مثله؟ بالطبع لا، ولكن ماذا بعد؟ هل ستخدم نتائج موته مصالحنا؟ الإجابة هي لا.”
فلتكن هذه المرة الأخيرة التي تتصرفون فيها بهذا الشكل المستهتر.”
توقف جومانجي فجأة، شاخصاً ببصره نحو عصفورٍ صغير استقر على غصن شجرةٍ نحيلةٍ تتوسط الطريق، كانت زقزقاته الرقيقة تملأ جنبات المكان ببهجةٍ فطرية.
سار الجميع بعزيمةٍ واضحة، وبدا الحماس طاغياً على وجوه الصغار، لا سيما “بلوتون” الذي لم تفارق الابتسامة العريضة وجهه وهو يقضم قطعة لحمٍ كبيرة بنهمٍ كعادته.
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على محيا جومانجي وهو يراقب “طائر الحسون” الجميل الذي استقر على يده؛ وبحركةٍ مفعمة بالرفق، بدأ يداعب ريش ظهره الزاهي بأطراف أصابعه.
وأيهما أفضل في نظرك؛ أن تمشي على قدمين، أم تملك جناحين تعانق بهما السماء؟”
أنا أطمح لامتلاك الأمرين معاً؛ أريد الثبات على الأرض والتحليق في السماء، أريد الاستمتاع بكل ذرةٍ من هذا الوجود الممكن.”
رفع جومانجي حاجبيه قليلاً، فطار الطائر مبتعداً نحو الأفق؛ وقف يراقب أثره بتعجب، متسائلاً في سره: ما الذي دفعني للوقوف في هذا المكان أو التفوه بتلك الكلمات؟
مسح على رأسه بحيرةٍ طفيفة، ثم أكمل طريقه وكأن شيئاً لم يكن.
خلال هذه الفترة، تكررت دعوات وطلبيات “ماي إيجين” إليه، لكنه قابلها جميعاً بالرفض القاطع؛ فلم يكن ينوي المخاطرة بالاختلاط مع شخصية بمكانتها في المرتبة الرابعة وهو في حالة تنكر، رغم الثقة الكبيرة التي يمنحها له “عليق الألف وجه”.
استنشق جومانجي هواء الصباح بعمق وهو يغادر منزل الضيافة، واضعاً نصب عينيه على وجهته الأخيرة في هذه الأراضي.
وفي منتصف الطريق، اعترض سبيلهم وفدٌ آخر؛ كان في مقدمته عجوزان طحنت السنون ملامحهما وترك الزمن أثره العميق على وجهيهما، وخلفهما عشرة شبانٍ يرتدون ملابس بنيةً خشنة توحي بالقوة والصلابة.
لقد كان هذا وفد “قبيلة الدب البني” الذي جاء ليحجز مكانه في هذا الحدث.
تسمرت أنظار الكثيرين في ذهولٍ أمام هذا المشهد المهيب؛ فهذه هي المرة الأولى التي يشاهد فيها الصبية “شرخاً مكانياً” من المرتبة الثامنة.
كانت الرهبة سيدة الموقف، فمعظمهم لا يزالون في مستهل طريقهم ضمن المرحلة الأولى من المرتبة الأولى، والدخول إلى مكانٍ بهذا الزخم من الطاقة الروحية يُعد مغامرةً محفوفة بالمخاطر، لكن الإغراء كان أقوى من الخوف؛ فالفرص الكامنة خلف ذلك التوهج قد لا تتكرر في العمر مرتين.
Comments for chapter "الفصل 40"
MANGA DISCUSSION