وقف الجميع في الخارج بانتظار خروج الفتية، وعيونهم ترقب النتائج؛ فاستيقاظ المزرعة ليس مجرد استيقاظ عابر، بل هو حجر الأساس الذي سيبنى عليه مستقبل كل مزارع، فجودة المزرعة الروحية في لحظة ولادتها هي ما يحدد حدود قوتهم مستقبلاً هكذا كان متداولا عندهم.
كانت الذكريات التي اقتحمت عقله مفاجئة لدرجة أذهلته؛ فلو استسلم لجاذبيتها ومكث في مكانه يراجع تلك التفاصيل لغرق فيها طويلاً، لكن الوقت لم يكن في صالحه أبداً، فمزرعته الروحية كانت تواجه خطراً حقيقياً.
في هذه الأثناء، وبينما كانت الأنظار لا تزال شاخصة نحو كايروس، انبعث توهج باهت من البوابة الحمراء دون سابق إنذار.
قرر جومانجي الحصول على جنين لمزرعته بأقصى سرعة ممكنة، ومع تدفق ذكريات الفتى الآخر واستقرارها في ذهنه، لمعت في مخيلته صورة ذلك “العليق” تحديداً.
خرج شخص آخر من تلك البوابة وهو ذو الشعر الأبيض حيث استقبله شيخ جوركو.
نهاية الفصل
شرع في البحث بشكل أعمق عن جوهر ذلك العليق، ولم يكتفِ بواحد، بل عثر على اثنين آخرين، ليصبح في حوزته ثلاثة جواهر نابضة.
أومأ جومانجي برأسه ولوح بيده في إشارة إذن، فاندفعت الجواهر تتدافع بجنون، يتسابق كل منها ليحظى بالمكان الأفضل داخل ذلك الحيز الروحي.
وبما أنه لم يكن متأكداً من نجاح العملية من المرة الأولى، قرر الاحتفاظ باثنين كاحتياط استراتيجي لأي طارئ.
تمشى جومانجي بخطوات هادئة بعد خروجه من كثافة الأشجار، وفجأة، تسللت رائحة زكية ومنعشة إلى أعماقه مباشرة.
كانت الطاقة الروحية هناك تتكثف في الهواء بشكل غير مرئي للعين المجردة، لكن إحساسه بها كان طاغياً، كأنها تمنحه شعوراً بالولادة من جديد.
أمام ناظريه، استقر بئر ضخم لم يكن يشبه الآبار التقليدية في شيء؛ كانت هالة من الكثافة الروحية تحوم حول فوهته بوضوح، لدرجة أن جومانجي شعر بوخزها رغم أن مزرعته الروحية قد استيقظت للتو.
كانت البوابات الحمراء هي السمة الغالبة التي ظهرت أمام معظم الفتية، فما كان منهم إلا أن استسلموا للأمر الواقع وهرعوا بالخروج عبرها.
تمتم بسخرية لاذعة: “هل ظننتم أن دخول الحمام كخروجه؟”
بالنسبة لجومانجي القديم، كان هذا البئر لغزاً غامضاً، أما الآن، وبعد أن استحم في فيض ذكريات الألف عام، غدا الأمر مألوفاً كأنه جزء من كيانه.
اقترب من الحافة وتمتم بهدوء وبرود: “بئر الروح.. أحد الركائز الأساسية للمزرعة.”
أغمض جومانجي عينيه للحظة، مستكشفاً أغوار مزرعته الخاصة؛ ففي السابق، كان الجهل يحجب عنه الكثير، لكنه الآن يعرف أين يبحث.
كان البئر مبنياً من حجارة بركانية سوداء صماء، تبدو وكأنها منحوتة من قطعة واحدة، وتغطي حوافها نقوش دقيقة تشبه عروق الشجر التي تنبض بضوء خافت.
بدأت تلك الأطياف الصغيرة تتراقص في الهواء بحركات مبهجة، وكأنها تعبر عن موافقتها وحماسها الشديد.
لم يكن في البئر ماء، بل كان هناك سديم من الضباب الروحي الذي يغلي بصمت، يضغط على جدران البئر وكأنه يحاول تحطيمها للانطلاق، مما يخلق دوامة من الجاذبية الروحية تسحب كل ما حولها نحو المركز.
في مركز ذلك البئر الضبابي استقرت بذرة روحية ذات لون أحمر قانٍ، تنبثق منها بتلة وحيدة متوهجة كأنها جمرة في ليل بهيم.
وتحت قاعدة الجبل الأحمر مباشرة، وجد ضالته: بئر روحه الخاص.
كان خاملاً، خالياً من أي نبض للطاقة، وفي قعره سكنت بذرة سوداء كالفحم، تبرز منها بتلة واحدة ذابلة ومنكمشة بشكل يثير الشفقة، كأنها تحتضر في صمت.
ارتسمت على شفتي جومانجي ابتسامة باردة تحمل في طياتها تصميماً مخيفاً، وهمس لنفسه: “يبدو أن أمامي الكثير من العمل الشاق لإعادة الحياة لهذا الخراب.”
ما إن فتح جومانجي عينيه حتى وجد نفسه محاطاً بعدد هائل من جواهر العليق التي كانت تحوم حوله بكثافة أكبر من ذي قبل، كأنها منجذبة إليه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة، وسأل بصوت منخفض: “هل ترغبون حقاً في دخول مزرعتي؟”
انتهت المهلة المحددة، ومع مرور الوقت، أتم الجميع في أعماق تلك الأرض طقوس استيقاظ مزارعهم الروحية؛ فقد حان موعد الخروج من ذلك الحيز الغامض.
لكن الحقيقة المرة صدمتهم بمجرد تجاوزهم العتبة؛ فما إن استقرت الجواهر داخل المزرعة حتى رأت مشهداً شاحباً وموحشاً، كأن لعنة قديمة قد ضربت المكان وأحالت ربيعه إلى خريف أبدي.
أدرك جومانجي ردة فعلهم المذعورة؛ فقد تحول حماسهم إلى رغبة عارمة في الفرار والنجاة بأنفسهم من هذا الخراب.
وبخلاف هذين الفتيين، انشقت البوابة الخضراء عن شخصين آخرين، ليرتفع العدد الإجمالي لأصحاب المزارع الجيدة إلى أربعة؛ مما جعل العجوز يهز رأسه برضا وتمتمة خافتة: “لا بأس بهم حقاً، هذا محصول وافر أكثر من المرة السابقة.”
لكن جومانجي لم يكن ليسمح بالهرب بهذه البساطة. وببرود شديد، أغلق منافذ المزرعة الروحية تماماً، وحاصرهم في الداخل.
كان أخو جومانجي وابنة عمه، ومعهما بقية الشباب الذين حضروا لتوهم، يقفون في حالة من الذهول والوجل، يترقبون ظهور هذا الشخص الذي قد يتخطاهم جميعاً يوماً ما، ويصبح القمة التي لا تُطال.
رغم أن هذه الجواهر لم تكن بتلك القوة العظيمة، إلا أنها كانت تحمل شذرات من الطاقة الروحية، وهو شيء قد تحتاجه المزرعة ولو قليلاً.
بدأت الجواهر تقفز يميناً وشمالاً باضطراب، تخبط جدران المزرعة الضبابية بغير رضا، شاعرةً بمرارة الخديعة التي أوقعهم فيها هذا الشخص.
نظر إليهم جومانجي بلامبالاة وأردف: “أنتم من اخترتم الدخول بملء إرادتكم.. أنا لم أجبر أحداً على شيء.”
اكتفى كايروس بإيماءة صامتة من رأسه، ملتزماً بهدوئه المعتاد الذي يزيده هيبة.
تردد الاسم كصدى في أرجاء الكهف: “كايروس حقاً! لقد فعلها صاحب الشعر الذهبي!”
في العالم الخارجي، انقضى يوم كامل، وعاد الكهف الذي يضم بوابة المزرعة الروحية ليعج بالحياة والترقب.
ارتفعت وتيرة الهمسات بين الحشود، واتجهت الأنظار بشغف وترقب نحو تلك البوابة البنفسجية؛ فالجميع كان يمني النفس بخروج ولو فتى واحد من خلالها، لما ترمز إليه من ندرة وجودة استثنائية.
وفي تلك اللحظة، كان الجد يقف أمام المدخل مرة أخرى، يراقب بصمت مهيب، بانتظار ظهور الأحفاد.
نهاية الفصل
وفجأة، اهتز الجدار الضبابي الفاصل، وانشقت عنه ثلاثة أبواب مهيبة تختلف ألوانها بوضوح؛ بوابة حمراء متوهجة، وأخرى خضراء يانعة، وبوابة أخيرة يلفها الغموض بلونها البنفسجي العميق.
في الداخل، استعد الفتية للحظة الحسم، حيث بدأت البوابات تتشكل أمام كل واحد منهم لترسم معالم مستقبله.
ومع اشتداد الضوء، بدأ ظل شخص يتبلور خلف ستار الضباب، وفجأة، ارتفعت صيحة شقت سكون الترقب: “إنه كايروس!”
أمام أحد الفتية، انشقت بوابة حمراء، فالتوى ثغره بتعبير ينم عن التجهم وعدم الرضا.
ردت عليه بابتسامة رقيقة غلبت عليها ملامح الرضا والفخر: “أحسنت صنعاً يا بني، هناك مكافأة قيمة بانتظارك فور عودتنا.”
وبجانبه، ظهرت بوابة مماثلة لفتى آخر، فلم يزد على أن سخر من نفسه في صمت، وكأن الأمر كان متوقعاً تماماً، وهو يربت على صدره محاولاً تهدئة خيبة أمله.
وبعد برهة، انشقت بوابة خضراء زاهية أمام الفتى ذو الثوب الأصفر الباهت، وهو أحد الذين تذوقوا طعم الفشل سابقاً داخل تجاويف الشجرة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت البوابة الخضراء الثانية، وكانت من نصيب الفتى صاحب الشعر الأبيض؛ فدلف إليها والابتسامة لا تفارق محياه، كأنه كان يدرك تماماً ما ينتظره في المستقبل، ولم يجد في نفسه أي داعٍ للانزعاج.
بدأ الفتية يخرجون واحداً تلو الآخر، أما الشيوخ فكانوا يحدقون منتظرين وصول أحد أفرادهم الصغار مثل جالفان الذي بدا يترقب خروج ابنه.
وبعد برهة أضاءت البوابة الخضراء، خرج منها ذو البدلة الصفراء وهو يبتسم، استقبلته أمه وهي شيخة الأربعينيات كيونا.
بعد خروج الجميع، لم يتبقَّ في الداخل سوى جومانجي والفتى ذو الشعر الذهبي.
على الجانب الآخر، كانت نظرات الشيوخ مصوبة نحو الشيخة بمزيج من الذهول وعدم التصديق؛ فقد سبق وأخبرتهم يقيناً بأن كايروس سيوقظ مزرعة ذات جودة ممتازة.
تجمدت الأعين في محاجرها، وسقطت عصا أحد الشيوخ من يده دون أن يشعر، بينما تراجع الفتية القريبون من البوابة خطوة للخلف بشكل غريزي، متأثرين بـ “ثقل” الطاقة المنبعثة من البوابة.
وفي اللحظة التي بلغت فيها القلوب الحناجر، أضاءت البوابة البنفسجية فجأة ببريق وهاج سلب الأبصار، معلنةً عن خروج صاحب “المزرعة الممتازة”.
أشعل المشهد حماس الحشود التي تجمهرت داخل الكهف، وارتفعت الهتافات بصدمة وذهول: “مزرعة ذات جودة ممتازة! هل يعقل أن بيننا من حقق هذا الإنجاز الخيالي؟”
كانت الشيخة العجوز تبتسم في دهاء وهي تراقب توهج البوابة البنفسجية، فبصيرتها كانت تهمس لها بهوية الطارق قبل أن يظهر.
ساد الصمت لثوانٍ قصيرة قبل أن ينفجر الكهف بالهمسات المذهولة.
كانت الوجوه تعكس مزيجاً من الإنكار والانبهار؛ فمشهد خروج شخص بجودة “ممتازة” لم يكن حدثاً يتكرر كل يوم، بل كان تجسيداً لأسطورة حية أمام أعينهم.
حتى الهواء حول البوابة بدا وكأنه يرتعش إجلالاً لهذا الحضور، وترك كايروس الجميع في حالة من الذهول الصامت، وهم يحدقون في هالة القوة التي كانت تحيط به كأنها وشاح من النور البنفسجي.
خفتت تلك الهالة المهيبة تدريجياً، وخطا كايروس بخطوات واثقة وموزونة نحو جدته الشيخة؛ وما إن وصل أمامها حتى انحنى بوقار يليق بمكانتها وتمتم بصوت خفيض: “لم أخيب ظنكِ بي أيتها الجدة، لقد فعلتها.”
ومن قلب ذلك الضياء المتواضع، خطا جومانجي خارجاً بهدوء، ليعلن حضوره في صمتٍ تام بعيداً عن صخب الاحتفاء والذهول الذي ملأ المكان.
ورغم علمهم بصدق كلامها لكنهم لم يصدقوا ذلك، لأن مزرعة ذات جودة ممتازة كانت أسطورة بالنسبة لهم، لكن رؤيتها تتجسد أمام أعينهم جعلت عقولهم تعجز عن استيعاب حجم الموهبة التي ولد بها هذا الفتى.
Comments for chapter "الفصل 19"
MANGA DISCUSSION