شق جومانجي طريقه بين جذوع الأشجار الشاهقة، والذكريات التي اقتحمت عقله لا تزال تتردد أصداؤها في روحه.
وقف جومانجي بوقفةٍ يملؤها الثبات والسكينة، ولم يكلف نفسه عناء التحديق بجدية في صاحب الرداء الأصفر الذي كان يقف أمامه بزهو.
ساد الصمت لبرهة، ولم يقطع حبل التوتر إلا صوت ماريون الذي استجمع شتات شجاعته، وتقدم خطوة للأمام قائلاً بنبرةٍ حاول جعلها حازمة: “أيها الصبي.. سلم ذاك الجوهر فوراً ولن أصعب الأمر عليك؛ غادر بسلام وسنعتبر أننا لم نلتقِ قط.”
وبدلاً من ذلك، كان جومانجي يقلب بين أصابعه ببرودٍ تام “جوهر الروح” الذي انتزعه لتوّه من إحدى الحشرات، وكأنه يمسك بقطعة حلوى لا قيمة لها.
غرق جومانجي في بحرٍ من التفكير العميق، يحلل تلك الومضات المستقبلية التي رآها، وبعد فترةٍ انتصب واقفاً وهو يشد قبضته بقوةٍ وعزم: “لقد أدركتُ الآن ما سيحصل.. يبدو أن علي تغيير الخطة قليلاً، أو عليَّ تغييرها بالكامل.”
كان وهج الجوهر المنبعث من كف جومانجي كفيلاً بجذب أنظار الصبية كالمغناطيس؛ حيث همس أحدهم وهو يرمق صاحب الرداء الأصفر بنظراتٍ خاطفة قبل أن يوجه بصره نحو البريق: “ماريون، انظر! إنه يحمل شيئاً ما في يده، إنه جوهرٌ روحي!”
ورغم أنه خبر ذكريات ألف سنةٍ من قبل، إلا أن ما حدث هذه المرة كان مغايراً تماماً؛ كان اضطراباً مخيفاً لم يعهد له مثيلاً، وكأن الزمن نفسه قد تمخض عن سرٍ ثقيل.
ضيق ماريون عينيه محاولاً استيعاب المشهد، وفي تلك اللحظة تدخل فتى آخر من المجموعة قائلاً بصوتٍ منخفض مريب: “انظروا إلى ملابسه.. إنه حتماً ليس من عشيرة ‘القلاق’، فرجالهم يرتدون زياً موحداً، بينما هذا الصبي يرتدي ملابس غريبة.”
صمت لبرهة، ثم لمعت عيناه ببريقٍ غامض وهو يضيف بنبرةٍ حملت دلالاتٍ أعمق: “إن كان هذا الشر هو السبيل الوحيد الذي سيعود عليّ بالنفع، فلا بأس.. سأُصالح هذا الشر وأعانقه.”
أضاف فتى ثالث وهو يتفحص تفاصيل رداء جومانجي الأسود وشريطه الأحمر: “وهو لا يرتدي أيضاً رداء قبيلة ‘الدب البني’..
وقبل أن يستوعب المهاجم فشل ضربته، وضع جومانجي كفه فوق كتف الفتى بهدوءٍ مخيف. كانت لمسةً بدت للناظرين خفيفة، لكنها في الحقيقة كانت محملةً بثقلٍ يزن طناً.
من يكون هذا الفتى يا تُرى؟ وكيف استطاع الحصول على جوهرٍ بمفرده؟”
ظلت الأسئلة تتردد في الهواء، بينما كان جومانجي يراقب ردود أفعالهم بعينين باردتين، مدركاً ما يفكرون فيه.
تقدم جومانجي نحوهم بخطواتٍ وئيدة وموزونة، وكان صوت تهشم الأغصان اليابسة تحت قدميه يتردد في آذانهم كدقات ساعةٍ تُنذر بخطرٍ قريب.
بقي صامتاً لبرهة، والذهول يجتاح كل ذرةٍ في كيانه، قبل أن يتمتم بصوتٍ متحشرج: “رغم كل ما فعلته.. ورغم كل شيء إلا أن النهاية كانت هي الموت؟ ما الذي يحدث بحق الجحيم؟”
هل يعود السبب إلى شفاء ‘جنين نيرون’؟ أم أن مجرد وجودي هنا قد بدأ في زعزعة أركان القدر؟ غالباً، هذا هو التفسير الوحيد.”
ورغم محاولته إظهار السلطة، إلا أن رعشةً خفيفة في نبرته كشفت عن حذرٍ دفين يتآكل من الداخل.
رفع جومانجي يده بالجوهر الروحي، وأخذ يتأمله بابتسامةٍ باردة لا تخلو من الاستخفاف، ثم قال بصوتٍ هادئ كهدوء القبر: “أفهمُ من كلامك.. أنكم ترغبون في سرقة ممتلكاتي؟”
شخص بصره نحو الآفاق الضبابية بين الأشجار الشاهقة، وقال بنبرةٍ حازمة: “عليَّ التحرك الآن.. الحصول على ذلك ‘العليق’ هو الأولوية في هذه اللحظة.”
هنا، لم يتمالك أحد الفتية المرافقين نفسه، فضيّق عينيه وصرخ بنبرةٍ آمرة وجاهلة: “سيكون من الأفضل لك أن تستمع لنصيحة عبقري قبيلتنا وتنفذ أمره دون نقاش، قبل أن تندم ندماً مريراً أيها الصبي الجاهل! هنا لا مكان للضعفاء أمثالك.”
“وماذا إن لم أفعل؟.. ماذا سيكون رد فعلكم حينها؟” تساءل جومانجي بنبرةٍ باردة، حملت في طياتها تحدياً صامتاً جعل الهواء من حولهم يزداد ثقلاً.
لم يتحمل أحد الفتية هذا الاستفزاز، فاندفع للأمام صارخاً بحنق: “أنت مجرد جاهل! والجاهل الذي لا يدرك حجمه لا يستحق أن يطأ أرض المزارعين!”
صكَّ ماريون على أسنانه بحنق، وقد وجد نفسه محاصراً بين كبريائه الجريح وواقعٍ مرير؛ لم يبقَ لديه ما يفعله سوى الهجوم، فاندفع نحو جومانجي محاولاً، تماماً كما فعل رفاقه الأربعة من قبله.
رفع الفتى قبضته التي انبعث منها وهجٌ مائي خافت، وانقضّ بهجمةٍ كانت تبدو في نظره سريعةً ودقيقة، وقادرةً على سحق خصمٍ أعزل.
لكن جومانجي، الذي كان يراقب عضلات الصبي قبل أن يتحرك حتى، لم يكلف نفسه عناء التراجع؛ بل أمال جسده بضع سنتيمتراتٍ بخفةٍ متناهية، لتمر القبضة الطائشة بجانبه محملةً بالهواء الفراغ.
لم يقوَ جسد الفتى على الصمود أمام هذا الضغط الهائل، فخارت قواه وسقط مرتطماً بالأرض، عاجزاً عن إبداء أي حراك وكأن جبلاً قد أطبق على صدره.
كانت غرائز جومانجي قد بلغت حداً من الحدة لا يمكن لبشريٍ عادي إدراكه؛ فخبرات ألف سنة من المعارك والدماء التي عرضها عليه “عليق النظرة” قد صقلت روحه وجعلته يرى تحركات هؤلاء الصبية وكأنها تسير بالعرض البطيء.
فكيف لصبيٍ غرّ مثل هذا، لم يختبر مرارة الموت بعد، أن يلمس طرف رداء جومانجي؟ حتى وإن لم يكن جومانجي قد ارتقى رسمياً في مراتب المزارعين بعد، إلا أن الهوة بين تجاربه وبين هؤلاء الصبية كانت أعمق من الشرخ نفسه.
ولكن، هل كان ينتظره مصيرٌ مختلف؟ بالطبع لا. فكما حدث مع الصبية، حدث معه تماماً؛ انزلق جومانجي خلف دفاعه، ووضع كفه فوق كتفه بآليةٍ باردة، وقبل أن يدرك ماريون ما أصابه، تفوه جومانجي بهمسٍ خافتٍ هزَّ أركان المكان: “عليق النظرة..”
أطبق الذهول على من تبقى من الصبية وهم يشهدون انهيار رفيقهم بلمسةٍ واحدة؛ وبفعل طيشهم الصبياني وغرورهم الجريح، فقدوا صوابهم واندفعوا نحوه دفعةً واحدة كالسيل الهادر.
تحرك جومانجي بينهم كخيالٍ عابر، ينساب وسط قبضاتهم الطائشة برشاقةٍ تثير الرهبة.
ارتسمت على شفتي جومانجي ابتسامةٌ ساخرة، وسأل ببرودٍ قاتل: “وهل مصالحة قبيلة ‘سمكة الكارب’ هي التي ستغمرني بالمنافع؟ أخبرني إذن.. ما ماهية هذا ‘الشر’ الذي سأجلبه على نفسي؟”
لم يحتج الأمر منه إلى مجهودٍ يذكر؛ كان يمر بكل واحدٍ منهم مخلفاً وراءه لمسةً صامتة فوق الكتف أو الصدر، وكانت تلك اللمسة المشحونة بثقلٍ غير مرئي كفيلةً بتحطيم عزيمتهم وإسقاطهم أرضاً، ليتكدسوا واحداً تلو الآخر في مشهدٍ مهين.
في نهاية المطاف، تلاشى صراخهم ولم يتبقَّ سوى ماريون، الذي وقف متجمداً يحدق في جومانجي بعينين يملؤهما الذعر والخيبة.
تراجع ماريون خطوةً إلى الوراء وهو يزمجر بصوتٍ مرتعش: “إن معاداة قبيلة ‘سمكة الكارب’ لن تعود عليك بأي نفع.. بل ستجلب الشر لنفسك!”
لقد رأى جومانجي مستقبله بعيني ماريون هذه المرة؛ فبرغم وقفته الفخورة وسط القرية، إلا أن النهاية كانت مغايرة لما خطط له.. كانت الموت.
تذكر ملامح ذاك الشخص الغريب الذي ظهر في رؤياه، وهمس في سره: “هناك طرفٌ ثالث سيتدخل، شخصٌ لم يكن له وجود في المرة السابقة؛ إما أنه كان يتربص في الظل، أو أن تدخلي الشخصي قد حرّف مجريات الأمور وخلق مساراً زمنياً جديداً.
كان جومانجي يطرح أسئلته وهو يتقدم بثقةٍ كاسرة، مما أجبر ماريون على التراجع خطوةً تلو أخرى، وقد بدأت ملامح “العبقري” تتهاوى أمام حضور هذا الوحش البشري الذي يقترب منه كالقضاء المحتوم.
كانت الكلمات هادئة، لكن وقعها كان كالصاعقة؛ سقط ماريون أرضاً بقوةٍ ارتجت لها أعصابه، وفقد القدرة على الحراك. أما بالنسبة لجومانجي، فقد تغير المشهد تماماً؛ اشتعل جسده من الداخل فجأة، وبدأت موجاتٌ من ذكرياتٍ جديدة وعنيفة تغمر وعيه.
لم تكن هذه المرة كالسابق، بل كانت حملاً ثقيلاً يفوق قدرة احتماله البشرية.
ترنح جومانجي، واختل توازنه بينما بدأ فمه ينفث كميةً كبيرة من الدماء القانية، قبل أن تنهار قواه ويسقط هو الآخر مغشياً عليه بجانب ماريون المنكسر.
بعد مدةٍ لم تكن بالقصيرة، استعاد جومانجي وعيه وجلس مترنحاً وهو يلهث بقوة، محاولاً استيعاب سيل الذكريات الجامح الذي اقتحم كيانه.
لقد كانت ضربةً سريعة وقاتلة، نفذها مزارعٌ من المرتبة الرابعة بدقةٍ متناهية.
لكن لا يهم، سأتعامل مع هذا المتغير في وقته، فالموعد لا يزال بعيداً.”
تمتم جومانجي في سره والشك ينهش تفكيره: “رغم أنني لم أفعل شيئاً، ولم أقم بتحركاتٍ كبرى تذكر، إلا أن معالم المستقبل قد بدأت بالانحراف عن مسارها المعهود..
والأدهى من ذلك، هو ظهور “سفيرة ماي إيجين” في ذلك المشهد، وهو متغيرٌ جوهري لم يره طوال آلاف السنين التي عاشها في رؤيته السابقة.
Comments for chapter "الفصل 43"
MANGA DISCUSSION