وحده هذا لا يعني الكثير، غير أن الشخص المعني هو كوينجي.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
نادته من خلفه، فتوقف في مكانه واستدار بأناقة لينظر إليها.
Arisu-san
“أنا… أريد أن أعرف…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لقد مرّ وقت طويل، لكن لطرحها الموضوع الآن معنى واضح—
الفصل 3: هويةُ المُرسِل
وفي نهاية الممر توجد منطقة مقهى مفتوحة. ما لم يستخدم أحد المخارج الجانبية، فإن احتمال فقدانه ضئيل جدًا.
…
“أفهم.”
كان ذلك يوم الجمعة بعد المدرسة، بعد يومٍ واحد من الإعلان عن الامتحان الخاص.
وبعد عامين في نفس الفصل… ما زال كوينجي لغزًا.
وبعد مناقشة فصلنا خلال استراحة الغداء بالأمس، لم تُعقَد أي اجتماعاتٍ شاملة للفصل، ولم يُتَّخَذ أي إجراءٍ يتعلق بالامتحان.
وبرغم أنني أريد دعمها، فإن الأمر يبدو غير مناسب.
وبوصفي أحمل مسؤولية قيادة الفصل، كنتُ آمل أن تكون هوريكيتا قد أحرزت تقدمًا في استراتيجياتها وأفكارها خلال الليل. لم أعرف التفاصيل، لكنها لم تحاول التواصل.
فالموظف الذي سألته كان جديدًا، لم يعمل خلال الفترة التي تم فيها شراء الطعام. والمدير الذي كان يعمل وقتها قد نُقِل إلى متجر آخر.
لا يزال أمامنا أسبوع كامل، ولا حاجة للعجلة. أُفَضِّل أن تُفكِّر بتروٍّ.
“إنه أيانوكوجي-كون… أليس كذلك؟”
“أيانوكوجي-كون… أُمم، هل لديك لحظة؟”
“وماذا ستفعل في الامتحان الخاص القادم؟ ماذا لو قررت هوريكيتا ألّا تحميك؟ احتمال نكثها وعدها ليس صفرًا. قد تجد نفسك مهددًا بالطرد في موقف لا يمكنك تفاديه مهما احتججت.”
نادَتني مي-تشان بينما كنتُ أستعد لمغادرة الفصل وحدي.
“ولكن…”
كانت كاي قد خططت للخروج مع صديقاتها حتى وقتٍ متأخر من نهاية الأسبوع، لذا كانت قد غادرت بالفعل.
“تذكّره قائد الوردية بأنه فتى أشقر ذو شعر طويل. كان دائمًا يتصرّف بتعالٍ، يحدّق في انعكاسه على زجاج المتجر، أو يُصلح شعره بمرآة يد. و… القائمة تطول، لكن هذا كوينجي-كون، صحيح؟ لقد رأيته يتصرف هكذا أيضًا.”
ولذلك كنتُ حرًّا تمامًا هذه اللحظة، ويمكنني أن أُفرِغ وقتًا لها.
تساءلت لو كان هناك طالبٌ في سنته يستطيع فعل ذلك بسهولة مماثلة.
“ما الأمر؟”
“إيه؟”
“أُفضّل الحديث في مكانٍ آخر إن أمكن… ليس في هذا الفصل.”
فقدرات كوينجي الاستثنائية كانت سيفًا ذا حدين.
ورغم أنّ أحدًا من الطلاب حولنا لم يُبدِ انزعاجًا، إلا أنّ مي-تشان لم تبدُ مرتاحة هنا.
“أجل.”
ومن تصرفاتها، بدا أنّ الأمر يتعلق بشيء مهم.
أظن نبرتي التي بدت مهددة قليلًا لكوينجي أثارت ارتباكها.
“أفهم. ما رأيك أن نتحدث في طريق العودة إلى المهاجع؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“بالطبع!”
وصعوبة جوابها كانت واضحة… فهو ليس حديث اليوم.
لم يكن هناك سبب للبقاء داخل الفصل، فأخذتُ حقيبتي وخرجنا.
ورغم أنها هي من قررت، لكنها لم تستطع الذهاب وحدها.
ولم تكن هناك حاجة للبحث عن مكانٍ فارغ؛ فالممر والمدخل يعُجّان بالطلاب بعد المدرسة، يغمرهما الضجيج.
“ه-هل يمكن؟”
“إذًا، ما الأمر؟”
“إيه؟”
وبعد أن حثثتها على الكلام، نظرت مي-تشان حولها كمن يتأكد من الأمان، ثم بدأت الحديث.
رفعت مي-تشان رأسها في حيرة.
“هل تتذكر غيابي عن المدرسة لفترة؟ هذا… من المحرج قوله، لكنه كان بخصوص هيراتا-كون… حسنًا…”
ومهما كان الانجذاب أو النفور مسألة أخرى، إلا أنّ مظهر مي-تشان يعدّ أفضل من المتوسط.
كان ذلك في أواخر سبتمبر، بعد أن كشفت كوشيدا في امتحان التصويت بالإجماع أنّ مي-تشان تحمل مشاعر تجاه هيراتا.
أسلوب كوينجي المعتاد… لكنّه كان مفاجئًا.
“هل حدث شيء يتعلق بذلك؟”
كانت كلمات رقيقة، معتادة من مي-تشان. وكان من الواجب أخذها بعين الاعتبار.
“سمعت أن أحدهم كان يوصِل لي الطعام عندما لم أكن أستطيع الخروج…”
وقدمت له الحقيبة التي تحتوي على مجموعة المناشف.
“أتذكّر. شخص ما كان يرسل لك الوجبات، صحيح؟”
لكن—
تذكّرتُ عندما سُئلتُ إن كنت أنا من كان يضع الطعام لمي-تشان.
وأعتقد أنّ افتراضي هذا لم يكن ضروريًا.
“لقد حدثتك عن ذلك من قبل يا أيانوكوجي-كون، وأردت أن أطلب مساعدتك…”
وبنبرة مبهمة بين الاعتذار والدهشة، طرحت سؤالها.
“أفهم…”
“حاولتُ أيضًا سؤال الفتيات في طابقي، لكنهن لم يعرفن شيئًا. عندها قررت الاستسلام لفترة.”
“هل اكتشفتِ من كان الشخص؟”
“حقًا؟ كنت أعرف عن المرآة اليدوية، لكن ليس هذا.”
“أه، ليس بعد، لكن أظن أننا نستطيع اكتشافه إذا حاولنا…”
“يمكنني مرافقتك. إن كان ذلك سيمنحك قليلًا من الشجاعة، فهو يستحق.”
“يمكننا اكتشافه إذا حاولنا؟”
“ح-حسنًا، فهمت. سأفعل ذلك.”
وعندما كررتُ كلامها، أومأت مي-تشان وبدأت تتحدث ببطء.
“مرحبًا.”
وبعد أن استجمعت شجاعتها للعودة إلى المدرسة، يبدو أنها ما زالت منشغلة بمن قدّم لها الدعم. ظننت أنها تخلّت عن الأمر، لكنها كانت مصرّة على معرفة الحقيقة لتقدّم شكرها.
“أردت مناقشة أمر معك. هل يمكن أن تخصّني بلحظة، من فضلك؟”
كان هناك دليلان. الأول ورقة وُضِعت في كيس الطعام تحوي رقم الغرفة فقط؛ وتشير إلى أنها هدية موجهة لمي-تشان.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ولو كانت الكتابة مميزة، لكان ذلك دليلًا حاسمًا، لكن للأسف…
كانت الورقة مكتوبة عمدًا بطريقة تمنع معرفة صاحب الخط.
يبدو أنها متوترة، إذ كانت تلمس ربطة الشعر بيدها اليسرى من حين لآخر.
“الشخص الذي قدّم لك هذه الهدايا ماكرٌ فعلًا.”
“بالفعل.”
“صباح الخير، أيانوكوجي-كون.”
لم يتبقَّ سوى طريقة واحدة لملاحقة الدليل.
“كوينجي-كون!”
كان صحيحًا أن الطعام كلّه تم شراؤه من متجر المدرسة.
لو كان وجودي سيزعجه، فهذا شيء أودّ رؤيته.
وقد دوّنت مي-تشان كل صنف استلمته.
وهذا يعني أنّ بوسعنا وصف هذه المشتريات للموظف هناك، لمعرفة إن كان أحد الطلاب قد اشترى الأشياء نفسها.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
سؤال الموظفين طريقة كلاسيكية لاكتشاف مُرسل الهدية. لكن بمرور الوقت يتلاشى الحفظ، ولذلك يجب التحرّك بسرعة.
لا أحد يعرف سبب ذلك إلا مي-تشان نفسها.
ظننت أنّ مي-تشان لا تعرف هذا، لكنني فوجئت بجوابها—
“حاولتُ التحدث مع موظف المتجر فور عودتي للمدرسة.”
“ومع ذلك…”
لكن الإجابة لم تكن جيدة.
“لقد ظللتِ تهربين لفترة طويلة.”
“رأيتها فقط في تطبيق OAA. لنتقدم قليلاً.”
لو كنا محققين، لأمكننا النظر في كاميرات المراقبة، لكن بالطبع… هذا غير ممكن.
وبعد انتظارٍ قصير، صار المتجر فارغًا تمامًا.
مع أنّ الكثير من الطلاب يزورون المتجر في عطلة نهاية الأسبوع، إلا أنّهم عادةً لا يمكثون طويلًا.
عندما لا توجد أدلة، لا يملك الطالب العادي حيلة.
ورغم أني كنتُ أعرف أغلب دوافعها، إلا أنّ من الأفضل أن يأتي القرار منها.
“أعتقد أنه لم يكن أمامك خيار آنذاك.”
“ألا ينبغي أن نتعجل؟ قد نفقده.”
“نعم…”
ولا يمكن تضييق الاحتمالات بالمعلومات المتاحة.
ومضى الوقت، مع بقاء التفاصيل مجهولة.
“صباح الخير، أيانوكوجي-كون.”
لكن بعض المعلومات غير المتوقعة وصلت إلى مي-تشان، التي وصلت لطريق مسدود.
مشاهدات زيادة تعليقات او دعم بالذهب يعني فصول اكثر اعزائي القراء.
فقد صادفت مؤخرًا أحد موظفي المتجر أثناء تسوّقها، فناداها.
“ما الأمر؟”
لقد التقى المشرف السابق—الذي نُقِل من المتجر—بالصدفة بالموظف الحالي، وتذكّر أن مي-تشان كانت تبحث عن موضوع معيّن، فأخبره بالأمر.
“هل شجّعكِ حبيبكِ على المجيء إلى هنا؟”
ولأنه لم يَمضِ وقت طويل على تحويله، فقد تذكّر الطالب الذي قد يكون له علاقة بالقضية.
من دون حديثٍ يذكر، اكتفينا بالاستماع إلى الموسيقى المنبعثة من داخل مركز كياكي.
وبناءً على ذلك، حاول الموظف إخبار مي-تشان باسم الطالب الذي ذكره له المشرف.
كنتُ على وشك دخول المتجر أولًا، لكن مي-تشان أمسكتْ طرف كمّي.
لكن—
“إنها إينوشيما ميدوريكو من الفصل 3-B.”
“تفاجأتُ… أو بالأحرى، صدمتني المعلومة غير المتوقعة، فقلت لهم إنني سأعود لاحقًا لسماع المزيد… وهربت.”
“حسنٌ. سأخبر هوريكيتا إذن أنه لا حاجة لحمايتك.”
“هربتِ؟”
“كيف تعرفين اسمي؟”
“لقد… هربت…”
“إذن عليك الذهاب إلى متجر المدرسة.”
“بالمناسبة، متى سمعتِ هذا الكلام؟”
“أم… هذا…”
فكّرت قليلًا، وقررت الإجابة بصدق.
كنتُ جالسًا على أريكة الصالة في السكن، أترقّب لقائي مع مي-تشان.
“…اليوم هو اليوم السادس.”
“هذا مجرد احتمال، لا حاجة للذعر.”
“لقد… ظللت أهرب…”
“أفهم…”
واحمرّ وجهها خجلًا، أو ربما خزيًا من تصرفها.
ها هو السؤال الذي طال انتظاره. الداعم المجهول. هل سيعترف؟ هل سيتفاجأ؟ هل سينكر؟
“أظن أنّ عليّ الذهاب قريبًا، لكن… أشعر بالتوتر… إن لم أعرف من هو، يمكنني تجاهُل الأمر، لكن عندما أعرف… لن أستطيع التظاهر بالجهل. والأهم… أن الشخص الذي أرسل الطعام لم يُظهِر نفسه، ربما لا يريد أن يُعرَف، صحيح؟”
“ذلك لو كنتُ أنا. فمثلًا، لو كانت لا تربطني به علاقة، فسأتردد. وهناك حالات يكون من الأفضل فيها ألا يعلم أنكِ كنتِ تبحثين عنه.”
لقد أرادت دائمًا شكر ذلك الشخص… حتى وإن لم تعرف هويته.
كانت الموظّفة امرأة في العشرينيات من عمرها، رأيتها كثيرًا في الآونة الأخيرة.
لكن ما دام مجهولًا، ظلّت مقتنعة بأنها لا تستطيع فعل شيء.
ومع هشاشة مشاعرها، فلا غرابة أنها هربت.
“هذا صحيح.”
“آه… هذا نوع غريب من الهدايا.”
لقد دعمها من الظلال دون أن يكشف نفسه.
وكان هذا فعلاً الخيار المعقول.
وعدم الرغبة في الظهور أمر محتمل.
“نعم…”
“ما الأسباب التي قد تدفعه لإخفاء هويته؟”
وفي النهاية، لا سبيل لمعرفة نواياه الحقيقية إلا بمقابلته والتحدث إليه مباشرة.
“الأسباب كثيرة.”
كانت مي-تشان، التي تميل عادة إلى التفكير المسبق والتأني، مرتبكة تمامًا من ردّه غير المتوقع. بل حتى أنا شعرت بالدهشة.
قالها ضاحكًا، ثم استدار وغادر.
“مع ذلك… أنا متأكدة أنه زميلٌ لنا… ليست لديّ صديقات كثيرات، لكني لا أظن أن إحداهن ستخفي الأمر عني. لا أستطيع فهم السبب…”
“آسف. أردت فقط سؤاله عن بعض الأمور الغريبة، وتحمست قليلًا.”
يبدو أن مي-تشان تحاول تخمين أي صديقاتها قد يكون الفاعل.
“ه-هل يمكن؟”
لكن من غير المتوقع أصلًا أن يرسل شخص غريب هدية كهذه.
“هذا مجرد احتمال… لا، لا بأس.”
“لكن ربما— بما أنه كوينجي، يمكنكِ تجاهله وعدم شكره؟”
“ما هو؟ أخبرني، أرجوك.”
“قائد الوردية السابقة لم يتذكر اسمه، لكنه كان مميّزًا للغاية، ولذلك عندما وصفتِهِ، تذكرتُه فورًا. إنه أحد طلاب فصلكما، كوينجي… أم، روكوسوكي-كون، فيما أظن. يبدو أنه هو من اشترى الأشياء التي تطابق ما أحضرتِه.”
ترددتُ قليلًا، خشية أن يكون ثقيلًا عليها، لكن مي-تشان كانت تترجاني.
“أرجوك، أخبرني.”
كان بإمكاننا تهديده وإجباره.
وحين طلبت ثانيةً، قررت المتابعة.
“آه، هكذا إذن. لكن ربما يوجد احتمال—”
“اعذريني… لكن ليس شرطًا أن يكون من فصلنا. صحيح أن سبب غيابك لم يكن معروفًا، لكن معرفة غيابك لم تكن صعبة.”
كان كوينجي وسط تدريبه.
“لكنني لا أتعامل مع طلاب الفصول الأخرى أصلًا…”
“ليس الأمر متعلقًا بمدى قربك منهم. فليس ضروريًا أن تكون لديكم علاقة. وليس شرطًا أن تكون فتاة.”
ضحك ضحكة عالية.
“إه؟ ماذا؟”
وهذا بعيد عن مشاعر الحب أصلًا.
وقد بدت مذهولة، فتعاملها مع الذكور أقل بكثير.
“ليس لدي أي فكرة. بطريقة ما، هو الشخص الأقل وضوحًا في الدافع.”
“لأكن صريحًا… قد يكون مثلًا فتى يُكنّ لك الإعجاب سرًا. وقد قلق عندما غبتِ، فأرسل لك الطعام.”
ومع أنه اشترى مشروبه للتو، ما يعني عادة أنه سيجلس طويلاً…
“إييييييه!؟ م-ماذا!؟”
“أوه… جمعتُ شجاعة كبيرة لأتحدث معه هذه المرة… لا أظنني قادرة على تجربتها مجددًا…”
كدتُ أظن أنها ستسقط من وقع الصدمة. حاولت ضبط نفسها، لكنها لفتت الأنظار.
ولمّا أدركت ذلك، أخذت نفسًا بطيئًا، لكنها بقيت متوترة تمامًا.
“هذا ما خطر لي… لكن لا يبدو أننا بحاجة للاستعجال.”
“إذن سنلحق به.”
فقد لا يكون الأمر كذلك أبدًا. كنتُ فقط أضرب مثالًا غير متوقّع.
وتركت مي-تشان تنتظر أمام باب الصالة بينما ألقيت نظرة داخلها.
“ن-ن-نعم، صحيح!؟”
لكنها كانت بعيدة كل البعد عن الهدوء.
“هل تعرفها؟”
ساد توتر غريب، لكن كان واضحًا ما ترغب فيه.
“لنعد للموضوع. من الأفضل أن تتخذي قرارك الآن، أليس كذلك؟”
ربما يكون التخلص منه خيارًا… لكن—
“لا أعلم ماذا أفعل الآن. هل أبحث عن هويته؟ هل أشكره؟”
“من الأفضل أن تتخذي قرارًا.”
انحنتْ بسرعة، فابتسمت الموظّفة بلطف.
وأومأت مي-تشان قليلًا، دون كثير ثقة.
“ماذا كنت ستفعل لو كنتَ مكاني يا أيانوكوجي-كون؟”
فهمت الآن… فهو لا يقبل أي عمل فيه نية للحصول على مقابل.
“ماذا كنت سأفعل، هاه…؟”
“إذًا… كوينجي لا يعلم شيئًا عمّا سيحدث اليوم.”
“صباح الخير.”
“لا أعلم إن كان هذا سيفيدك، لكن لو كنتُ مكانك، لأردت معرفة هويته أولًا. وبعد ذلك أقرر ما إذا كنت سأقترب منه أو لا.”
لم تستطع استيعاب الأمر بالكامل، لكنها لم تملك إلا أن تقبل به.
“إذًا هناك احتمال أن لا تشكره حتى لو عرفت هويته؟”
“عذرًا؟”
“هذا منطقي.”
كانت تحمل حقيبة ورقية بداخلها هدية شكر، على الأرجح اشترتها في اليوم السابق.
لقد ساعد شخصٌ ما من يحبّ سرًا.
لم أفهم لماذا استخدم كلمة غريبة للإشارة إلى “مواعيده”، لكن الأرجح أنه لن يتحدث معي قريبًا.
وإن جاءت تشكره بعد أن عرفت هويته من المتجر… ستكون صدمة.
لكن بالنسبة لي، كوينجي كان معروفًا بأنه مبذّر.
وهذا بعيد عن مشاعر الحب أصلًا.
“أنا من وضعها. ولكن… ما أهمية ذلك؟”
“وعندما يريد الطرف الآخر الحفاظ على سريته، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا.”
“…صحيح.”
…
“وفوق ذلك… السؤال الأهم… هل تستطيعين أن تبقي الأمر سرًا بعد أن تعرفي هويته؟ من نظرتي إليك… لا أظن أن هذا يناسبك يا مي-تشان.”
إن بقينا نتردّد فسيصل زبونٌ آخر.
“ذلك… صحيح…”
فلو عرفت الجواب، ستفشل في إخفاء مشاعرها.
“عذرًا؟”
“ليس سيئًا أن تتخلي عن الأمر.”
“نعم. بدأت الذهاب إليها مؤخرًا. كوينجي يأتي غالبًا صباحي يومي السبت والأحد.”
“ومع ذلك…”
“حتى لو أدى ذلك إلى الندم؟”
لكن مي-تشان تشعر بالذنب لأنها لم تتمكن من شكر من ساعدها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وقد عاد هذا الشعور الآن ليُثقل قلبها من جديد.
حتى لو تجاهلت الأمر، فسيستغرق وقتًا طويلًا حتى يهدأ داخلها.
“…نعم.”
“بمجرد أن تفتحي صندوق باندورا… لن تستطيعي إغلاقه.”
“لا بأس، لكن… أم…”
وفوق ذلك، فإن قرار تجاهل معرفة الهوية يحمل فائدة بحد ذاته.
“لا يبدو أنّ هناك خطأ.”
فعندما تُعرَف هوية «الظل الذي دعمها»، تتغير نظرتها إليه مهما كان هو.
لماذا كوينجي؟
“أنا…”
“ومع ذلك…”
وبعد وقتٍ كافٍ للتفكير، قالت—
ثم انحنت بعمق.
“أنا… أريد أن أعرف…”
“هل ندخل؟”
“حتى لو أدى ذلك إلى الندم؟”
وحين رأيت مي-تشان تهبط من المصعد عبر شاشة المراقبة المثبّتة، نهضتُ من على الأريكة الغائرة.
“…نعم.”
ومع ذلك، لم يُعطِ كوينجي يومًا انطباع شخصٍ يخفي اهتمامه بامرأة تثير إعجابه.
وبعد أن اتخذت قرارها، لم يعد لي أن أقول شيئًا آخر.
“ما هو؟ أخبرني، أرجوك.”
“أنت تختار كلماتك جيدًا، يا فتى أيانوكوجي. لن تدعني أقول إنه كان مجرد مزاج طارئ. نعم، لم أساعدها لمجرد نزوة. أنا أمقت الرياء، لكني لا أحتقر النية الطيبة. وحين أشعر بدَينٍ صادق، فمن الطبيعي أن أردّه. هذا كل ما في الأمر.”
ومع ذلك، بقي على وجه مي-تشان ذاك التردد… وكانت تنظر إليّ.
“…”
فقد رأينا كوينجي، دون خجل، عائدًا في الاتجاه الذي جاء منه.
“…”
وكان كوينجي، كما هو دائمًا، كالصخرة الثابتة، لا يهتز مهما حاولت.
“هل نذهب معًا إلى المتجر؟”
“إذًا، لديكِ موعدٌ مع كوينجي، صحيح؟”
“ه-هل يمكن؟”
“ما الأمر؟”
هل قرأ أفكاري؟ لا… إنه حدسُه الوحشي.
“ش-شكرًا لك، أيانوكوجي-كون!”
“ه-هل يمكن؟”
وبأقوى إيماءة رأيتها منها اليوم، سارت مي-تشان معي نحو متجر المدرسة.
❃ ◈ ❃
(1)
“متى نذهب؟”
وصلتُ أنا ومي-تشان إلى متجر البقالة بسرعة بالغة.
“هل يمكنك الانتظار قليلًا…؟ يبدو أنّ هناك طلابًا آخرين أيضًا.”
اعتذرت بخفة لمي-تشان التي تركتها تنتظر.
“أترغبين بالانتظار حتى لا يكون أحد موجودًا؟”
“هذا غير مرجّح، لكن… الشخص الذي ساعدني قد يكون هنا.”
“هذا مجرد احتمال… لا، لا بأس.”
“أفهم.”
“ذلك… صحيح…”
“أوه؟ يا فتاة وانغ ويا فتى أيانوكوجي. أتيتما تركضان خلفي مجددًا؟ إنه لأمرٌ مرهق أن تكون محبوبًا هكذا. هاهاها.”
“وعلى ذكر ذلك… ما الهدية التي اشتريتها له؟”
“هل ندخل؟”
“ن-نعم!”
“ولا أنا…”
دخلنا المتجر بسرعة.
“مرحبًا— آه.”
يا له من سوء فهم… لكنه على الأرجح أنهى مهمته.
وصل اليوم التالي. كان ذلك قبل الساعة الحادية عشرة والنصف بقليل من صباح يوم السبت.
عندما أبصرت مي-تشان، توقّفت منتصف الجملة ثم أكملتْ بابتسامة.
“كيف كان الوضع؟”
“مرحبًا.”
ولذا ربما كان قوله مجرد حيلة لرفض أخذ النقود.
“مرحبًا. أ-أعتذر لأنني هربتُ في ذلك اليوم!”
بل على العكس، لو كان مغرمًا بإحدى فتيات الفصل، لظهر عليه، ولسعى هو نفسه لإبراز اهتمامه.
وبعد أن تأكدتُ من طلبه لمشروبه وجلوسه، لاحظت وجود فتاة تجلس قبالته على طاولة لشخصين.
“لا بأس، لا بأس، لستُ منزعجة على الإطلاق. لا بدّ أنّ الأمر كان مخيفًا، أليس كذلك؟”
يبدو أنها فهمت الاضطراب الداخلي الذي مرت به، فأومأت مي-تشان عدة مرات.
“أم… كوينجي-كون! هل يمكن أن آخذ دقيقة من وقتك!؟!”
ولتجنب أي موقف محرج، خرجت سريعًا من قاعة التدريب.
“هـه؟”
رفعت مي-تشان رأسها في حيرة.
خرجنا من باب جانبي، ووصلنا إلى الجهة المقابلة بعد عدة دقائق.
“يا له من حبيب وسيم، أشعر بالغيرة.”
“أم… هذا…”
“هـه، هـه، هـه؟ ح-حبيبي؟”
دخلتُ مركز كياكي، الذي كان قد فتح أبوابه بالفعل، ثمّ صعدتُ إلى الطابق الثاني بلا أي التفاف.
“كيف تعرفين اسمي؟”
ولحسن الحظ لم يكن في الصالة أحد، وإلا لكان الأمر محرجًا لو رآها أحدهم.
“حسنًا، نحن نستخدم بطاقات الطلاب للدفع في المتجر، لذا انتهى بي الأمر بحفظ أسماء بعض الطلاب.”
“وأيضًا— كنت تتسوّق متشابكًا مع طالبة أخرى، أليس كذلك؟ في ذلك اليوم… آه!؟”
صحيح أننا نستخدم بطاقة الطالب، التي تحتوي على الاسم والصورة، عند الدفع.
وإن كان هذا حاله… فقد يكون الأنسب استغلال الوضع واستبعاده.
وبما أنني أشتري من هنا عدة مرات، فليس من المستغرب أن يتذكروني.
“يبدو أنها كانت بميزانية كبيرة.”
“يبدو أنّ ردّة فعلكِ تشير إلى أنكِ لاحظتِ شيئًا ما، لكن افتراضكِ خاطئ. إنها صديقتي.”
وعندما أشرت إلى مي-تشان وقلت ذلك، أومأتْ بدورها تأكيدًا.
“نعم. ظننت أنه قد يقبل منشفة فاخرة مصنوعة من القطن العضوي… آه…”
“لا يوجد!!”
“أم… هذا…”
للمرة الأولى، أنكرت مي-تشان بقوة.
“هل تأتي معي؟”
لم تكن لدي أي مشاعر تجاهها، لكن لسبب ما شعرتُ بخيبة خفيفة.
وبما أن مي-تشان تُكنّ الإعجاب ليوسوكي، فهي بالتأكيد لا تريد أن يساء فهمها.
“مستعدًا؟ أتساءل ماذا قد تفعل.”
“إذًا، أمّا عن الشخص الذي كنتُ أبحث عنه…”
“ماذا سنفعل؟ لو فقدنا أثره، فلن يبقى أمامنا سوى الاستسلام.”
“آه، صحيح. هل أخبرك؟ هل هذا مناسب؟”
تحقّقت الموظّفة بلطف مراعاةً لمشاعر مي-تشان.
على أي حال، كان على وشك الانتهاء. ومن المؤكد أنه سيتجه للاستحمام ثم يغادر.
“نعم. جئتُ لهذا السبب.”
“حسنًا، سأخبرك إذًا.”
“ن-نعم.”
بعد أن أخذت نفسًا، كشفت الموظفة عن هوية الشخص الذي طالما رغبت مي-تشان في معرفته.
“ولكن…”
(1)
“هاه…؟”
اسم الشخص الذي قدّم الهدية— الحقيقة التي كانت تتوق لاكتشافها.
“سأتكفل بالأمر لو اكتشف أننا نتبعه. هيا بنا.”
وكان… كوينجي؟
“عذرًا؟”
لماذا كوينجي؟
“أوه… أوه لا…”
كانت مي-تشان بجانبي مصدومة بلا شك، بل مذهولة.
اسمٌ غير متوقّع… بل أكثر من اللازم.
…أو ربما لم يكن مفاجئًا إلى ذلك الحد؟
كان كوينجي ومي-تشان نادرَي الاحتكاك.
لكن كانت هناك لحظات رأيته فيها يتصرّف تجاهها بلطف نسبي.
(1)
“هـو… هل كان حقًا كوينجي-كون؟”
أومأت الموظفة بلا أدنى شك.
“ن-نعم.”
“إيه؟ أنتِ ذاهبة لرؤية كوينجي بعد هذا، صحيح؟”
هذا بلا شك كوينجي.
لا أحد يشبهه في المدرسة، ولن يكون.
“آه، أم… أيانوكوجي-كون.”
“لا يبدو أنّ هناك خطأ.”
لم يكن الأمر مجرد تهديد لطالب واحد.
“نعم، حتى محتوى الهدية يشبه كوينجي. صار الأمر منطقيًا الآن.”
“ذلك… صحيح…”
“نعم…”
أخرجت مي-تشان هاتفها وفتحت التقويم.
شكرت الموظفة وغادرنا المتجر.
كانت مي-تشان لا تزال شاردة بعد الخروج، غارقة في أفكارها.
تحدثت مي-تشان بصوت مهذب، لكنه يحمل إصرارًا داخليًا.
“كوينجي-كون…؟ لماذا؟”
بل تهديد لشيء قد يمسّ وضع الفصل نفسه.
“ماذا أفعل…؟”
“لا أحب أن يحظى الرجال باهتمامي… لكن يبدو أنك شديد الفضول يا فتى.”
هل تتساءل عن كيفية شكره، أم أنها متحيرة لأنه… كوينجي؟
“ن-ن-نعم، صحيح!؟”
“هـه، ماذا!؟ لا، لا يمكنني ذلك!”
على الرغم من أنني لم أكن واثقًا تمامًا، إلا أنني كنت أعلم بوجود فرصة جيدة للعثور عليه.
“ولماذا؟”
يبدو أنه كان يباشر تمرين البنش برس، وعلى الأرجح أوشك على إنهائه.
“حسنًا… إنه زميلنا، كما أنه أنفق مبلغًا كبيرًا على الهدايا.”
“لا أتذكر شيئًا… لكن… من فضلك… خذ هذه على الأقل.”
حتى لو كان يملك قدرًا هائلًا من النقاط الخاصة، فالمال يبقى مالًا.
ومثل هذه الفتاة الودودة لا يمكنها تجاهل ذلك.
سيكون قاسيًا أن تبقى مستيقظة طوال الليل وهي تفكّر في كوينجي.
“أفكّر في شراء هدية شكر. هل يجب أن تكون مساوية تقريبًا للمبلغ الذي أنفقه؟”
“نعم…”
“هذا كثير. أظن أن النصف يكفي.”
“أفهم…”
كانت الهدية عمل خير، وكفاية أن يصل شعور الامتنان.
“ح-حسنًا، فهمت. سأفعل ذلك.”
فالطلاب يزورون المركز يوميًّا وجميعهم يمتلكون خريطة ذهنية له.
“وما عليكِ بعد ذلك إلا تقديم الشكر بطريقة مناسبة.”
محاولة فهم ما يدور في رأس كوينجي مضيعةٌ للوقت.
كنتُ على وشك توديعها والبدء بالمشي وحدي حين—
“نعم…”
“هل تأتي معي؟”
“عذرًا؟”
“إلى… منزل كوينجي-كون.”
“ولا أنا…”
سؤال “لماذا” سيكون مبالغًا فيه، لكن وجودي هناك غريب بالفعل.
“…”
ثم إن سبب مساعدة كوينجي لها لا يزال لغزًا.
“أريد سؤالك على انفراد.” قلتُ له.
“ماذا لو كان افتراضك صحيحًا؟ مهما قلتَ أنك تواعد كي، فقد تراوده أفكار لو رأى فتى يرافق الفتاة التي يحبها.”
“ربما… ومع ذلك، أليس من الأفضل أن ننتظر هنا حتى ينتهي حديثهما؟”
“لكن الشخص المعني هو كوينجي-كون، أليس كذلك؟”
“حتى كوينجي فتى ثانوي عادي… لا، ليس عاديًا في الحقيقة…”
قررنا إذن مراقبة كوينجي وتتبع خطواته عن بُعد.
“حسنًا، لنذهب معًا الآن. وبناءً على الوضع، قد أرحل بمجرد رؤيتي كوينجي. أتمنى أن تتفهمي ذلك.”
احتمال أن يضطرب بسبب وجودي كان واردًا بالفعل.
“أفهم. شكرًا لك.”
بدت وكأنها لا تريد المطالبة بأكثر من ذلك، فوافقت بسهولة.
“مهلًا. قد لا يخصّني الأمر… لكن شيئًا ما يثير حيرتي. من الطبيعي أن يساعد الإنسان شخصًا محتاجًا. لكن، بصراحة، مما أراه منك… أنت لا تساعد الجميع. ومع ذلك، ساعدت مي-تشان. وتكرر هذا أكثر من مرة. مما يدل على وجود سبب خاص.”
“متى نذهب؟”
“إيه؟”
“كيف كان الوضع؟”
“قد يكون الأمر مفاجئًا، لكن… هل يمكننا الذهاب في وقت مبكر غدًا؟ إن انتظرنا طويلًا، فقد أعجز عن النوم…”
شيء واحد كان واضحًا: لم يكن يملك أي مشاعر رومانسية مفاجئة تجاهها.
“كيف كان الوضع؟”
لدي موعد مع كي صباح الغد، لكن يمكن تعديل الوقت.
“شكرًا لك على اليوم. سنلتقي غدًا مجددًا، لكن الآن… تقبّل مني أسمى عبارات الامتنان.”
ثم انحنت بعمق.
وبعد وقتٍ كافٍ للتفكير، قالت—
كانت ترغب في التعبير عن شكرها مرة أخرى بعد أن تُحلّ الأمور، لكنني كنتُ قد رفضت ذلك مسبقًا.
(2)
❃ ◈ ❃
(2)
كانت كي، التي تسلّلت وباتت سرًّا في غرفتي ليلة الجمعة وقضت معي الساعات الأولى من الصباح، نائمة بعمق. كنت أنوي تأجيل موعدنا الأصلي الذي خططنا له بعد الظهر.
وهكذا… هل علي متابعة قيادتي لهذا الموقف أيضًا؟
“صباح الخير.”
“صباح الخير، أيانوكوجي-كون.”
دخلنا المتجر بسرعة.
وبالطبع، هناك عدة متاجر على طريق كوينجي، لكنها ليست عميقة المساحة، ويمكن رؤية جميع الزبائن فيها بمجرد النظر.
“إذن؟ أين ستلتقين بكوينجي؟”
“إيه؟”
ولم يكن يحمل مشروبه، فربما أنهى شربه بسرعة.
“آه يا فتاة… أنت معقدة حقًا. ألم أقل؟ إنه أمر بسيط لا يحتاج إلى تذكر. ليس أكثر ولا أقل. ولا يوجد ما يقال بعده.”
“نعم.”
“لنواصل تتبعه!”
“هذا جزء من المفاجأة.”
“…في الحقيقة، لا…”
مع جواب مي-تشان، تجمّد الهواء من حولنا. خيّم الصمت، وانساب الزمن ببطء. لكن لم يكن بإمكاني البقاء صامتًا إلى الأبد، فدفعتُ عجلة الوقت إلى الأمام.
أومأت مي-تشان موافقة، وبدا وكأن دموعها على وشك الانهمار.
“لا بأس إن حدث ذلك.”
“آه… هذا ما كان ينبغي أن يحدث، أليس كذلك؟ لم أفكر إطلاقًا… كنت متوترة وقلقة، ولم يكن عقلي يعمل. ولا أملك حتى وسيلة للتواصل مع كوينجي-كون. ظننتُ أنك رتبت الأمر مسبقًا… فهمت الأمر خطأ… أنا آسفة جدًّا!”
“ماذا أفعل…؟”
وأثناء حديثها، لم تستطع مي-تشان حبس دموعها أكثر.
“نعم.”
بدت عبارته غريبة.
“أولًا، عليك الهدوء. لستُ قريبًا جدًّا من كوينجي، لكنني أعرف أين يمكن أن أجده.”
“حقًا؟”
“أظن أن كوينجي يكون عادةً في هذا الوقت في الصالة الرياضية.”
“لا يوجد!!”
“…الصالة الرياضية؟ التي في الطابق الثاني من مركز كياكي؟”
Arisu-san
كنت قد رأيته عدة مرات يغادر بعد إنهاء تدريبه عند الظهيرة.
وبعد أن لاح لها بصيص الأمل، استعادت مي-تشان رباطة جأشها، وانطلقنا نحو مركز كياكي.
وأنا في الطريق، نظرت إلى مي-تشان التي ما تزال عينها محمرّتَين قليلًا، وراودتني فكرة: إنها طالبةٌ مجتهدة وهادئة، لكنها هشّة جدًّا في مواجهة المواقف المفاجئة.
“لا يوجد!!”
لم تكن شخصية نادرة، ولا شائعة تمامًا، بل نموذجٌ يمكن العثور عليه بين طلاب الثانوية في أي مكان.
وهذا ما جعل علاقتها بكوينجي مثيرةً للاهتمام.
“ن-نعم.”
ربما كانت قد وافقت هوى كوينجي بلا قصد، وكان يمنحها اهتمامًا سرّيًا.
وحسب تفاصيل الامتحان القادم، قد يشكل عبئًا على هوريكيتا.
وعدم مبادرته يتناقض مع شخصية رجلٍ واثقٍ إلى هذا الحد. فإن كان هذا ما يعنيه، فلا بد أنّ كوينجي لا يملك تلك الثقة المطلقة في نفسه… أو لعل الأمر مختلف تمامًا.
لكل إنسانٍ طريقته. ربما سيقول كوينجي إنه يفضّل الابتعاد عن النساء اللواتي يفضلّهن، وإن ذلك في نظره أسلوبه الخاص في التعبير عن المودة. فكرت في ذلك طويلًا، لكن لم أصل إلا إلى نتيجة واحدة:
“هل ستفتح ذلك الصندوق؟ قد يجعلك تعيد تقييم مبالغتك بثقتك.”
“كما توقعت، إنه هنا.”
“يمكننا اكتشافه إذا حاولنا؟”
كان كوينجي وسط تدريبه.
فهو دائمًا يختم تدريباته بهذا التمرين قبل مغادرة الصالة.
وعلى الرغم من الإرهاق الذي بدا عليه، كان يرفع مئتي كيلوغرام بابتسامة تعلو وجهه وعرقٍ غزير يتصبب منه.
“قد يبدو غريبًا، لكنني ظننت أنه سيعجبه. أراه يستخدمهما دائمًا.”
ومسح كوينجي شعره بخفة.
كان واضحًا أن مي-تشان لم تستطع الالتزام بنصيحتي بشأن شراء هدية بسيطة.
“بكم كانت؟”
“أم… ن-نعم. آسفة…”
“بكم كانت؟”
“حسنًا… حوالي 12 ألف ين.”
وبأسلوبٍ مراقب، حاولت دفعه قليلًا نحو الإيضاح.
كانت تساوي تقريبًا نفس سعر المواد التي تركها كوينجي لها أو تزيد قليلًا. وكان هذا متوقعًا جدًّا من مي-تشان.
“لا بأس. أتمنى أن تعجب كوينجي.”
“نعم. يجب أن أرد له جميل مساعدته.”
وعلى الرغم من التوتر، أجابت مي-تشان بحزم. وربما كان اختيار هديةٍ تفوق الميزانية قرارًا صائبًا.
وحين انتظرنا قرابة أربعين دقيقة — أطول مما توقعنا — ظهر كوينجي خارجًا من الصالة.
“هل… دخل الحمام؟”
“ل-لقد خرج.”
ومسح كوينجي شعره بخفة.
ومن زاويتنا، بدا كوينجي وكأنه لاحظ وجودنا فورًا، لكنه لم يغير تعابيره، وتجاوزنا بلا كلمة… وكأننا خارج دائرة اهتمامه. ورؤية تصرّفه هذا جعلت من الصعب تصديق أنه يحمل أي مودة تجاه مي-تشان، أو أنه كان يدعمها سرًّا.
“…صحيح.”
ولكن، وبناءً على شهادة موظفة المتجر، كنا نؤمن بنسبة 99% أنه هو.
ولذا لم يكن أمامنا إلا التأكد مباشرة منه.
نهضت مي-تشان بسرعة من المقعد، ولحقت بكوينجي.
“هل لك حاجةٌ منّي، أيتها الفتاة وانغ؟”
“إه؟ وانغ… ماذا؟”
يبدو أنه كان يشير إلى اسمها الحقيقي: “وانغ (王) مي-يوي”، مستخدمًا لقبًا لا يستعمله سواه، مما سبب ارتباكًا لمي-تشان.
لم تستوعب معنى اللقب، لكنها ابتلعت حيرتها وشدّت قبضتها على كيس الهدايا.
“هل لديك وقت؟”
تردد كوينجي قليلًا، ثم لوّح بيده وهزّ رأسه.
“آسف، لكنني مشغول قليلًا الآن. نتحدث في وقت آخر. هاهاها.”
قالها ضاحكًا، ثم استدار وغادر.
“أوه… أوه لا…”
“ما الذي يمكننا فعله الآن…؟”
“و-وإن لم تعجبك… فلا بأس إن لم تقبلها. ولكن… هل تسمح لي على الأقل بدفع ثمن ما اشتريته لي؟ المبلغ ليس قليلًا…”
“نجرب مرة أخرى؟”
وبالفعل، كان من الصعب عليها الاقتراب من كوينجي مرة أخرى بنفس الظروف. وهذا يعني أننا مضطرون لإنهاء الأمر اليوم.
“نعم…”
“إذن سنلحق به.”
“إلى… منزل كوينجي-كون.”
“عادةً، نعم. لكن إن لم تكوني قادرة على إعادة المحاولة، فمهما كان الإزعاج، يجب أن نمضي قُدمًا، أليس كذلك؟”
“يبدو أنه متجه إلى المقهى. وهذا يسهل الأمر علينا.”
ولأن الأمر مجرد تتبعٍ من بعيد، كنت أعتقد أنه لن يكترث.
“ماذا نفعل…”
كانت مترددة بين التقدم والتراجع، لكن من سلوكها كان واضحًا أنها تريد المتابعة.
“ن-نعم! إذن… نتبعه خلسة!”
ولم أرَ داعيًا لجعل الأمر سرًّا، لكن بما أن مي-تشان كانت متحمسة، لم أعارضها.
“…”
وبينما هبط كوينجي عبر السلم الكهربائي بخطوات واسعة، كنت أتفقد اتجاه سيره ببطء وأسمح لمي-تشان بأن تبقى خلفي.
“لا بأس إن حدث ذلك.”
“لا يبدو أنّ هناك خطأ.”
أومأت الموظفة بلا أدنى شك.
“كوينجي-كون…؟ لماذا؟”
وعند أسفل الدرج، رأيت ظهر كوينجي وقد ابتعد قليلًا.
“أجل.”
“من هذه؟”
“نعم…”
“هل تعرفها؟”
“هذا مجرد احتمال… لا، لا بأس.”
“لكن… ألن يرانا كوينجي-كون لو اقتربنا؟”
“هذا طبيعي. لن أتغير حتى أتخرج. وبعدها أيضًا. مهما اجتهدتم، لن تصل حِيَلُكم إلى قلبي، ولا حتى أنت.”
وكان هذا فعلاً الخيار المعقول.
“هـو… هل كان حقًا كوينجي-كون؟”
ولم أكن مهتمًا على الإطلاق بمعرفة ما يتحدثان عنه.
“بصراحة… أود أن أعرف نوع الأحاديث التي يجريها كوينجي-كون عادة.”
“هاهاها!”
بدا أن مفتاح الفضول قد اشتعل داخل مي-تشان، وصارت مترددة في الاقتراب.
“تقصدين… التنصّت؟”
“أعلم أنه خطأ… لكن… ربما لا يصرّح بما يشعر به، وقد نجد بعض الدلائل من كلامه!”
لم أظن ذلك محتملًا، خاصة أن إينوشيما لا علاقة لها بالأمر…
“لنواصل تتبعه!”
“إن كان هذا يرضيكِ يا مي-تشان، فلا مانع لدي. لنتحرك من هذا الجانب.”
وكان قد صرّح سابقًا بأنه “لا يبيت المال معه حتى ليلة واحدة”.
وبما أن كوينجي منشغل بالحديث، ففرص ملاحظته لنا ضئيلة. ومع ذلك، لو دخلنا مجال رؤيته، فالأمر مجهول.
“هذا صحيح.”
“افعل ما تشاء. وفي كل الأحوال… لا فائدة من محاولة إلزامي بشيءٍ لا أرغب فيه.”
لكن—
حين عدنا إلى المقهى، لم يكن كوينجي موجودًا.
وحدها إينوشيما كانت هناك ترتشف عصيرها وتحدق في هاتفها.
“بدأت أشعر بالتوتر قليلًا.”
“هل… دخل الحمام؟”
“هل تعرفها؟”
“…لا. مشروبه غير موجود. مستحيل. لا بد أنه أنهى حديثه معها وغادر في تلك الدقائق القليلة.”
“يعني… لن نراه اليوم؟”
“…”
“أنا… أريد أن أعرف…”
“كوينجي-كون!”
وجود طالب واحد أقل يحتاج للحماية يمنح الفصل أفضلية.
لقد ساعد شخصٌ ما من يحبّ سرًا.
“هل لديك وقت؟”
ومرتبكة من العجلة، تحدثت مي-تشان بسلاسة هذه المرة.
(1)
“بالطبع. لقد أنهيت أموري أسرع مما توقعت.”
“طالما أننا نعيش وفق قواعد هذه المدرسة، فلن تكون هناك نية طيبة حقيقية. أأنا مخطئ؟”
كان قد أجرى لقاءً قصيرًا مع إينوشيما-سينباي. ولا فكرة لدي عما قد دار بينهما.
“هل… أنت يا كوينجي-كون… من وضع أغراض المتجر أمام باب غرفتي حين تغيبت عن المدرسة…؟”
“كيف كان الوضع؟”
“…”
“هل نذهب معًا إلى المتجر؟”
“أو-أم… لِمَ… فعلت ذلك…؟”
“لماذا؟ حين أرى أحدهم في ضيق، أساعده. أليست هذه صفتك أنتِ أيضًا؟”
“هذا مجرد احتمال… لا، لا بأس.”
“…إه؟”
“بدأت أشعر بالتوتر قليلًا.”
وبعد جواب منطقي، عجزت مي-تشان عن الرد.
“إن كان هذا يجيب سؤالك، فيمكنك الانصراف الآن، أليس كذلك؟”
“كما توقعت، إنه هنا.”
لم تعرف مي-تشان ما تقول.
كان يتحدث بنبرة تبدو راقية، لكن مي-تشان لم تفهم شيئًا. بدت ضائعة تمامًا.
“هل انتهينا؟”
“…إه؟”
وهنا فقط استعادت مي-تشان قدرتها على الحركة من جديد.
“…ل-لا أتذكر أنني فعلت شيئًا لك. لا أظن أنك مدين لي بشيء. ومن كلامك… يبدو وكأنني ساعدتك من قبل…”
“هل ندخل؟”
ومسح كوينجي شعره بخفة.
“هاهاها!”
ضحك ضحكة عالية.
“وهذا بالضبط سبب عدم حاجتك إلى تذكره. لقد كان أمرًا بسيطًا للغاية. لا يستوجب الامتنان. ولا يزيد ولا ينقص على ذلك.”
وكان هذا هو جوهر الأمر. لقد ساعدته مي-تشان مرةً دون أن تدري، وهو يردّ لها المعروف منذ ذلك الحين. وحتى حين تغيبت عن المدرسة، كان يقدم لها المساعدة.
“هل يمكنني الذهاب الآن؟”
“لا أريدها. لا حاجة لشكرك.”
“بدأت أشعر بالتوتر قليلًا.”
“لسوء الحظ، لست بحاجة إلى المال الآن. ولا أريده.”
بدت عبارته غريبة.
ولأي طالب عادي، لم يكن فيها شيء ملفت.
“أجل.”
صحيح أنه قد يقول إنه يدخر الآن، لكن شراءه شاشة تلفاز كبيرة مؤخرًا يوحي بأنه ما يزال ينفق بكثرة.
“و-ولكن هذا يضعني في موقف محرج… أشعر بالذنب… على الأقل… هل تخبرني بما فعلته لك؟”
يبدو أن مي-تشان استنفدت كل ما يمكن قوله.
وبانكسار طفيف، انحنت مجددًا في اعتذار.
“هل يمكنني الذهاب الآن؟”
“ن-نعم.”
“الأمر مهم. لو كنت تشعر بالامتنان، فقد تتعاون مع الفصل مستقبلًا، صحيح؟”
“ش-شكرًا لك، أيانوكوجي-كون!”
“هذا كلام فارغ يا فتى أيانوكوجي. الفصل يحتاجني لكي يفوز، ولأجل ذلك يجب أن تظهروا حسن النية نحوي. وذلك هو الرياء بعينه.”
“كوينجي-كون!”
“ربما.”
“وأنت تعلم هذا جيدًا. لا يمكنك كسب ولائي. لا أنت، ولا أي أحد.”
“صحيح. حاولت كثيرًا، ولم أجد طريقة مؤكدة لانتزاع تعاونك الكامل.”
لكن—
كان بإمكاننا تهديده وإجباره.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“دافعت عن نفسي دائمًا. وببساطة… سأفعل ذلك مجددًا.”
بمعنى أنه يثق بأنه قادر على النجاة دون حماية أحد.
لقد ساعد شخصٌ ما من يحبّ سرًا.
❃ ◈ ❃
ولم أظن أن هوريكيتا ستخونه.
ولو كنت أنا قائد الفصل… لكان كوينجي عبئًا زائدًا.
قواعد جزيرة الاختبار لم تشمل إلا هوريكيتا وأنا، ولم يكن لأي طرف ثالث تدخل.
“ولا أنا…”
“ولكن…”
وهنا تغيرت نبرة كوينجي فجأة، وتصلبت نظرته.
“إن حاول أحدهم عزلي… فمن الأفضل أن يكون مستعدًا.”
“هذا جزء من المفاجأة.”
“إذن؟ أين ستلتقين بكوينجي؟”
“أنا لا أنوي ذلك. والقائدة هي هوريكيتا.”
“الأسباب كثيرة.”
“كما تشاء. لديّ مواعيد الآن، فيجب أن أذهب.”
كان تحديًا حقيقيًا… لكنه تحدٍ لا بد من حمله حتى النهاية.
Comments for chapter "الفصل 153"
MANGA DISCUSSION