كانت ليارا تُمسك سكيناً بيدها اليمنى لتقطيع الخضراوات المصفوفة على طاولة المطبخ. أخذته برفق من قبضتها وقمتُ بحركةٍ سلسة كنوع من التسخين بتحريك السكين سريعاً بين أصابعي، ثم أحكمتُ مقبضه بيدي اليمنى. إنها حركة سريعة تعوَّدت على القيام بها قبل البدء في التقطيع لتنشيطِ يدي والتركيز على مهمتي.
وقفت ليارا بعدما إنتهت من وجبتها هي الأخرى، فنظرت إليَّ ثم إلى والدها وهي تحمل الأوعية متَّجهةً بهم نحو المطبخ قائلةً.
على يميني، نظر إليَّ رايندار نظرةً متعجِّبة كمن رآى لتوِّه شيئًا مثيرًا للاهتمام.
سرعان ما استشعرت غضب ليارا إثر هذه الكلمات من والدها، الملعقة الخشبية على يدها كانت ضحية هذا الغضب الواضح على ملامحها محطمةً إياها في محاولة كبح عدم رضاها على ما قاله.
أمسكتُ البطاطس أمامي، بدأت بتقشيرها ببطء، كان السكين يلامس القشرة بصوت خافت، خَشخشة صغيرة تملأ سكون المطبخ. ثم بدأتُ التقطيع بتركيزٍ، حدَّة، سرعة، وثبات. قطّعت البطاطا إلى مكعبات متساوية مثالية كمن يبحث عن الكمال، لكنني لم أفعل، كل مافي الأمر أنني ماهرٌ في استخدام يداي.
وضعت القِدر فوق النار، أضفتُ قليلًا من الزيت، وانتظرت حتى بدأ يُصدر صوت الغليان الخفيف. رميت قطع البصل المفروم، فتصاعدت رائحته الحلوة في الهواء، تذكّرني بأيامٍ قديمة، ربما بوالدي حين كان يطبخ في ليالي الشتاء الطويلة. بعدها أضفت فصوص الثوم المهروسة، ومع أول همسة دخان من القِدر، امتزجت الروائح وكأن المطبخ كله تنفّس.
في هذه الأثناء عمَّ الصمتُ المكان. كان كلٌّ من ليارا ورايندار يراقبانني بدهشة وترقُّب.
ألقيت البطاطا في القِدر، ومع كل صوت ارتطام، أحسست بشيء من الراحة. رششت الملح والفلفل وبعض الأعشاب الجافة، ثم سكبت الماء الساخن ببطء، لأراه يلتهم المكونات شيئًا فشيئًا. تركت الحساء يغلي، ووقفت أمام الموقد أراقب البخار يصعد نحو السقف الخشبي، يلتف كضباب صغير يعانق الضوء الخافت المتسلل من النافذة.
كانت الدقائق تمر ببطء، والمكان يغمره الدفء والرائحة المذهلة. كان رايندار يكسر حاجز الصمت بين الفينة والأخرى بسؤالي عن الخطوة القادمة. لازلت لا أتقنُ اللغة جيداً فكنت أُتمم كلامي بالإشارة ليس إلَّا.
ذقت المرق، إنه جيد! حافظتُ على ملامح وجهي الباردة طوال العملية كما المتمرِّسين. كان الطعم بسيطًا… لكنه لذيذ بطريقة لا أستطيع تفسيرها. كأنه يذكّرني أن الأشياء التي تُصنع باليدين، بصدقٍ، حتى وإن كانت متواضعة، تملك في داخلها ما يكفي من السحر لتهدئة القلب.
“En’Elian, shenr vael arv’syn thrakar?” (“إليان، هل تريد تعلم السيافة؟”) سأل
أطفأت النار، سكبت الحساء في أوعية خشبية، وجلسنا على طاولة غرفة المعيشة قرب النافذة نتناوله على مهلٍ وأحاديث ليارا ورايندار تغمران المكان، كنتُ أحيانا أتابع المحادثة وأجيب بالإيماء. في الخارج، كانت الثلوج تتساقط بصمت، أما داخلي… فقد بدأ يدفأ قليلًا.
‘أظن أن التعلم لن يضرني بشيئ، أقصد… حتى لو كنت سأموت قريباً، فهذا لا يعني أن علي إهدار ماتبقى لي من عمرٍ لا أفعل شيئا عدا التفكير به، صحيح؟’
سرعان ما انتهى هذا الجو الشاعري بعدما قام رايندار بحرق فمه برشفةٍ من الحساء الساخن. أمامي جلس كلٌّ منه على اليمين وليارا على اليسار وهي تعتني به بحذرٍ وقلقٍ على أبيها موبخةً إياه ليتناول وجبته بحذرٍ أكبر.
(“حسنا حسنا إهدئي، من الواضح أنها مزحة، هاها… لكن إليان، أنت طباخ ماهر يا رجل!”)
أجاب محاولًا تهدئة الوضع بإبتسامة سخيفة
“Nael vael’serin.”
(“ليس بالشيء الكثير”)
أجبت بهدوء
“Vaal shael nael ven’arv thrakaar’en kael? Ren’kaar vael thrakar’en thrae’n, thrynn, faelir, kael, raen, shael. Ven’thrae thrakar’en kael shael, fael ren’kaar nael’en, shael’ren en’raen velthar thrakar, en’kaar rin’laen thrae’na, velthar en’kaar en’thrae’na. Nael ven’shaal en’shael?” (“ماذا أنت لا تعرف حتى شيئًا بسيطًا كهذا؟ هناك رتب للسيافين في هذا العالم، مبارز، فارس، قديس، ملك، سيد. لقد فزتُ على سيد السيف لكنني قررت عدم قبول الرتبة واكتفيت بكوني ملك سيف يعيش مع ابنته الجميلة في هذا الكوخ الخشبي بعيدًا عن الضوضاء والصخب. أليست طريقةً جميلة للحياة؟”) شرح
نظر إلي نظرةً خاطفةً وهو يتناول حساءه دون أن يردَّ عليَّ، وعندما إنتهى من الخُضار أمسك وعاءه بكلتا يديه محتسياً ما تبقى من حساءه بسرعة. وضع الوعاء على الطاولة بقوة كطفلٍ متحمس أنهى وجبته، ثم وجَّه بصره إليَّ.
“Vaal ren’thae en’shaar?” (“ماذا تعني بكلامك؟”) قالت بنبرة غاضبة
لغتي الشمالية ماتزال ضعيفة ولا أستطيع فهم الكلام كما ينبغي، فهمت أنه يتكلم عن السيف بطريقة ما فهي أكثر الكلمات شيوعاً في قاموسه، لكنني لم أفهم السؤال بالكامل فنظرتُ إليه نظرةً مبهمةً كمن لم يفهم كلمةً مما قاله.
“Thrakar… shenr… arv… vael… syn’en?”
(“السيف… هل… تريد… أنت… تعلمه؟”) قال
قمت بالإيماء له بجدية، نظرة توحي على موافقتي لعرضه بالإيجاب.
فهمت الآن أنه يدعوني لتعلم السيف فقد أبرز مفردات كلامه بوضوح وهو يشرح مستخدماً الإشارات بكلتا يديه موضِّحا لي قصده.
وعليه، أنهينا وجبة غدائنا المتواضع وبدأت حياتي تتخذ منحى مغايراً إنطلاقاً من قبول عرض تعلم السيافة.
(“صدق أو لا تصدق، لكن هذا الأخرق نال مرتبة سيد السيف ورفضها مقررا العيش في مثل هذا المكان.”) قالت
نظرتُ إلى رايندار وعيناه تلمعان يبدو عليهما الحماس لتدريبي على القتال.
‘سيد السيف؟ ماذا يفترض أن يعني ذلك؟!’
“Vaen shael’seren en’thar?”
(“ماهو سيد السيف؟”) سألت
نظر إليَّ رايندار كما لو أنه ينظر إلى شخصٍ جاهلٍ ماثلٍ أمامه. ثم بدأ يشرح لي قصده منتقلا في أسلوب كلامه بين ما هو ساخر وما هو جدِّي وهو ينظر إليَّ ويتكلم ويشرح بأسلوب بسيط مستعملاً يداه.
“Vaal ren’thae en’shaar?” (“ماذا تعني بكلامك؟”) قالت بنبرة غاضبة
لم أفهم كل كلامه لكنني استطعت استنباط المغزى منه وفهمت النقاط الأهم، يبدو أن السيافة ليست مجرد شيئ يقتصر على الصيَّادين أو ما شابه.
“Nael ven’shaal, en’Liara?” (“أليس كذلك يا ليارا؟”) سأل
‘تعلم السيافة إذا؟ فيما سيفيدني تعلم القتال بكافة أنواعه إن كان عدوي داخليًّا!؟ في حالتي الموت سيغذر بي مهما كانت قوَّتي القتالية. لن يسمح لي بقتاله حتى، بل سيفتك بي فجأة دون سابق إنذار…’
Comments for chapter "الفصل 9"
MANGA DISCUSSION