اتجه التابعان نحوي بسرعة استجابةً لأمره والابتسامة العريضة لا تفارق محياهما.
“فهمت… مُت.”
“استعد للموت أيها الوغد!”
“تبا، رئيس، سوف يموت!”
“فلتتناول وابل لكماتنا هذه!”
“يا هذا… بأمر واحد أستطيع جعل هذان الرجلان يقتلانك أشنع ميتة هنا. لن يأتي أحد لإنقاذك فالجميع يهاب عصابتنا هذه في أنحاء المدينة. يبدو أنك عشت حياة هانئة مادمت لاتعرف عنا شيئا، لذلك أعطي قيمة أكبر لحياتك وغادر لبيتِك دون أن تهدرها في زقاق ضيق حقير كهذا. ألا تقدِّر حياتك؟ هل الكرامة شيئٌ مهم لهذه الدرجة يقتضي دفع حياتك ثمنا لأجلها؟”
انهمرت الدموع من جفوني، سال أنفي بالمخاط، واختلط بالدماء في منظر شخصٍ مثير للشفقة يحتضر… لا بأس، لا بأس بذلك، سوف أتجاوز هذا، سوف أعيش، سوف أعيش، لن أموت في مكان كهذا… أو هذا ما حاولتُ تصديقه.
ركزتُ، جهزتُ وضعيتي، وانتظرت وصولهما نحوي. وصل الأصلع الملتحي أولا، وجَّه قبضته نحو وجهي فتفاديتها ببراعة ثم وجهت لكمةً نحو فكه بقوة فاختل توازنه. الوغد ذو النظارات الشمسية ارتمى على رجلي بكامل جثته كي يسقطني أرضا. حاولت المقاومة لكنه تمكَّن من إسقاطي بثقل جسده. بعدها كنتُ قد عرفت أنني خسرت القتال بالفعل، ليس وكأنني كنت أعتقد أنني قوي لدرجة إسقاط الثلاثة بنفسي. الأصلع الملتحي بدأ في ركل وجهي بقدمه بقوة، أشعر أنني سيغمى علي. بطرف عيني أستطيع أن أرى الفتاة تقف وهي ترتعد خوفا من الضرب المبرح الذي أتعرض له.
“فهمت… مُت.”
“ت-ت-توقفوا أرجوكم! لاتضربوه!” قالت بنبرة خافتة تكاد لا تُسمع
“لا أريد الزواج من رئيسكم! أ لا تفهمون أن الناس ليست مجرد سِلع تبيعون وتشترون فيها… أنا لا أريد ذلك، لا أريد قضاء ماتبقى لي من حياة برفقة أوغاد قتلة مثلكم… الموت أرحم لي من مستقبل كهذا!” صرَخَت قائلةً بما تبقى لها من طاقة نفسية في وجههم
“هااااه؟!” صرخ الوغد ذو النظارات الشمسية
“فليكن، لا أمانع تقليص مدة حياتي القصيرة في كل الأحوال.”
“هذه ضريبة أن تحاول لعب دور البطل.” قال الملتحي
زحفتُ باتجاه أولئك الأوغاد الثلاثة على أمل مساعدتها في الهرب… لا أحد له الحق في تقرير مستقبل أحدهم. لا ضرر في المحاولة جاهدًا…
نزل الأصلع الملتحي ليجلس على وضعية القرفصاء أمام وجهي بنظرة مستفزة تعلو محياه. بصق على وجهي، ثم وجَّه نظره صوبَ الفتاة.
“جيد جدا.”… وجه نظره نحوي ثم أتبع قائلا “كلامك عن تقرير مصيرك بنفسك وما إلى ذلك من ترَّاهات كان جميلا بشكل سخيف، لكنك نسيت شرطًا مهما؛ لن تحصل على حق كهذا في عالم يحكمه قانون الغاب وأنت الحلقة الأضعف فيه! تذكر كلامي في قبرك.”
“أمسكها، سنعود.”
“بسرعة!” صرختُ
“و-و-وغد…” قلت بالطاقة المتبقية لدي
أمسكني من قفاي بيده بقوة ورفعني ليقابل عيني بعينه. “هذه النظرة على عينيك… كم أبغضها. نظرة مثيرة للشفقة، نظرة الضعف، نظرة شخص لايستطيع تقرير مصيره.”
“يبدو أنك لاتزال متمسكا بدور البطولة السخيف ذاك.”
‘حقا… لا شيئ مهمٌ بعد الآن… متى سأموت؟’
“رئيس، ما الذي تريد منا فعله بهذا الأحمق؟” خاطب رئيسه
“هذا ما يسمى بسوء الخاتمة على ما أعتقد!”
“سنتركه هنا، لا حاجة لنا بمتاعب إضافية!”
“ما الذي جعلك تظن أنها تستطيع الهرب؟ السبب الوحيد الذي منعنا من الإمساك بها بسرعة هو أنها هربت في غفلةٍ منا ثم ارتطَمَت بك هاها.”
“فهمت.”
‘أتمنى أن أكون قد نجحتُ في كسب وقت كافي لها! هاها لم أكن راضيًا بعيش ثلاث أشهر أخيرة، فسُلبت مني بدورها فجأة. هذا ما يسمى بالقدر على ما أعتقد… ثلاث أشهر تحولت إلى بضع دقائق في لحظة. كم أنا مثير للشفقة.’
نهض من جديد ووجَّه نظرة حادة لوجهي، تذمر بوضوح ثم وجَّه ركلةً قوية أخيرة لذقني.
‘يبدو أنني سأفقد الوعي بالفعل… بعد كل ذلك الكلام الرائع الذي تبجحت به أمامها. أنا حقا أكره ضعفي، لطالما كرهته، لكنني عجزت عن تغيير شيئ فاستسلمت. لابد أنها كانت تُعلق أمالا كبيرة علي لكنني خنت ثقتها… حقا أكره هذه الصفة في نفسي. أستحق الموت المقدر لي في نهاية المطاف.’
“…”
…
فتحتُ عيني ببطئ، يبدو أنني لم أغب عن الوعي لمدة طويلة تماما، ربما بضع ثوانٍ فقط، أستطيع أن أرى الفتاة وهي تقاوم بنظرة ضبابية. يبدو أنها تؤدِّي أحسن من أدائي المثير للشفقة في القتال. أستطيع أن أراها تعضُّ صاحب النظارات الشمسية، والقائد يصرخ مطالبا إياهم بإنهاء الموضوع بسرعة… هذا الوغد لايقوم بشيئ عدا إلقاء الأوامر.
“هاااه؟! هل قررت أن تتحول لدودة مثيرة للشفقة الآن؟”
“فليساعدني أحدكم، رجاءً! أي أحد!”
“فلتتناول وابل لكماتنا هذه!”
صَرخَتْ وصَرخَتْ دون أن يقدم أحد لنجدتها، مغلقين نوافذهم في وجه طلبِها… الجميع بلا فائدة في هذا الحيّ البائس… سعيدٌ أنه سيُدم قريبًا بسبب أشغال فندقٍ فاخر جديد. أوغاد يقطنونه لا يهتمون إلا بأنفسهم مبررين ذلك بمخاوفهم وعائلاتهم التافهة. الموت لهم!
كل شيء صار أبكمًا بعدها. سُكون… حتى قلبي، لم أعد أسمع نبضه.
أبصرَت عيني نملًا على الأرض يمشي بثبات…
‘بالنسبة لهذا النمل، حتى شخصٌ مثلي يبدو كعملاقٍ قوي قد يُعتبر تهديدًا.’
أمسكت قَدَم الأصلع الملتحي وأنا أزحف على الأرض.
“أمسكها، سنعود.”
“فلتتناول وابل لكماتنا هذه!”
“أوغاد… ابتعدوا عنها.”
“اهربي!” صرخت بكل ما أوتيت من قوة
“وكأنك تستطيع أيها الأحمق… كلكم مجرد أوغاد يعيشون داخل نظام قوة هرمي سخيف، يأكل فيه القوي الضعيف.”
تخلت الفتاة عن حذائها ثم ركضت مسرعة.
تقدم الوغد ذو النظارات نحوي تاركا الفتاة خلفه، وكذا اقترب القائد.
اقترب من وجهي رويدا رويدا وهو يلقي كلماته المملة. بصقتُ على وجهه، فتدلى لعابي اللزج على وجهه ببطئ.
لكمني بقوة كبيرة حتى استدرت للجهة الأخرى، حينها نطحني الوغد الملتحي بقوة وقذفني نحو زميلهم الثالث. الأخير قام بتوجيه قبضة أخرى لخدِّي، لكنني أمسكت بشعره، شددته بقوة. وأنا ممسك به، استدرت نحو الوغد الملتحي وركلت خصيتاه بكل القوة المتبقية في قدماي حتى سقط أرضا ممسكا حِجره من شدة الألم.
“لن أدعهم يلحقون بك، لذا استغلي الوقت الذي أستطيع توفيره لك واهربي!”
“على الأقل نجحت في مساعدتها على الهرب، لن أندم على ذلك، لا أحد يستحق أن يقرر شخص غيره مستقبله.”
“لكن-لكن…” قالت مترددة
“بسرعة!” صرختُ
“يبدو أنك لاتقدِّر حياتك بالفعل أيها الأحمق.”
رفعت رأسي بصعوبة. كانت واقفة هناك… هي. كأنها طيف، أو وهم من بقايا حلم… لكنها كانت حقيقية. عيناها كانتا ثابتتين عليّ، ممتلئتين بشيء لا أستطيع وصفه… ألم؟ غضب؟ أو ربما استسلام؟ صرَخَت، أو لعلي تخيلت صوتها، فقد صار كل شيء مكتومًا في أذناي. رأيتها ترفع شيئًا لامعًا… خنجر؟ نعم، خنجر. أعرف بريقه جيدًا… أعرف طعمه. لابد أنها خطفته من جيب ذلك الوغد الملتحي في غفلةٍ منه مجددا. رفَعَت يدها إلى عنقها، ثم نظرت إليّ نظرة أخيرة… نظرة كسرت شيئًا في صدري لم يكن قد انكسر بعد.
“فهمت… مُت.”
أخرج قائدهم خنجرا من جيب سرواله الخلفي، فتحه ثم توجه إلي.
‘ما الذي؟ سحقا… هذا سيئ… لا أريد الموت.’
بعد ثوانٍ قليلة من توجهه نحوي، شعور غريب…
في البداية، لم أفهم. كانت خطوتي التالية أثقل من المعتاد، ركبتيّ خانتاني فجأة، وكأن الأرض انكمشت تحت قدمي. شعرت بشيء غريب… كأن شيئًا في داخلي قد اختل، شيء لا أملك له اسمًا. ثم رأيت ذلك.
خنجر. لا، لا… مجرد مقبضٍ غريب يبرز من خاصرتي اليسرى، تحت ضلعي مباشرة، قرب معدتي.
تجمدت عيني عليه، لم أستطع تصديق ما أراه.
هل هو… في داخلي؟
مددت يدي ببطء، ملامسًا طرفه…
حينها فقط جاء الألم.
كالسُمّ… كجمر مشتعل انتشر في لحمي، صاعدًا إلى صدري، إلى حلقي.
ضغطت على الجرح، محاولًا إيقاف النزيف، لكن الدم كان أدفأ من أن يُحتمل، يتدفق من بين أصابعي، يغمر ملابسي، يلتصق بجلدي.
ثم… سعلتُ.
الألم انفجر في داخلي.
شيء ما ارتفع من أحشائي إلى فمي، دفعه السُّعال خارجًا… دم.
دم ثقيل، غزير، بطعم المعدن الصدئ، بطعم الموت.
تساقط من زاوية فمي، وبلّل ذقني.
اتسعت عيناي. أحسست بنفسي أترنّح.
همست الفتاة بنبرة ساخرة أقرب للجنون من اليأس “لا فائدة… كُتبَت لي التعاسة إذا!؟ في هذه الحالة…”
“لقد… طُعنت؟” همست لنفسي، أو ربما فكرت بذلك فقط، لا أدري.
ارتطمت بالحائط، لا أدري في أي مرحلة لم أعد ممسكا بشعر ذي النظارات الشمسية، لكنه لم يكن في قبضتي. ظهري التصق بالحائط كأنني أستعير توازنه، أنهب ما تبقى لي من وقت… كان جسدي يبرد، شيئًا فشيئًا…
وكل ما كنت أراه، هو ذلك الخنجر، ثابت في داخلي.
“تبا، رئيس، سوف يموت!”
“فليكن.”
“…”
“أمسكها، سنعود.”
“الأهم من ذلك أيها الأحمقان، لقد هرِبت الفتاة أمسكوا بها وأحضروها إلى هنا حيَّة!”
“لكن-لكن…” قالت مترددة
هرول الاثنان في ذُعرٍ للإمساك بالفتاة.
‘ما كانت حياتي تعني حتى؟!’
‘ما كانت حياتي تعني حتى؟!’
“ماذا تقصد؟”
أرادت أن تقول شيئًا، رأيت شفتيها تتحركان… لكن الصوت لم يخرج، فقط فوضى من الدم والرعشة.
“هاه!… أعني..” وجهتُ بصري نحوه إذ به يؤشر بإبهامه للخلف نحو أتباعه وهم يَجُرُّون الفتاة إلى موقعي. هاه؟ لم تنجح في الهرب في النهاية…
“لقد أحضرناها يا رئيس!”
“فليكن.”
“لقد أحضرناها يا رئيس!”
“فليكن.”
لم أعد أشعر بقدمي.
أظن أن النزيف سَحب مني أكثر مما توقعت…
كان كل شيء من حولي يتلوّن بالأحمر، ثم يبهت شيئًا فشيئًا، وكأن الحياة تفقد ألوانها أمامي، تمامًا كما أفقدها داخلي. أنا أنزف بقوة، يبدو أن الطعن كان أعمق مما اعتقدت.
رفعت رأسي بصعوبة.
كانت واقفة هناك… هي.
“لا…” أردت أن أصرخ، أن أتحرك، أن أمد يدي… لكن جسدي خانني.
ثم… غرَستْ النصل في حلقها. دفَعَت به بقسوة، بلا تردد.
فتح جرحُها نفسه كما يُفتح باب جحيم، والدم قفز منه بقوة، دفعات دافئة، تتراقص في الهواء، ترسم خطوطًا على صدرها، على الأرض، عليّ.
…
ركعَت أمامي.
سقطَت ببطء…
كزهرةٍ حمراء قطعتها الريح.
“بسرعة!” صرختُ
كنا نحتضرُ معًا.
لَمَسَتْ أصابعها أطراف أصابعي، ثم انزَلَقَت. فأعدت الإمساك بها.
يُتبع…
“فهمت.”
“يا إلهي… إنها ميتة لامحالة.”
….
“حسنا، سأقوم الآن بترتيل سحر استدعاء البطل!”
….
“قائد، ما العمل؟ على هذا الوضع سنموت!”
….
“نعم، تفضلي فاي.”
….
“اتصل بالاسعاف أو ما شابه فورًا تحرك!”
“لا فائدة!”
….
“باسم الخيط الأقدم، والنور الذي نُسي، نستدعيك من بين الرماد والعدم. انهض، يا من حُفر اسمه في لُبّ النبوءة. ذلك الشرُّ المشؤوم سيعود… والعالم المُتأهِّب يُناديك.”
….
“سنموت، سيقتلنا الزعيم لامحالة!”
‘ما الذي؟ حلم ماقبل الموت؟ ماهذه الأصوات المتداخلة؟ هيهي على الأقل، سنموت ميتة جماعية في هذه الليلة البائسة… سأرضى بذلك وأحاول الرُّقود بسلام.’
Comments for chapter "الفصل 2"
MANGA DISCUSSION