إلى جانبه، وقفت فتاة شابة، ذات شعر أشقر قصير يصل بالكاد إلى كتفيها، وعينين خضراوتين لامعتين كزمردتين وسط بياض الجليد. رغم نعومة ملامحها، إلا أن عيناها تحملان صلابة المُتمرّسين. كانت ترتدي قميصًا جلديًا بنيًا تحته ثوب بلون البيج الفاتح، تحيطه طبقات من الأحزمة الجلدية التي تحمل سهامها وحقيبة جلدية صغيرة. وعلى كتفيها كاب بني مزخرف بطبقة من الفرو الأبيض، ينسدل وراء ظهرها حيث يرتكز قوسها الخشبي المصقول، وسهم نُزعت رأسه لاستخدامه مجددًا.
“ماذا هناك يا أبتي؟”
كانا في خضم مطاردةٍ صامتةٍ لدببة الثلج، وهي مخلوقات ضخمة مكسوة بفراء أبيض شاحب، مهيبة المظهر، من أشرس الكائنات في هذه الأنحاء. أعينها ضيقة كأنها تشعر بكل حركة، وأنيابها تلمع تحت الجليد. الاصطياد لم يكن مجرد قتال، بل رقصة موت… الفتاة تطلق السهام من بين الأشجار، تترصد من أماكن مرتفعة، بينما الرجل يتقدم لمواجهة الدببة مباشرة حين تُستدرج عبر الجراح، ينقض بسيفه ليجهز عليها بضربة قاطعة في الرقبة أو الصدر.
بذلك، قطع الرجل رأس الدب فاصلا إياه عن عنقه. تطايرت الدماء كما لو أن نافورة تسربت مياهها من عنق الدب الجريح. سحب بعد ذلك منديلا أبيض ملطخا بدماءٍ متراكمةٍ عليه، مسح نصل سيفه من دماء الدب المتبخِّرة حتى اشتد لمعاناً ثم أعاده إلى غمده. رفع بعد ذلك يده إلى ضوء الشمس المنكشف من تباعد الغيوم، والتفَّ للشاب النائم على ظهره.
فيما كانا يتتبعان آثار أحد الدببة الجرحى، توقف الرجل فجأة. كان هناك شيءٌ على الأرض… لم يكن جزءًا من الطبيعة. اقترب بخطى حذرة، ثم تجمد في مكانه.
خلفهم، في عمق الغابة، صدر زئير مكتوم… الدبُّ الجريح لم يكن بعيدًا.
“ماذا هناك يا أبتي؟”
بلا كلمة، انطلقت، والثلج يتطاير حول قدميها، كأن الريح ترافقها في سباق الزمن.
لم ينطق الرجل بأي كلمة. تحت شجرة عارية الأغصان، كان هناك جسد مغطى جزئيًّا بالثلوج.
تعالت زمجرات الدب الجريح وهو يركض في اتجاه الرجل للانقضاض عليه. “غرررر!!”
انتبهت الفتاة ثم انحنت سريعًا وبدأت تكشف الثلج عن جثته بحذر. كان شابًا، شكله وبنيته يدلان أنه قد يكون في العشرين، ذو شعر أسود طويل فوضوي ووجه شاحب كأنه لم يرَ الشمس منذ زمن. كانت ملابسه ممزقة وقديمة وملطخة بالدماء من جانب ضلعه الأيسر، تكاد لا تقيه شيئًا من البرد، آثار التجمد واضحة على أطرافه، وشفتيه مزرقتان.
قالت الفتاة بصوت خافت وهي تضع أصبعين على عنقه “جيد، إنه حي… بالكاد يتنفس.”
نظر الرجل نحو السماء، ثم إلى الأفق الثلجي.
رفعت الفتاة رأسها، وتركيزها ما يزال على الغريب.
“ليس هنا.” قال بنبرة حازمة “علينا العودة إلى الكوخ قبل أن نلفت انتباه باقي القطيع.”
أعاد الرجل سيفه إلى غمده، والتفت إلى الفتاة. “اركضي أولاً، وسأكون خلفك.”
“ومن يكون هذا؟”
“ماذا هناك يا أبتي؟”
“ربما نكتشف لاحقًا.” أجاب بينما بدأ بحمله على كتفه. “لكن إن لم نُسرع، لن يبقى حيًا لنعرف.”
“سأقوم بتجهيز أولويات اسعافه في الكوخ، يبدو وكأن نزيفه قد توقف بطريقةٍ ما، لكن حُرِّيَ بك ألا تتأخر وإلا سيموت!”
بهذه الكلمات، سحب الرجل السيف من غمده مجددا ببطئ، انحنى بجدعه قليلا للأمام في وضعية اندفاعية.
“آسف، لكن الشاب على ظهري هنا في حالة حرجة، ولا أريد أن توبخني ابنتي إن حدث مكروه وفشلنا في إنقاذه… فهي طيِّبة القلب بعد كل شيئ.” قال بحزم
“ومن يكون هذا؟”
“سيف الشمال…” همس الرجل لنفسه
شهق ثم زفر بعض الهواء المتجمد ببطئٍ وتركيزٍ، ركَّز قوته في قدميه… عكس مقبض سيفه في اتجاه الساعة الثالثة، ثم انطلق مندفعا نحو الدب المهاجم بدوره.
يُتبع…
“هااااه!!”
“تفاءل! سيكون اليوم مشمسًا.” قال بثبات وحزم
يُتبع…
11,000 شعلة الهدف: 66,666
16.5%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
إدعمنا
🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات
Comments for chapter "الفصل 3"
MANGA DISCUSSION