تجاوزتُ كل العقبات الماثلة أمامي نحو هذفي… باقي التعامل مع حرس البوابة وأدخل القصر وهناك تبدأ المهمة الحقيقية! الملك غادر فعلاً ومعه حرسُه نحو منصة الخطاب، لا أظن أن القصر مليئ بالمقاتلين حالياً لكنني سأضع كل شيئ في عين الاعتبار.
لقد كانا إثنان فقط، يرتديان درعاً بارزاً متقناً ومتوازناً، يجمع بين القوة الجسدية والأناقة الملكية.
‘عليَّ إنهاء هذه المهزلة قبل أن تبدأ.’
‘سيف الغرب هاه؟’
“أوي أنت، أيها الغريب! ماذا تظن نفسك فاعلاً، أنت تقف أمام القصر الملكي لعِلمك!” قال أحد حرس البوابة
‘أشعر بحضور قوي في الطابق الثاني… لا بد أنها ساحرة… كاهنة الاستدعاء. يجب علي الإسراع.’
“يبدو أنك أحد عابري السبيل الذين يريدون انتهاز أدنى فرصة.” أتبع الثاني
الخصر مشدود بحزامٍ جلديٍّ أبيض اللون تتدلّى منه ألواح صغيرة تشكل حماية للفخذين، تتناسق مع الصفائح السفلية التي تمتد حتى الركبتين. الأرجل مصممة بانسيابية تجعل الدرع يبدو خفيفًا رغم صلابته، وتنتهي الأحذية المعدنية بأطرافٍ مدببة تعكس الطابع العسكري النبيل.
لقد كانت بوابة القصر الأمامية، بوابة مصنوعة من أجود أنواع الخشب الثقيل ومزينة بأنقى الأحجار الكريمة، الذهب، والرخام يزين أرضيتها… حجرة كريمة واحدة كافية ليعيش فردٌ ماتبقى من عمره في هناء. وأمامها كان يحرسها حارسان، لايبدوان بتلك القوة المنشودة لحراسة شيئ بهذا الحجم والقيمة، يبدوان كموظفان عاديان، يرتديان لباس حارسٍ أسود موحد تزيّنه شارة الحارس على الصدر الأيسر، وشارة علم البلاد على الكتف الأيمن، وبعض التفاصيل الذهبية التي تزيّنه أسفل الصدر. لقد كانا هزيليّ البنية، لكنهما يحملان بنادق من عيار معترف به تضعهما في منصب قوة.
“سارا!” صرخ لشريكته منادياً
‘ليس لديّ وقت كافي لهذا الإزعاج!’
صعدتُ الطابق الأول وبعده الثاني وأنا مجمدٌ الوقت، لقد كانت الممرات مكتظة بالخدم ولا أملك الوقت للتعامل معهم جميعا، لن يستغرقني ذلك كثيرا لكنني فضلت ألا أقوم بفعلٍ غير ضروري.
“أوي ألا تسمعن—”
تقدمت بخنجري الأيسر لصده مجدداً، لكنه باغثني بتغيير مفاجئ في وضعيته. وبدل أن تأتي هجمته من فوق، عكس النصل وأتى به من نقطتي العمياء.
أوقفتُ الزمن للحظة، تجمّد المهرجان أمام بوابة القصر كلوحةٍ من الحياة في لحظتها الأشدّ صخبًا. الأعلام التي كانت ترفرف فوق الأسوار توقفت في منتصف رفعتها، كل خيطٍ فيها مشدود نحو السماء كأن الريح حبست أنفاسها فجأة. الشُّعلات المعلقة عند المدخل انحنى لهبها للأمام ثم تجمّد، ألسنتها النارية تتخذ شكلَ موجةٍ متيبسة من الضوء الذهبي.
قمتُ بخطوتي، تقدمتُ للأمام… وبدوره أطلق رصاصةً متَّجهة نحوي دون تردد.
في الساحة المقابلة، كان الناس متجمِّدي الحركة؛ امرأة تحمل طفلًا متسلقًا على كتفها، توقفت ضحكتها قبل أن تكتمل، ويدها المرفوعة لتشير إلى الأعلى ظلَّت عالقة في الهواء.
الدرع مصنوع من صفائح معدنية متداخلة بألوان ذهبية وفضية متجانسة، بحيث يغلب الذهبي على المناطق البارزة كالصدر، الكتفين، والركبتين بينما يغلف الفضيّ المفاصل والحواف ليمنح تباينًا بصريًا أنيقًا.
رجل يبيع فوانيس زجاجية تجمّدت فوانيسه وهي تتأرجح، والانعكاسات الملونة منها تسبح في الهواء دون أن تنكسر. حتى الطيور التي كانت تحلّق فوق البوابة، بقيت في السماء بأجنحةٍ مفتوحة كمن طُعن بالدهشة، والغيوم وراءها ثابتة لا تتحرك، كأنها مرسومة بالرماد على قماشٍ أزرق.
“توقف!” قال حارسٌ يقف أعلى الدرج المؤدي للطوابق
حول الحارسين، توقفت ذرات الغبار التي أثارها صوتهم الأخير، متلألئة في الهواء كالنجوم الصغيرة. فمُ الأول مفتوح في منتصف صيحته، وعيناه متسعتان تحدّقان في نقطةٍ لا تتحرك. أما الثاني فذراعه مرفوعة بإشارةٍ غير مكتملة، وبندقيته نصف مائلة نحو الأرض، وكأن جسده نسي ما كان ينوي فعله. حتى ظلّهما على الرخام المتلألئ تجمّد، والضوء الذي انعكس من الحجارة الكريمة حولهما كوَّن هالةً صامتة، باردة الجمال، لا حياة فيها.
الموسيقى القادمة من بعيد تحولت إلى صمتٍ كثيفٍ كما لو حبستَ أنفاسك لوهلة؛ كأن النغمات نفسها تجمّعت في الهواء ثم تصلّبت. لم يبقَ سوى الصدى البعيد لنبض الراوي في المهرجان، يرنّ داخل هذا السكون الأبدي الذي لا يتنفس.
ركّزت الامرأة بصرها نحوي وأنا أتقدم ببطئ… ضمَّت يديها لبعضهما البعض ثم بسطتهما نحوي.
كل شيء بدا للحظة كعالمٍ من الزجاج المضيء؛ المهرجان، الحراس، اللهب، الوجوه، كلٌّ محبوس داخل زمنٍ انكسر… إلا أنا، الوحيد الذي ما زال يتحرك بين لحظاتٍ ماتت قبل أن تكتمل.
الكتفان مزوّدان بدرعين مقوسين تحتهما طبقات متحركة تسمح بحرية الحركة دون المساس بالحماية. الذراعان محميتان بالكامل حتى الرسغين، مع تفاصيل منقوشة على شكل شعاعاتٍ تمتد من المعصم نحو المرفق.
فتحتُ البوابة… إنها ثقيلة بحق! سعلتُ دماً، لكنني تقدمتُ لداخل القصر متخطّياً إيّاهما.
“تباً، لولا ذلك القتالُ الأخير…” نظرتُ إلى كفّة يدي الملطخة بدماء سعلتُها قائلاً
‘يجب عليّ أن أسرع، المانا خاصّتي بدأت تنفذ وجسدي تعب كذلك.’
سحبتُ خنجرين من أسفل ردائي، وتقدمتُ راكضاً في الممر.
وضعت يديَّ على الحاجز، قمت بعكس الزمن عليه فتبدَّد بسهولة.
ركضتُ وعلى مرآى بصري امتداد للعديد من الخدم، رجالٌ ونساءٌ، غير مقاتلين…
الحركة داخل القصر كانت مستمرة، فَلَم أجمّد الزمن داخل القصر بتعويذتي السابقة. وعليه، تابعتُ التقدم
بعضهم صرخ منفجعاً من مشهد دخيلٍ يقتحم القصر مسرعاً والبعض أمرني بالتوقف وأنا أتجاوزه، لكن لم يجرؤ أحدٌ على اعتراض طريقي.
جهَّزتُ وضعيتي… خنجران واحد على يميني والآخر على يساري. عكستُ قبضتهما، ركزتُ بصري على هذفي وتقدمت.
“أوي ألا تسمعن—”
لقد كان فارع الطول ببنية عضلية قوية ومتينة، ذو شعر أسود وملامح جادة توحي بالصلابة. لقد كان يرتدي رداء الحرّاس ذاته ويحمل نفس عيار بندقيتهما.
رميتُ خنجري الأيمن نحوه مستهدفاً رأسه، وأوقفتُ الزمن مجدداً برمشةٍ مني. تدحرجتُ تحت الرصاصة المتجمدة في الهواء وتقدمت نحو الحارس.
‘سيف الغرب هاه؟’
تغيّرت أجواء القصر الداخلية في لحظة إلى مشهدٍ من الزجاج المتجمّد. كلُّ حركةٍ توقفت كأنّها رُسمت بإبرةٍ رفيعة، عربات الخدم متوقفة بين خطواتها، ومعهم تجمَّد الخدم بوضعيات مختلفة، وذرَّات الغبار التي خلَّفتها الرصاصة وراءها معلّقة في الهواء.
“فهمت!” أجابتْ
الرصاصة أمامي لا تقطع الهواء الآن، بل تبدو كقطرة رمال معدنية معلّقة، العين تستطيع أن تلمس تفاصيل النقش الصغير على هيكل الرصاصة، أثر الصدأ الطفيف، وتعرّج الهواء الذي كان يسبقها قبل أن يتوقف.
الخنجر الذي رميته دار في الهواء بانتظامٍ دقيق ثم جفّ دورانُه عند لحظةٍ واحدة، الشفرة موجهة نحو جمجمة الحارس لكنها توقفت قبل الثانية الأخيرة من اختراق الجلد. قطرات عرقٍ على جبينه كانت متجمدة مثل بلورات صغيرة. الشفرة قريبة كأنها تلامس الظلّ فقط، رأس الحارس متوتّرٌ، فمه ممسوك، عيناه فارغتان من حركةٍ لكنهما تحتفظان بذهولٍ للحظةٍ من الدهشة المكتنزة. الخنجر لم يخترق؛ السطح المعدني لشفرتي يعكس صورة عينيه مجمّدةً، وأنا أرى فيها خطوتي القادمة.
الهواء حولي هادئ إلى حدٍّ مطلق؛ الصوت الوحيد الذي يختلج هو نبض قلبي ضربتان، ثلاث… يبدو كإيقاعٍ بعيد عن العالم. كلّ شيء جامد لكنه مفصّل، حركةٌ صغيرة، خطوةٌ، نَفَسٌ يمكن أن يُعاد. العالم المجمد ليس موتاً، بل لوحةٌ تنتظر اليد التي ستعيد إليها الحياة.
التقطتُ خنجري الأيمن وهو على عتبة إختراق جمجمة الحارس وأنا أمرُّ بهدوء من جانبه. ثم مضيتُ مسرعاً نحو هذفي.
“أوي ألا تسمعن—”
في نفس الوقت كان الرجل متقدما نحوي، لقد وصل باندفاع. تضارب كلٌ من سيفه المندفع وخنجري الأيسر المدافع بقوَّة.
وصلتُ للطابق الثاني، العديد من الغرف امتدت على طول بصري، لكن الغرفة المعنية كانت شديدة الوضوح بالنسبة لي، لماذا؟ لأنهم هناك يحرسانها. حرّاس إيلغاريا الذهبيون.
يتميز القسم العلوي بتصميمٍ حيويٍّ ذي خطوطٍ حادة وانحناءاتٍ دقيقة تشكّل شكلًا هندسيًا يوحي بالثبات والانضباط. في مركز الصدر قطعة بارزة مثلثة هندسية حادة الشكل، تعمل كدرعٍ إضافي وتُعد النقطة المحورية في التصميم.
لقد كان صدري ينزف… وضعتُ راحة يدي على الجرح فتجمّدت قطرات الدم المتساقطة في منتصف الهواء، ثم ارتفعت ببطءٍ إلى الوراء، تتراجع نحو موضعها. شقُّ الجرح بدأ ينكمش من الأطراف إلى المركز، والجلد يستعيد لونه تدريجيًا، بينما تتلاشى آثار الألم مع كل نبضةٍ عكسية، ثم التأم كأن شيئا لم يكن، ومعه ردائي الذي انقطع وهو يعود لسابق عهده.
من الخلف، يتدلى رداء قصير أو عباءة خفيفة بلونٍ أبيض ناصع تضيف لمسة من الوقار والرمزية. الشكل العام يوحي بدرعٍ مخصصٍ لفارسٍ من طبقةٍ عالية كما هو الأمر. تصميم متوازن بين الحماية، الجمال، والانسيابية، يصلح لفرسان المملكة الذهبيين.
لقد كانت الأولى إمرأة ذات شعرٍ بنيّ قصير بالكاد يقترب من لمس كتفيها وعينان زرقاوتان بقوام أنثوي معتدل وطول قامة متوسط. والآخر كان رجلاً طويلاً ذا رُقعة عينٍ سوداء تغطي عينه اليسرى، شعر أسود مُصفَّف فوق رأسه دون أن يطيل شعراته، ولحية مدرَّجة شديدة السواد، وعلى خصره سيف مُغَمَّد.
إنتبه الحارسان الذهبيان لي فوراً، سحبَ الرجلُ سيفه دون تفكير وتقدّم نحوي مندفعاً.
تقدمتُ نحوهما لكن تعويذة تجميد الزمن أُلغيت فجأة إثر سُعالي دماً، لابد أنني أتجاوز حدودي للآن، لكنني يجب أن أمنع هذا الاستدعاء مهما كان.
الآن بعد أن تخطيتهما لا شيئ يفصلني عدا هذا الحاجز عن دخول الغرفة وإيقاف المراسم قبل أن يتم الاستدعاء.
“سارا!” صرخ لشريكته منادياً
“فهمت!” أجابتْ
‘كم أكرهُ المهرجانات… تش.’
بسطت يديها على حدٍّ سواء، جمّعت مانا على كفَّتيها ثم لامستهما وكوِّنت حاجزاً أخضر صغير على راحة يديها المنبسطتان… استدارت نحو الغرفة المعلومة، أغمضت عيناها وأطلقت حاجزها ليملئ الغرفة ومحيطها.
‘سيف الغرب هاه؟’
“بماذا تفكّر بإقتحامك للقصر الملكي هكذا؟ أتريد الموت؟!” صرخ قائلاً
“…” امتنعتُ عن الرَّد
عاد الرجل خطوتين للوراء بعد أن صددته، ثم تقدم مجدداً.
“…”
‘نفسُ الوضعية؟ كم هَوى بكم الزمن يا حرس إيلغاريا!’
لقد كان صدري ينزف…
“سحر شفاء؟ مثير.”
‘تبا!’
لقد كان صدري ينزف…
“سحر شفاء؟ مثير.”
وضع الرجل رجله اليمنى أمامه، انحدر لمستوى بسيط ثم ارتفع ليُصيب عنقي في هجمة مباغثة!
قبضتُ عضلاتِ وجهي، شكَّلت المانا خاصتي في أقصى رأسي، وفتحتُ عينيَّ فجأة بقوة. اتسعت الحدقتان إلى أقصى درجة مفعّلاً توقيف جزء من الزمن… ليس الزمن بأكمله وإنما هذا السيف فقط ومعه القبضة التي تمسكه.
إلتفَّ الحارسُ إليّ بصعوبة إثر التعويذة المُلقاة عليه.
“من تكون يا هذا؟ خيط الزمن؟” قال بصعوبة
“سارا! لا تفعلي!!”
‘وأنا أقاتل، استشعرت بَدأَ المانا بالتركيز من داخل الغرفة… هل يمكن أنها بدأت ترتيل التعويذة بالفعل؟!’
Comments for chapter "الفصل 6"
MANGA DISCUSSION