حملت فانيسا جدعه الأُفقي بيدها اليمنى كما لو أنها تحمل قذارةً مقزِّزة. لقد كانت أحشاؤه الداخلية تتساقط مع نزيف الدماء، والروح قد غادرت الجسد قبلهما.
“إنه بخير… ذلك الأخرق، أبتي لن يتأثر بشيئ كهذا.” قالت
فتحت بيدها اليُسرى بوابةً مكانيَّة مباشرة على الجحيم الذي خلقه إلف الجليد في القرية. لقد كان بؤبؤ عينيها متلوِّنا بلونٍ برتقاليٍّ قوي ينبُض من شدَّة النيران أمامها… لقد كانت تُبصر بعينيها المُنهكتين مناظر الجحيم التي عاشها أهالي القرية هناك.
“أيتُها القائدة…” قال فرانكي
“إليان…” قال رايندار
“فرانكي، سولدات… لديكما عائلة تحتاجان تفقُّد أوضاعها صحيح؟ اذهبا حالًا، خُذا معكما أكبر قدرٍ من أهالي القرية واهربوا بعيدًا عن أرضِنا هذه!” قالت بهدوء
“حقًا؟”
“ماذا تقُولين… هذه أرضنا، لا يُمكننا مغادرتها!” صرخ سولدات
“لقد تمِّ الإبقاء على رفيقيك في زنزانتين مختلفتين كي لا يتشجَّع أحدهما على الإقدام على حركة متهورة.” قال فامي دون الإجابة عن تساؤلات إليان
“أيَّتها الأم… هلَّا قمتِ بدفن جثة و رأس ريمنان الملقيِّ هناك ليرقُد بسلام…” طلبت فانيسا بهدوء
“في الواقع… ذلك الرجل الجالس هناك قد أطاح بخمسةٍ منا أثناء هجومنا المفاجئ. لقد ثار في وجهنا عندما أخذتك الزوبعة بعيدًا عنهما.” نظر نحو رايندار مُخاطبًا. “وقف بعدها أمامي ثم أخبرني أنه سيذهب معنا إن عنى ذلك إيجادك بأمان… لا أعرف عن جزئية معاملة السيد آلتوس لك، لكنني دبَّرتُ الأمر كي أسمح لك بلقاءه.” قال فامي
“آااه… لكن ماذا عنكِ فانيسا… ما الذي تُخططين لفعله؟ هل أنتِ متأكدة؟” سألَت العجوز سيرا بهدوء قاتم
عند المنعطف القادم، ظهرت الزنازن أمام عينيّ إليان القلِق… لقد كان في حالة ترقُّب وصدمة. اختلاط مشاعر أصابه جعله يركض باتجاههما.
“سأكون شاكرةً إن قام كلٌّ منكم بتنفيذ أوامري الأخيرةِ هذه بصفتي قائدة القبيلة… يجبُ علينا تقليل الخسائر ما أمكن… ابحثوا عن الناجين واهربوا بعيدًا لتنجوا بحياتكم! سأمنعهم من الوصول إليكم على جُثتي… سأتعاملُ مع الوضع!” قالت بهدوءٍ وثقة
“وهل نهاية العالم… شيئٌ تُقرّره أنت؟” سألَت بهدوء
لقد كان حضور القائدة في القرية شيئًا لا جدال عليه… كلماتها كانت أثقل من أن يناقشها أحدٌ بعد نُطقِها بهم. هذه كانت الكاريزما التي اتَّصفت بها في القرية ببساطة.
الرياح اشتعلت بينهما فجأة، ثلج من جهته، شرر من جهتها. كأن الطبيعة نفسها تنقسم، تُطيع كلاً منهما في آن واحد.
خطَت فانيسا في البوابة وهي تحمل الجدع الأُفقي للجثَّة. بعدها انغلقت البوابة وكأنها لم تكُن… هذا كان سحر فانيسا؛ الخيط المكاني.
حدَّقَت فيه فانيسا بعيونٍ لا يوجد فيها خوف، بل غضب صامت، غضب ورغبة بالانهيار.
انتقلت فانيسا إلى أمام آلتوس وجُندياه مُباشرة.
كانت القرية مشتعلة كفمِ وحشٍ انفلت من الأساطير.
لهيبٌ يلتهم الثلج، ودخانٌ يرتفع كأرواحٍ شُرِّدت من أجسادها. الجثث مرمية في كل اتجاه، بعضها يتجمد فوق الثلج، وبعضها تحرقه النار حتى يصير رمادًا رماديًا كما الغبار وكأن ذلك الشخص لم يكن له وجود.
“إذهبا لتوجيه البقيَّة” أمر آلتوس جندياه خلفه بهدوء
وسط هذا الخراب… وسط هذه الفوضى وقف آلتوس وخلفه جنديَّان.
كان جسده الطويل يشعُّ ببرودة ملكٍ منسيّ، ومحيطه محاطٌ بدائرة جليدٍ واسعة، تمنع النيران من مسّه كما لو أنها تتراجع أمامه احترامًا أو خوفًا. الرذاذ المتجمد يتساقط من خطواته، يطفئ السعير بلمسة صقيع واحدة.
في هذه الأثناء، كان إليان وفامي قد وصلا إلى وِجهتهما… إلى موقع رايندار وليارا على حدِّ قوله.
ثم ظهرت أمامه فانيسا… ما كان ينتظر منذ البداية وصل. خرجت من بوابة مكانية وفي يدها جدعٌ أُفقيٌّ لأحد جنوده من إلف الجليد.
“رايندار… هذا أنا… إليان… أنا آسف على كل هذا… أنا حقا آسف… إنه بسببي… احتجازك هنا. لو أنني وضعت كبريائي وعدنا أدراجنا بدل التغلغل في الغابة بحجة أنه صيدي الأول… أنا آسف… أنت شاحب بسببي…” قال إليان وعيونه غارقة في اليأس موجَّهة للأسفل
“رود…” همس أحد الجنديَّان بحزن
شعرها الرماديّ يهتز بخفة كأنه يطفو فوق ريحٍ خاصة بها، وعيناها المُرهقتان، بلون عذوبة الرماد الهادئ، عليهما انعكاسُ النيران المُستعرةِ ولا شيئ سواه كمن يُحدِّق في الجحيم، تحدقان بثباتٍ لا يليق إلا بقائدٍ يعرف أنه آخر أملٍ تبقى لشعبه.
كانت تبدو منهكة من هول الحادث لكن وقفتها كانت ثابتة لدرجة تُسكت كل ما حولها للحظة قصيرة.
“أنتِ… لستِ نقيّة.” قال بهدوء
وقف الاثنان وجها لوجه… آلتوس وتاجُه البلّوريُّ يتوهج كقمرٍ ثلجيّ. وفانيسا والوهج الفضي على بشرتها يرتجف من حرارة النار، لكنه لا ينطفئ.
بينهما كان الجحيم ذاته… لهيب يُصفّر كذئبٍ جائع، جثث ملقاة بلا حركة، دماء تتبخر فوق الثلج… وكأن القرية كلّها تنزف أمام أعينهما.
“حسنًا إنهم في قرية أنصاف القطط المخفية حاليًا.” قال فامي بابتسامة
“هذا يخُصُّك… لقد جاء خلف رأسي فقتلتُه… لا اعتراض صحيح؟” قالت
الدهليز المؤدي إلى الزنزانة هو نفق طويل محفور يدويًا في عمق الجبل، ضيّقٌ لدرجة تجعل الكتفين يلامسان الجدران الجليدية. يُنير المكان ضوءٌ أزرق باهت نابع من طحالب متجمّدة علِقت داخل الجدران نفسها، تتلألأ ببرود.
“لا اعتراض!” أجاب آلتوس
“حسنًا على مهلك، لا تقلق بشأن شيئٍ كهذا فأنا بخير كما ترى”
“حسنًا لكنني أخشى أنني أعترِض على هذا الجُرم الذي ترتكبونه هنا!” قالت
“هل أنت بخيرٍ فعلًا؟…” قال إليان
رفع آلتوس ذقنه قليلًا، نظرة من يرى شخصًا يعرف أنه لن ينجو. صوته كان باردًا، كصوت قاتلٍ يتكلم…
“لنرقُص!” قال آلتوس
“ما كان يجب أن تخفوا هذا المكان. كنتِ تعلمين أنكم ستصلون إلى هذه النهاية يومًا ما لا محالة…” قال بهدوء
آلتوس مد يده، والهواء حوله تشقق بطبقة رقيقة من الثلج. فانيسا رفعت يديها معًا، وكأن الرماد نفسه يلتف حولهما
يُتبع…
اقترب خطوة… اقتربت خطوة.
لم يتحرك شيء من جسد آلتوس، لكن الهواء حوله ازداد جليدًا. بدأ الثلج يتصاعد من تحت قدميه كموجة بطيئة. أما فانيسا، فرغم تعبها، وقفت كمن تتحدّى جبلًا كاملًا.
اقترب خطوة… اقتربت خطوة.
“أيتُها القائدة…” قال فرانكي
بدون ردٍّ انطلق الاثنان لتأدية ما أُمِرا. بقي آلتوس و فانيسا وجهًا لوجه، لا طرف ثالث بينهما، صوت النيران يحتدِم، يتقافز بينهما لهيبها البرتقالي كالإبر. جثة صغيرة خلف فانيسا تختفي تحت رمشة لهب.
كانت زنزانة رايندار عبارة عن غرفة حجريّة مجمّدة بأحجار بلّورية صلبة، تشبه أعمدة ثلجية مزروعة في الأرض والجدران. لا باب فيها، تُفتح فقط عندما يستخدم أحدهم سحر الجليد لفكّ التشابك البلّوري.
عينا آلتوس عكستا بريق النار، فتحولتا إلى لون ياقوتيّ مصفّى…
“أنتِ… لستِ نقيّة.” قال بهدوء
ولوهلةٍ واحدة… سقطت جثّة محترقة بينهما، وانفجر خلفها منزلٌ صغير بصوت كالرعد. ومع ذلك… لم يرمش أيٌّ منهما.
رفعت ذقنها رغم الألم.
“أيتُها القائدة…” قال فرانكي
“وأنت… لستَ حاكمًا لنا.” قالت
لقد كان هذا المخبأ أرض إلف الجليد… لقد كان الجنود متمركزين هنا وهناك، في وضع الاستعداد، لقد كان حواليّ خمسة منهم بالإضافة لفامي، مستعدين في حال حاول رايندار أو ليارا الهرب.
كان المشهد يشبه لوحة منتهية؛ ملك الشتاء يقف تحت سماءٍ مضطربة، ومحاربة نصف بشرية تشعّ بضوءٍ فضّي،
وحولهما جحيمٌ يبتلع كل شيء.
التصادم بينهما… لم يكن مجرد قتال، بل كان صدام عالمين. عالم يُؤمن بالنقاء، وعالم يُؤمن بالبقاء.
“لنرقُص!” قال آلتوس
“ستكُون رقصتك الأخيرة!” أجابت فانيسا
“حقًا؟”
كان المكان الذي احتُجز فيه رايندار وليارا أبعد ما يكون عن صورة قلعة جليدية فاخرة كما تتخيّلها القصص حين سماع إلف الجليد… بل كان شيئًا أشبه بمقبرة متجمّدة بُنيت داخل أحشاء جبلٍ من الثلج الصلب.
مكانٌ خاوٍ، صامتٌ كالقبر، لا يُسمع فيه سوى صوت الأنفاس الباردة وتكسّر الجليد الدائم خلف الجدران.
“من هذا الطريق…” قال فامي
يُتبع…
كل خطوة تُصدر صدىً بطيئًا، كأن الأرض تتنفس من تحت القدمين. الهواء بارد إلى درجة تلسع الرئتين، يجعل حتى المحاربين الأقوياء يشعرون بأن عضلاتهم تثقل، وبأن كل حركة تستنزف جزءًا من روحه.
“الزنزانات تستنزف المانا ولا تسمح لها بالتجدد داخلها، ما يُعطي إشارة بأن الشخص ميِّت أو في وضعٍ حرج. لقد تعمَّدتُ ترك قلادته خلفنا على أمل أن تجدها قائدة قبيلة أنصاف القطط وتدفعك للمغادرة بحثًا عن رفيقيك!” قال فامي
“ماذا تعني بكلامك؟” قال صوت أنثوي قريب
“تعمَّدت تركها؟ ما قصدُك؟ لماذا ستحتاجون مني مغادرة القرية؟ إنها مخفية بعد كل شيئ…” قال إليان
الجليد على الجدران كان حادًا مثل السكاكين، مجعولًا عمدًا بهذه الطريقة كي يستنزف قدرة السجين على الحركة. سقف منخفض… هواء خانق… وَحدَة مطلقة.
“لا اعتراض!” أجاب آلتوس
في وسطها كان رايندار، مقيّدًا بسلاسل بلورية تُخدّر الطاقة الجسدية وتمنع أي انفجار طاقي، كان رايندار جالسًا داخلها بصمتٍ بارد. ركض إليان نحوه فور رؤيته، سقط على ركبتيه.
يُتبع…
“رايندار!” صرخ إليان
ركض إليان مهرولًا ليقف أمام زنزانتها، لقد كانت مقيَّدة كما رايندار لكن لم يكُن يبدو عليها التعب… مجرد ملامح الملل.
“إليان…” قال رايندار
رفعت ذقنها رغم الألم.
“حقًا؟”
“أنا آسف لا أجيد هذه اللقاءات الدرامية مع ذلك.” قال رايندار
يُتبع…
“بأفضلِ حال… كما ترى في هذه الزنزانة لا أستطيع إصابة نفسي بسبب رعونتي الخرقاء.” قال رايندار ساخرًا
“هاه؟” أجاب إليان
لقد كانت ليارا… إنه صوتها. لقد كانت في زنزانة مجاورة. مشابهة تمامًا لنمط زنزانة رايندار بكلِّ شيئ.
يُتبع…
“ليارا… هل أنتِ بخير!” قال إليان
“إليان لقد جئتَ لإنقاذنا كما في القصص الفانتازية!” قالت بسخرية لتليين الأجواء المقلقة
“حسنًا…” أجاب
بعد ذلك كان هناك سيفٌ موجَّه لحُنجرته… لقد كان سيف إليان الذي سحبه من غمده بسرعة إثر سماع هذه الكلمات.
إلتفَت خلفه ليجد فامي يبتسم في وجهه بابتسامته المعتادة المخيفة. أعينه مغلقة وفمه عليه ابتسامة عريضة تكاد تلامس أذناه.
“أنتما لم تتأذيا صحيح؟” قال إليان
“لا… في الواقع لقد ذهبنا معهم بملئ إرادتنا.” قالت ليارا
“حسنًا…” أجاب
“بملئ إرادتكم؟” تساءل إليان
“أيتُها القائدة…” قال فرانكي
“بالمناسبة… لقد كنتُ مشتَّتًا بسبب رايندار وليارا، لكن ماذا عن آلتوس وأصدقاءك… لا أرى العديد من الإلف هنا.” تساءل إليان
Comments for chapter "الفصل 28"
MANGA DISCUSSION