ركض إليان مسرعًا في نيةٍ منه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وخلفه أتى رايندار لاحقًا إيَّاه… كان الحطام يملأ القرية؛ البيت لم يعد البيت، والممرات لم تعد الممرات، مجرد ساحة معركة تستعر في جنباتها النيران وتظهر في أركانها مختلف الهجمات السحرية، كان الدخان يتعالى من الحريق ليزيد من سواد ليل السماء. كان إليان يركض وفي ذهنه يستحضر تلك العائلة التي احتضنته تلك الليلة في بيتها، ذلك الدفء العائلي الجميل… استدار من هنا وهناك، أخد منعرجًا من هذه اللفة ومن تلك، لكنه لم يستطع إيجاد المكان ما جعله يستغرِق وقتًا أكبر وهو يبحث و أصوات أنفاسه المتجمدة تتعالى في الهواء، كان رايندار غير قادرٍ على إيقافه وهو يبحث مهرولًا كما المجنون.
ثوانٍ قليلة بعدها، وجد إليان نفسه أمام البيت المنشود… لكنه تمنَّى أن لا يكون كذلك… فأمام مدخل البيت ببضع أمتار وجد أجساد فرانكي وسولدات جالسةً على رُكبِها، ورأساهما مفصولان عنها يتدحرجان حولهما بفعل الرياح العاتية التي تزيد من جحيم المشهد، فتقوِّي شدَّة النيران وتحرق الجثت…
ثم انتبه إليان إلى نافورة يعرفها جيِّدًا؛ في الساحة الصغيرة كانت نافورة متجمدة تتوسَّطها، اعتاد الأطفال اللهو حولها حتى ساعة متأخرة… لقد كانت قريبة من بيت فرانكي وسولدات. لكنها لم تعد نفس النافورة… الآن، كانت شبه محطَّمة كلِّيًّا، والمياه فيها تحوَّلت للون أحمر، نتيجة اختلاطها بدماء عدد من جثت الأطفال الملقية فيها… كان انعكاس النيران البرتقالية ينعكس على لمعةِ نور القمر على المياه الحمراء ما جعلها تبدو كنهاية سلامٍ سكَن هذه القرية طويلًا… والليلة انهار ذلك الرمز!
زَفَر فامي ببطئ، كان البُخار يخرج من فمه البارد، بعدها سقط جدع دان أرضًا على رجل فامي، ملطِّخًا إيَّاه بالدماء. أزال فامي جسد دان من على قدمه بتحريكها، ثم استدار باتِّجاه ليارا.
“لقد إقتربنا…” همس إليان لنفسه
كان يُزَيِّنها رسمٌ مبسَّط لإليان وهو يبتسم بإشراقٍ كما لم يفعل من قبل، وقربه رسمةُ أذنٍ صغيرة يكسوها الفراء تُشير لقبيلة القطط ربما… كان هذا المشهد قاسيًا عليه… لم يشعر بنفسه حتى لمس دمعةً تنزل من عينه اليمنى… كانت عينه اليمنى تذرف الدموع بانهمارٍ دون توقف، بينما كانت اليسرى فارغةً تمامًا تُراقب بصمت…
نظَرت ليارا لفامي وهو يتقدّم بثباتٍ متجاوزًا إياها.
سقط إليان بدوره على ركبتيه من هول المنظر… حاول رايندار الإمساك به لكنه تركه لحاله عالمًا بقسوة التجربة عليه.
ظهر إليان بينهما في لحظة، سيفه يصد طرف الرمح، الشرر ينفجر حولهما من احتكاك الجليد بالحديد. لم يكن وصوله هادئًا… كان انفجارًا من الغضب والرعب وشيء أكبر، شيء لم يعرفه من قبل إلا حين خسر كل شيء.
“تعرفهما؟” همس رايندار
“نعم… حسنًا… أعلم…” أجاب رايندار
كان إليان محطَّم القلب… غير قادرٍ عن التحرُّك أبعد من ذلك، فنظر إلى رايندار خلفه نظرةً فارغة حزينة.
استدار ليواجه البوابة… كان يكتفي إليان بتحريك أعينه غير قادرٍ على القيام… حينها فقط انتبه لباب المنزل…
كانت كعكة إري ملقيةً عند المدخل تكسوها الثلوج المُتراكمة… كانت كعكة فراولة جميلة، لكن انتهى بها المطاف طعامًا لأرضِ الشتاء…
“تشش” تذمَّر دان
أغمضَت فانيسا عينيها متعبةً، مستسلمةً، مغلوبةً، غير قادرةٍ على قلبِ الأوضاغ…
“أنا حتى لم أبتسِم لها من قبل…”
حينها فقط كان سهمٌ جليدي يتوجَّه نحوها مُقاطعًا كلامها على وشك اختراق عنقها وإخراسها…
حاول إليان الوقوف للبحث داخل البيت بدوره لكنه لم يستطع…. بدأ يزحف نحو الباب المُشرعِ أمامه… بدأت ذاكرته تنشط عندما انتبه لجثة ميدميل الملقيَّة عند المدخل وجنبها ابنتها الصُّغرى نينا، فتذكَّر كلام نينا الصباحي له وجدِّية معاملة ميدميل له كضيفٍ لها… إنتبه لمارلا ميِّتةً وهي تحمي الأطفال، فتذكر كلامها قبل رحيله عن العودة قبل حلول الليل… إنتبه لرأس زينوف المقطوع في البيت وجثت الأطفال بأسهمٍ ضخمة تخترق أجسادهم فتذكَّر جو البيت الحيويِّ عند الفطور… إنتبه لجثة لانغ المقذوفةِ خارجًا فتذكر لُطفه، حزمه، وجدِّيته… لم ينتبه لهيو وإري لكنه لم يُفكِّر في شيئ خاص وقتها…
عندها شكَّل دان نصف دائرة تحيطه من السِّهام الجليدية…
“إليان…” نادى رايندار خلفه بهدوء
“أ تعلم رايندار… أنصاف البشر يعيشون شبابًا مديدًا… لكن هؤلاء الأطفال لم يبلغوه بعد حتى… إنهم مجرد براعِم قُطِفت مبكِّرًا…” قال إليان بتألُّم
“صَادقتَ البشَر، والآن تُدافع عنهم… لأيِّ درجةٍ بلغ بك التبجُّح؟!” سأل دان باستخفاف
“أنا شخصٌ سيئٌ بالفعل… أنانيٌّ للغاية… لقد كرِهتهم في البداية… مجرد جبناءٍ يحتاجون إلى قائدتهم للدفاع عنهم… ومع ذلك، هاجموني جميعًا… بعضهم طلب مني العودة من حيث أتيت والبعض رمقني بنظرات اشمئزاز… لقت تمنَّيتُ لهم الموت حقًا…” قال إليان بهدوء
“فهمت…” أجاب رايندار
“تشش” تذمَّر دان
“لكن هذه العائلة كانت مختلفة… لقد احتضننوني رغم كوني غريبًا عنهم لم يعرفوا عنه شيئًا… لكنهم كانوا كُرمَاء كفاية لتخصيص غرفةٍ لي كما فعلتَ أنتَ تمامًا… لقد حاولوا الترحيب بي لكنني خنتُهم… لقد توقَّعتُ أن خُطَّتي ذكية بما يكفي كي لا تترك خلفي أثرًا… صدقًا… رايندار، صحيح أنني قلت أنني ابتغيت لهم الموت في البداية، لكنني لم أقل ذلك حرفيًّا، فهمتني صحيح؟” قال إليان بتوتر
“نعم…” قال رايندار
يُتبع…
“آسف مشاعري متلخبطة، لا أستطيع التفكير لذلك كلماتي متداخلة في بعضها… لكنك تفهمني صحيح؟… في النهاية أنا مجرد غبي… وغدٌ أناني سيموت على كلِّ حال… لكنني جررتُ معِي هؤلاء الناس المُسالمين للموت… هم لم يريدوا ذلك… نينا أرادت أن تكبر!” تكلم إليان بأصواتٍ متوترة وطبقاتٍ متفاوتة
“إنه أنت إذًا فامي… ماذا تفعل مع هذه البشريَّة الدخيلة؟” قال جندي إلف
“إليان ماذا تقصِد بكونك ستموت على كلِّ حال… أنت قوي، ستتخطى هذا… سننقذ ما يمكننا إنقاذه معًا صحيح؟” قال رايندار
تمكَّن فامي من تفادي السِّهام بدرعٍ من جليد كوَّنه سريعًا. ومن خلفه، سرعان ما خرج فامي راكضًا نحو دان المكشوف موجِّهًا أنصال مختلفة من الجليد نحو موقعه. تفادى دان الأنصال الجليدية، وأمسك أحدها فاستدار بقوَّة وأعاد إرساله محلِّقًا نحو فامي. الأخير تجنبه سريعًا فمرَّ النصل محلقًا من خلفه ليحوِّل بيتًا خشبيًّا يحترق إلى رُكام.
كان رايندار يفهم شعور إليان… لقد كان يرى الدمار الذي يملأ القرية ويفهم أنه صنيع مغادرة إليان للقرية بتهور… لقد كان يفهم ذلك، وكيف يمكن أن يكون ذلك صعبًا، لكنه لم يستطع تغيير شيئ بعد هذه المجزرة غير مواساته.
عند إختفاء الرياح، ظهر خلفها رجلٌ أزرق البشرة بعينين زرقاوتين باردتين… لقد كان فامي، وقد حمَى ليارا من الموتِ المحقَّق.
“أنت حقًا شخصٌ لطيفٌ رايندار… أتمنى لك حياةً مديدة حقًّا… أنت وليارا…” قال إليان
“قِف… لا تنسى سبب قدومنا هنا في المقام الأول… لقد علمنا في طريقنا إلى هنا بأن هذا هو المشهد الذي سينتظرنا، وهذفنا كان ولا زال إنقاذ أكبر قدرٍ من الأرواح!” قال رايندار
“الأمر ليس كذلك… تخيُّل الأمر لا يُقارن برؤيته… فبنفس الأعين التي رأيتُ بهم الحياة في هذه القرية، أنا الآن أرى الموت… موتٌ تسببتُ به أنا… أنا…” قال إليان بحزن
“تعرفهما؟” همس رايندار
تقدم رايندار نحو إليان الجالس على ركبتيه في الأرض المثلجة، رفعه من دراعه وصرخ…
ردّ رايندار، وهو يشدّ قبضته على غمدِ سيفه “مجرَّد بيدقٍ آخر… على ما أعتقِد!”
“نُواحك لن يُفيد! لقد ماتوا… أ تعلم كم شخصًا مات بسببي كذلك! لا تتصرَّف وكأنك الشخص الوحيد الذي مرَّ بمعاناةٍ هنا… لا تُحاول لعب دور الضحية البائس المثير للشفقة هنا! قِف!!” قال رايندار
وقف إليان ببطئ إثر سماع هذه الكلمات الغير متوقعة من شخصٍ هادئ مسترخي أخرق مثل رايندار… لكنها أدَّت غرضَها ببث روح خفيفة في قلبه تسمح له بالوقوف وتذكر سبب مجيئه.
توجَّهت السِّهام مسرعةً نحو ليارا التي بدَت متفاجأةً من هجومه، لكن السِّهام تمَّ إسقاطها أرضًا بموجة رياحٍ جليديَّة.
“إلى أين سنذهب؟…” سأل إليان
“إلى مركزِ هذا الجحيم!” أجاب رايندار
آلتوس رفع حاجبه، وكأنه لم يتوقع تدخّلًا بهذه السرعة.
“انتبهي لخطواتكِ، أنت صيَّادة وتعلمين خطورة المكان حاليًا!” قال فامي
في هذه الأثناء كان يمشي فامي بثقة وسط الحُطام، وخلفه كانت تمشي ليارا بحذر.
“فهمت…” أجاب رايندار
“أنا أعرف-” قالت ليارا
لكن صوتًا معدنيًا دوّى قبل أن يصل.
بسُرعة خاطفة سبقت سرعة السهم، حطَّمه فامي المُحلِّق بيديه العاريتين… إتَّضح لاحقًا أنه قام بتصليب يده بالجليد.
كانت ليارا تُراقب ما حدث مفزوعةً، عاجزةً عن المواكبة.
“نحنُ مستهدفون!” همس فامي
“نعم…” قال رايندار
أخمدت هجمة الجليد الأخبرة من فامي شيئًا من النار المستعرة المحيطة بدان فكوَّنت سحابة ضبابٍ كثيفة تغطِّي مكان دان وتفصل بينهما.
“دان!” همس فامي
وقف فامي أمام دان، ثم ركله بقوةٍ بشكلٍ مباشر في صدره.
“نعم صحيح… هذا أنا عزيزكم دان!” قال دان
تفادى فامي هجوم الساريات ببراعة متنقلًا بين الظلال، لكنه لم يتمكَّن من تفادي أحدها، فظنَّ أنه هالك، قبل أن يأتي سهمٌ خشبي مسرع نحو السَّارية ليُضعفها ويشقِّقها، ما سمح لفامي بتوجيه لكمةٍ بسيطة ويُحطِّمها.
“…”
صمت الجميع بعد تقديم دان المرح لنفسه، بعدها فقط اتَّخذ وجهه ملامح جدِّية… “إذًا؟ ماذا تفعل مع هؤلاء البشر هنا… فامي؟!” قال دان ببرود
“دان!” همس فامي
“أوامر السيد آلتوس مُطلقة!” أجاب فامي ببرود وثقة
“أ تعلم، من الصدفة أن السيد آلتوس أمرني أيضًا بالبقاء هنا ورصد أي محاولات تدخُّل في صيدنا… وأنتم محاولة واضحة هنا!” قال دان بجدية
“دان!” همس فامي
“…”
“أتيتَ إذًا!” قال آلتوس
صمتٌ خفيف رافق عيونًا زرقاء باردة وهي تواجه بعضها… حينها تحرَّك الاثنان بسرعةٍ خاطفة…
سعلَ دان دمًا، ومعالم الاستياء تعلو وجهه. تراجع للخلف من قوة الركلة، ثم وضع يديه فوق الأرض فإذا بسارياتٍ جليدية عملاقة تنبثق من الأرض نفسها ملاحقةً رأس فامي.
اصطدم الجليد في بعضه، سرعان ما شكَّل الاثنان سيفًا جليديًّا حادًا سُمع تصادمهما من مسافة… انكسر السيفان الجليدين فورًا من شدَّة القوة.
“لكن…” همسَت
استدار دان بسرعة ووَجَّه شظية جليدية ذهبت مسرعة نحو فامي. الأخير تفاداها ببراعة رغم قُربها، ثم وجَّه ركلةً بقدمه نحو ذقن دان.
الركلة كانت معزَّزة بسحر التصلُّب، قوية كفاية لتقذف دان بعيدًا. ثم قفز فامي عاليًا في السماء، شكَّل سحرًا جليديًّا قويًّا في كلتا يديه وأرسله بقوَّة نحو دان الملقيِّ على الأرض وسط كومة الخشب والنيران.
“لقد سببتِ متاعب كبيرة لي أيَّتها القطة الصغيرة، لكنني أظنُّ أنه الوداع.” قال
وضع دان يده على للأرض فانبثقت منها رماح جليدٍ مرسلة نحو فامي بسرعة دورانٍ مذهلة. صلَّب فامي أطراف جسده ثم اندفع مسرعًا بينها ليقترب من دان.
“تشش” تذمَّر دان
أما إليان… فكان الغضب يغلي في صوته لأول مرة. “أنت لن تهرُب دون عقاب من إجرامك هذا! آلتوس!!”
“أيَّتها الذبابة!” صرخ دان في وجه ليارا
“لكن…” همسَت
“نحن في أراضٍ باردة، لا يعيش الذباب هنا! لكن بالأصحّ، أنا أرى بعوضة ثلجٍ تقفُ أمامي متكبِّرةً…” قالت ليارا بثقة
‘كيف تمكَّنوا من معرفة مكان القرية… كان يُفترض أن يكون ذلك مستحيلًا حتى على أعتى الأسياد… هل هو إليان بعد كلِّ شيئ… بعد كلِّ ذلك الكلام عن عدم تعريض أهلِ القرية للأذى… أنا مُذنبة…’
“توقَّفي، لا تستفزِّه!” صرخ فامي
من الأرض إنبثقت سلاسل جليدية نحو فانيسا المُرهقة. كبَّلت يداها وامتصَّت طاقتها.
كانت النظرة الباردة نفسها تعلو محياهما، لقد نظرَا لبعضهما بنوعٍ من البغض والأسى، كما لو أن التراجُع انتهى.
نظرَت ليارا من خلف ظهر فامي الحَامي بتمعُّن لأعين دان الباردة… رمَشَت للحظة، فإذا بفامي يقِف أمام دان مباشرة… رمَشَت مجددًا، لتجِد رأس دان مفصولًا عن جدعه، واقعًا على الأرض المُثلِجة.
“أيُّها الخائن!” قال دان بهدوء
“لنذهب…” قال
وهنا تقدّم آلتوس بخطوات ثابتة.
“هل أنتَ متأكدٌ أنك في صفِّنا؟..” سألَت
“أنا لستُ في صفِّ أحد… تلاقَت أهذافنا لا أكثر.” أجاب
كانت فانيسا تقِف بصعوبة، كان الإرهاقُ يملؤ جسدها، لقد كانت تنهث وتتنفسُ بصعوبة وهي ترى الإصابات القويَّة التي أذَت آلتوس بها لا تؤثِّر في وقفته.
“لكن…” همسَت
“إلى أين سنذهب؟…” سأل إليان
“إنها ليسَت المرة الأولى بالنسبة لي… هيا بنا.” أجاب
تقدَّم الاثنان في طريقهما، وكانا يُصادفان أحد الإلف بين الفينة والأخرى، تارةً كانت تُسقطهم ليارا بأسهمها، وتارةً كان يغدرهم فامي متسلِّلًا بين الظلَال لينهي حياتهم. استمرَّ الاثنان بالتقدم وسط جبال الضحايا المُتراكمة في جنبات الطريق مشكِّلةً مختلف المشاهد القاسية. كانت النيران تبتلع المكان وتعكسُ لونها على بياضِ الثلوج، لكنهما استمرَّا بالتقدم بثباتٍ والقضاء على الغُزاة.
‘ما أنت؟! أيُّها الكابوس!!’
وقَف آلتوس أمامها بابتسامة كبيرة تعلو محياهُ وكأنَّه يستمتعُ بالأذى. لقد كانت ابتسامةً عريضةً واسعة تعلو وجهه.
“كـــــــــــنغ!”
“اهاهاهاهاهاهاها!!” ضَحَك
سقطت فانيسا على رُكبتيها مُرهقةً من هذا القتال. كانت السلاسل تمتصُّ طاقتها باستمرار فلم تستطِع نقل نفسِها بعد الآن. كانت تنظُر إلى آلتوس الواقف أمامها على مسافةٍ، وهو يضحك بنشوةٍ كالمجنون، لكن سُرعان ما سكتَ وعاد إلى وضعية البرود القاتِم، انطفأ حماسه وعادت أعينه الباردة للبروز بنظرةٍ هادئة تعلو وجهه.
يُتبع…
“لكن…” همسَت
وهنا تقدّم آلتوس بخطوات ثابتة.
رفع يده عاليًا، وبدأ رمحٌ جليدي هائل يتشكّل فوقه، كقضيب إعدام نازل من السماء مخترقًا غيوم الليلة السوداء. بدت فانيسا عاجزةً أمامه عن فتح بوابة أخرى… المانا في جسدها انطفأت تقريبًا، وطاقتها انتهت منذُ زمن.
سقط الرمح نحوها.
“فهمت…” أجاب رايندار
“كـــــــــــنغ!”
“أتيتَ إذًا!” قال آلتوس
“أتيتَ إذًا!” قال آلتوس
“دان!” همس فامي
وبينما كان إليان يضغط بكل قوته لإبعاد الرمح، ظهر رايندار من الخلف، يقف بجانب فانيسا ويضع يده على كتفها ليمنعها من السقوط.
“من تكُون…” همسَت فانيسا
“نحنُ مستهدفون!” همس فامي
ابتسم آلتوس إثر هذه الكلمات “هَلُمّ!”
وهكذا… لحظة قبل أن ينهار الضوء والجليد والمانا في ساحة واحدة، كانت المواجهة الحقيقية على وشك البدء.
Comments for chapter "الفصل 32"
MANGA DISCUSSION