كلُّ أنصاف البشر القطط الذين شاهدوها تسقط أمام البوابة قدِموا لنجدتها، صغارًا كانوا أم كبارًا، رجالًا كانوا أم نساءًا. بينما أنا متعب وقلقٌ بدوري على منقذتي، رأيتُ عددًا من الأشخاص ينقضُّون علينا لتفقد حالة محبوبتهم.
“لا يجب أن يخرج سالمًا من أرضنا هذه!”
كان التوتر باديًا على الجميع، لم يكُن ضمنهم شخصٌ من دوي الاختصاص في الإسعاف لكنهم لم يتوقَّفوا عن إحداث ضجة جعلت الشعب يتجمهرُ حولها أكثر فأكثر. لقد كانت بهذه الأهمية لدرجة أنهم لم يُلقوا إنتباها لي وأنا الذي أُعتبر دخيلًا على قريتهم المخفية.
بصوت جماعي راضِخ لأوامر العجوز انصاعوا لطلبها. وبذلك تبعتُها لمنزِلها بينما حمِل رجلَان فانيسا المصابة خلفنا.
“أين هي الأم الشَّريفة؟!”
بشرتها فاتحة اللون، مخطّطة بتجاعيد دقيقة تشبه شروخًا رقيقة على سطح الجليد. شعرها أبيض كالقطن، تضفره على شكل جديلتين تنسدلان على كتفيها، ويتخللهما خيوطٌ من الصوف الأزرق الفاتح ترمز ربما لمكانتها. أذناها فوق رأسها كثيفتان، لكنهما تتدليان إلى الجانبين بمرونة ناعمة، وفروهما ناعم ولونه فضيّ عند الأطراف، عينها اليمنى بلون الثلج الصافي، أما اليسرى فتغطيها طبقة ضبابية بسبب فقدان البصر على ما يبدو.
“فليناديها أحدكم!”
لقد كانت كلماته وكأنه ألقى قدَّاحةً في الزيت. نشب إثرها تهجُّم علي، وعلى هوِّيتي، وعلى هذفي.
“أيَّتها الأم الشريفة تعالي وأسعِفي القائدة من فضلك!”
“لقد كنتُ أصيد بعض الدببة رفقة زميليّ، فجأة قام بعض إلف الجليد على ما يبدو بمهاجمتنا وإنتهى المطاف بي وحيدًا بعيدًا عنهما. حينها كاد قائدهم الذي يُدعى آلتوس على ما أذكُر بمهاجمتي راغبًا في قتلي، وهناك ظهرت فانيسا… لقد أنقذتني من قبضته وخاضت قتالًا لم أشهد مثله قَطّ بُغية حمايتي، وقد تأذت كثيرًا إثر ذلك، وما إن وجدَتْ فُرصة سانحة للهرب، مسكَتْني وإنتقلت بنا إلى هذه القرية. فتحَت الحاجز ودخلنا لأرضها، وبعد ذلك سقطت أرضًا، يبدو أنها جمعت شتات نفسها طيلة الوقت ولم تسمح لنفسها بالسقوط حتى شعرَتْ بأمان البيت.” قلت
“لما لا نحمِلها لها؟”
“إنها الأم الشريفة… إنها الأم الشريفة!”
“ماذا إن كانت قد أصابت رأسها ولا ينفع تحريكه!؟”
“قائدة~~~”
“لكن… القائدة!”
“ما الذي يحمله في خصره… أهو سيف؟”
لقد كانت فانيسا أو بالأصح “القائدة” هي همَّهم الشاغل وقد انقسمت على إثرها الآراء حول إعانتها وبدأ يظهر توتُّر أكبر على الأجواء وساد القلق والغضب بين العامَّة لدقائق ودخل بعضٌ من رِجالهم في مناوشات حتى. لقد كانوا جميعًا عبارة عن حطَّابين إن أردتَ وصفهُم، لا يوجد ضمنهم أشخاصٌ يبدو عليهم أنهم أطباء أو مقاتلين، لذلك كان تشخيصُ حالتها مستحيلًا عليهم وهو مازاد الأجواء المشحونة شدَّة.
“…”
“جسدُها تملؤه الإصابات… من فعل هذا بها بحق الجحيم!” قال أحد الرِّجال
“… إليان…” قلت
لقد كان ذلك الوقت الذي انتبهوا إليَّ فيه لأوَّل مرة.
“من أنت يا هذا! دخيل؟” قال
“يبدو ذلك مناسبًا لي… دورك الآن إذًا!” قالت
“يموت!” قالت
لقد كان الأمر عبارة عن عدد من الإتهامات والغضب المُلقى عليَّ من أمامي وخلفي، ومن يميني ويساري. لقد كان الكُلُّ متهجِّمًا خاصَّة رجال القرية، واتَّخدت النساء نظرات احتقار اتجاهي، بينما كان الأطفال متوترين وبعضهم غير مهتم لايدرون مايحصُل فتسبب بغضب البالغين حولهم.
“أنت… ما اسمك؟” سألَتْ
“هل أنت من فعل هذا بقائدتنا؟”
“تَمهَّلوا!”
“كيف تجرؤ على دخول أرضنا هذه!”
“من أرسلك؟ وما هذفك؟”
“تقدَّم خطوة واحدة أخرى للأمام وسنرتمي عليك!”
“هذا كمٌّ هائل من الأسئلة أيُّها الشَّاب الصغير!” قالت
“إنه سيف نعم!”
“أمي أنا خائف…”
“…”
“لاتقلق عزيزي، فحاجز القرية يحمينا من كلِّ شر!”
“كيف إلتقيت بفانيسا” سألَتْ
لقد كنت في منتصف هذه المناوشات بينما كان بعضهم من الذكور عنيفًا يحاول شدِّي أو تثبيتي. لقد كان واضحًا من مظهرهم المتواضع أن سحب سيفي من غمده كفيل ببث الرعب في نفوسهم والابتعاد عني… لكنني لم أكن لأُقدِم على هذه الحركة بعدما سمحت فانيسا لغريب مثلي بعبور الحاجز ودخول قريتها.
“هكذا إذًا…” قالت
“تَمهَّلوا!”
جاء صوتٌ عجوزٌ من خلف هذا الحشد الكبير المتجمهِر أمامي. صوتٌ أزال الجوَّ المتوتِّر من نفوس الشعب وأخفَض الضجيج. صوتٌ رزين جعل الجميع يُفسِح المجال لصاحِبته للمرور.
وضعت العجوز يدها المسنَّة على قلب فانيسا وأغمضت عينيها المتجعِّدتين.
“الهالة التي تقصد بكلامك هي بالأصح مانا! والمانا هي القوة السحرية التي تُشكل السحر نفسه، لا يستطيع أحدٌ العيش في عالمنا هذا بدون قدرٍ بسيط من المانا. إنها جزء لا يتجزء من احتياجات الشخص، تختلف الكميات المحتاجة منها من عرق إلى آخر، لكن في الأخير الكل يحتاج قدرًا بسيطًا على أقل تقدير منها لاستنشاق هواء هذا العالم!” قالت
نطَقَ الجميع بهذه الكلمات وهم يُفسحون المجال باحترام ورضوخ وتقدير.
‘الاستمرارُ في دورِ فاقد الذاكرة هو الأنسبُ حاليًّا لكسبِ معلومات دون شكوكٍ غير ضرورية.’
لقد كانت عجوزًا تُعرف عندهم باسم “الأم الشَّريفة”، وهي أكبر أنصاف القِطط البشرِ سنّاً.
شكلها يحمل كل علامات الزمن الجميل، وكأن السنين لم تُثقلها بل نقشت عليها حكمة الثلج؛ قامتها قصيرة قليلاً ومنحنية برِقَّة، لكن خطواتها ثابتة، كمن يعرف طريقه حتى لو انطفأت كل الأنوار.
“حاضر!!”
“أمي أنا خائف…”
ترتدي رداءً طويلاً مصنوعاً من فراء الأرنب الجبلي الأبيض، مزوّداً بشريطٍ واسع من القماش القديم حول خصرها، عليه طلاسم غير مفهومة لربما تعود لحضارة قديمة.
“إنها بخير!” قالت بهدوء
رغم سنّها، فإن خطواتها خفيفة كخطوات طفل، وصوتها دافئ خافت، يشبه خشخشة نارٍ صغيرة في ليلةٍ شتوية، مريحٌ للأعصاب. أجمل ما فيها هو ابتسامتها؛ تبدو كأن الثلج ذاته يلين عند رؤيتها، وكأن كل خوفٍ أو قلق يتبدّد بمجرد الجلوس قريبًا منها.
“أنت… ما اسمك؟” سألَتْ
الصِّغار يبدو عليهم حبُّهم الكبير لها فتراهم يُحاولون الاقتراب لها لكن أولياءهم يمنعونهم من مُقاطعتها. أما الكبار، فينظرون إليها باحترامٍ عميق، فكما استنبطت هي ليست مجرد حكيمة القطيع بل إنها ذاكرة القرية، وضميرها، وأمّ الجميع.
“هل هو جريئ لهذه الدرجة!؟”
كان هذا هو الجوُّ الذي تبعثُه.
“هكذا إذًا…” قالت
اقتربَتْ بثبات لفانيسا المُلقاة على الأرض محاطةً بشعبها. لكن سرعان ما أفسحوا المجال حولها فور وصول العجوز.
ما إن ذكرت اسم فانيسا حتى عادت الأجواء المتوترة لتسود بين العامّة.
“هل ناداها باسمها المصُون للتو؟”
“هل هو جريئ لهذه الدرجة!؟”
“إنها بخير!” قالت بهدوء
“يجب أن يُسجن هذا الغريبُ يا أُمَّنا!”
هل إقترفتُ خطأً ما للتو؟ هل مناداة اسمها مباشرة لايجوز؟
“صَمتًا جميعًا!” أمرَتْ العجوز
“العجوز سيرا إذًا!” أجبت
“…”
عمَّ الصمت المكان مجددًا. يبدو أن كلماتها بالغةُ الأثر بين أنصاف القطط.
“إليان… هل دخلتَ هذه القرية بإذن فانيسا؟” سألَتْ
“أنت… ما اسمك؟” سألَتْ
“… إليان…” قلت
“هل هو جريئ لهذه الدرجة!؟”
“أنا القائدة السابقة لقرية أنصاف القطط الشمالية المخفية هذه. حاليًا أنا عجوز تؤدي دور الأم الشريفة وهي تنتظر وفاتها. أنت بشريٌّ لذلك لست ملزمًا على مناداتي بذلك، يكفي أن تناديني بالعجوز أو باسمي… سيرا!” قالت
“نعم…” قلت
‘خيط الذاكرة؟’
“حسنًا سأسألك عن التفاصيل لاحقًا… إتبعني!” قالت
“ماذا عن فانيسا؟” سألتُ
“هلَّا تعاونتم في حملِها برِفق إلى منزِلي!؟” طلَبتْ من الشعب
“من أرسلك؟ وما هذفك؟”
“حاضر!!”
“…”
لقد كان كوخًا عاديًا لا يختلِف البتة عن أي كوخٍ آخر في القرية، بسيط وصالح للعيش في دفء. هُناك وُضِعَت فانيسا على سريرِ قطنٍ دافئ قرب النيران المشتعلة في المِدفأة.
“إنه سيف نعم!”
“لكن…” قال الرجلان بقلق وحذر
“لا بأس… إنه شخص صالح سمحت له القائدة بالدخول.” قالت
“حسنًا إذًا!” قالا
“من أرسلك؟ وما هذفك؟”
وبذلك جلستُ أنا ونصفُ القطة العجوز وجهًا إلى وجه على كراسي خشبية قرب فانيسا النائمة على السرير.
“فليناديها أحدكم!”
“إذًا أظن أنني يجب عليَّ التعريف عن نفسي بداية!” قالَت
“هل هو جريئ لهذه الدرجة!؟”
“…”
“العجوز سيرا إذًا!” أجبت
“هل أنت من فعل هذا بقائدتنا؟”
“يموت!” قالت
“أنا بشريٌّ يعيش في جبال هذه المنطقة. أدعى إليان، ولا أملك شيئا جديرًا بالذكر غير ذلك!” قلت
“حاضر!!”
“كيف إلتقيت بفانيسا” سألَتْ
“لكن… القائدة!”
“هكذا إذًا…” قالت
رَوَيتُ لها القصة كاملة باختصار. لا زيادة ولا نقصان، لقد قلت كل ما في جعبتي.
“هكذا إذًا…” قالت
“أريد أن أعرف… ما كان كل ذلك؟ لقد فقدتُ ذاكرتي لذلك لا أعرف مايجري حولي. أكان ما شاهدته سحرًا؟ ماكانت تلك الهالات القوية إذًا؟ لقد ذكر آلتوس شيئًا عن خيط المكان أو ما شابه؟ ما الذي يُفترض بذلك أن يعني؟” سألتُ
“…”
لقد رميت أسئلتي الواحد تلو الآخر على العجوز سيرا راغبًا في تلقي إجابات تكشف حقيقة هذا الغموض الذي يدور في هذا العالم.
‘أعلم بالفعل بوجود السحر في هذا العالم، لكنني مع ذلك غير مدرك لطبيعته وطريقة عمله، لذلك أبدو جاهلًا فيما يتعلق بخصائصه.’
“إنه سيف نعم!”
“…”
“حاضر!!”
“حسنًا إذًا سأجيبك… نعم، مارأيته كان سِحرًا، إنه شيئٌ رائج في هذا العالم لذلك هذه لا تعتبر معلومة حتى. لا أدري عن فقدان ذاكرتك هذا، لكن خيط الذاكرة قادر على شفائك منه على ما يبدو…” قالت
‘خيط الذاكرة؟’
“أين هي الأم الشَّريفة؟!”
“مانا… وماذا إن لم يملك شخصٌ ما هذه المانا؟” سألتُ
Comments for chapter "الفصل 20"
MANGA DISCUSSION